; تركيا: يلماظ وتشيللر يشكلان الحكومـة و الرفاه يحكم الشارع التركي | مجلة المجتمع

العنوان تركيا: يلماظ وتشيللر يشكلان الحكومـة و الرفاه يحكم الشارع التركي

الكاتب محمد العباسي

تاريخ النشر الثلاثاء 12-مارس-1996

مشاهدات 60

نشر في العدد 1191

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 12-مارس-1996

  • توحيد اليمين في حزب واحد سيناريو قوى الضغط لمنع الرفاه من الوصول إلى السلطة

نجحت قوى الضغط المالية والعسكرية والسياسية مؤقتا في إبعاد حزب الرفاه الإسلامي عن المشاركة في حكم تركيا العلمانية، رغم حصوله على المركز الأول في الانتخابات البرلمانية، التي أجريت في ٢٤ ديسمبر الماضي، إذ حصد (۱۵۸) مقعدًا مقابل (۱۳٥) مقعدًا للطريق القويم الشريك الثاني في حكومة أقلية مسعود يلماظ الائتلافية، إذ إن لحزبه الوطن الأم (١٢٦) مقعدًا، بينما جاء اليسار الديمقراطي في المركز الرابع وحصل على (٧٥) مقعدًا، أما الشعب الجمهوري فاحتل المركز الخامس بـ (٤٩) مقعدًا، أما حزب الوحدة الكبير بزعامة محسن يازجي أوغلي فله (۷) مقاعد بعد انفصاله عن الوطن الأم.

ورفضت تلك القوى الخفية كافة الضمانات التي قدمها الرفاه ومنها الحفاظ على المبادئ الأتاتوركية، وعدم إلغاء العلمانية، والدفاع عن الجمهورية، واعتبر ذلك تقية، رغم أن أربكان أراد بذلك خدمة الشعب وتوفير الرفاهية له، فتلك القوى لا تتحمل حتى “الموتيفة” الإسلامية التي يحملها الرفاه، ورفضت السماح له بالمشاركة في الحكم رغم تنازلاته لحزب الوطن الأم وموافقته على موديل» رئاسة الوزراء بالتناوب، مع أن الفرق بين الحزبين ٣٢ مقعداً، وليس مقعداً واحداً، مثل النموذج الإسرائيلي بين الليكود والعمل، إذ إنها تخشى أن يتم كودرة عناصر الرفاه في مؤسسات الدولة، رغم أنهم مواطنون يحملون الجنسية التركية وهو ما يمكن اعتباره انتهاكاً للدستور والعلمانية.

كما أن إبعاد الحزب الأول عن السلطة يعد خرقاً للأعراف الديمقراطية، ويمكن القول أنه للمرة الأولى في التاريخ السياسي لتركيا والعالم أن يتولى الحزب رقم 3 في مجلس الشعب رئاسة الوزراء، وأن تكون هناك حكومة أقلية من حزبين هما: الوطن الأم والطريق القويم، ويستندان إلى ٢٦١ نائباً رغم أن المطلوب ٢٧٦ لتسيير الأعمال الحكومية، مما يعني أن الحكومة الحالية ورقمها ٥٣ في تاريخ الحكومات التركية في عصر الجمهورية ولدت ميتة على حد قول نجم الدين أربكان. فإذا كان بولنت أجاويد - زعيم حزب اليسار الديمقراطي قد شارك في ميلاد تلك الحكومة الميتة بإعلانه الامتناع عن التصويت بالثقة في الجلسة المقررة في الفترة من ١٤ - ١٧ مارس الجاري فإنها ستكون جثة هامدة؛ إذ إن أجاويد برر امتناعه بأنه يستهدف إبعاد الرفاه، كما أن الامتناع يعني عدم تحمل مسؤولية الموافقة على برنامج الحكومة أو قرارتها مما يعني أنه سيعارضها.

فإذا كانت العملية القيصرية لإخراج تلك الحكومة الميتة قد نجحت بـ (٢٦١) نائبًا فإن جهاز تشغيلها يحتاج إلى (٢٧٦) نائبًا ليمكن ضمان ضخ الدماء لتلك الجثة وضمان بقائها في غرفة الإنعاش دون الإعلان عن وفاتها إرضاء للقوى الخفية في تركيا التي لا يهمها مصلحة الشعب التركي سواء على المستوى اليومي المعيشي أو القومي، إذ يتعرض أمنه القومي لمخاطر إقليمية ودولية، مما يعني احتياج تركيا لحكومة قوية متكاملة البنيان.

فتركيا من الداخل تعاني من عجز شهري في الموازنة يقدر بـ (۱۰۰) تريليون ليرة شهريًا، وتضخم سنوي نسبته (77.5%) وفقًا لما أعلنته هيئة إحصاء الدولة في شهر فبراير الماضي، ومن المحتمل أن يرتفع إلى (١٠٠%)، علاوة على نسبة فائدة تصل (٢٤٠%)، ووجود حوالي (١٥) مليون عاطل عن العمل، و(٧٣) مليار دولار ديونًا خارجية بخلاف الديون الداخلية، ولذلك تحتاج إلى حكومة قوية لحل تلك المشكلات.

علاوة على التحديات الخارجية، فروسيا تهدد بشكل علني بتوظيف حزب العمال الكردي المناوئ لتركيا لإبعاد تركيا عن قضايا القوقاز وآسيا الوسطى، كما ستتحرك دوليًا لمنع تركيا من تطبيق قواعد المرور في المضايق التي بدأت في العام الماضي، إلا إنها لم تنفذ بشكل كامل حتى الآن.

أما اليونان فنجحت في عرقلة المصالح التركية في البرلمان الأوروبي، خاصة علاقات أنقرة مع الاتحاد الأوروبي في الوحدة الجمركية؛ إذ تقرر تأجيل مناقشة موضوع المساعدات لتركيا إلى شهر إبريل المقبل، علاوة على رغبة أثينا تنفيذ الاتفاقية الدولية بمد حدود مياهها الإقليمية في بحر إيجه لمسافة (١٢) ميلًا، وهو ما يعني خنق تركيا إستراتيجيًا، وهو ما تعتبره تركيا سببًا لإعلان الحرب، كما أن العلاقات مع كل من سورية وتركيا تواجه توترًا على جبهة المياه، خاصة بعد اتفاق وزيري الري في البلدين في اجتماع الشهر الماضي في دمشق على التحرك المشترك في مواجهة تركيا، وإجبارها على توقيع اتفاقية تقسيم المياه، وليس تخصيصها كما تريد أنقرة.

كما عادت مشكلة أتراك بلغاريا مرة أخرى إلى جدول الأعمال الدولي بسبب ضغوط السلطة البلغارية عليهم، ومحاولة طمس هويتهم ثانية، مما يحمل تركيا مسؤولية قومية ودولية للدفاع عنهم.

ورغم أن قوة المطرقة سينتهي عملها في ۳۱ مارس الجاري، وطالبت واشنطن أنقرة بالتجديد لها، فإن بروتوكول الحكومة الجديدة لم يشر إلى ذلك بكلمة واحدة، خشية إغضاب أجاويد الذي يرفضها، وبالتالي يغير موقفه من الامتناع إلى الرفض.

ملامح سياسة الحكومة:

وتعتمد سياسة الحكومة الجديدة على ضرورة خصخصة القطاع العام خلال العام الجاري، ومقاومة الإرهاب والفساد، وتقليص دور الدولة، وإجراء إصلاحات اقتصادية جذرية كالتي قام بها أوزال في الثمانينيات، وتدعيم التجربة الديمقراطية، والسعي لتحقيق العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، واتخاذ الاحتياطات الواجبة لضمان الشارع التركي الأمن القومي التركي، والعمل على تنفيذ مشروع خط أنبوب باكو جيهان.

وبالطبع فإذا نجح يلماظ في عبور حاجز التصويت بالثقة بفضل امتناع حزب أجاويد عن التصويت، إذ ستكون الأصوات المؤيدة للحكومة آنذاك أكثر من المعارضة فإن تنفيذ تلك السياسة سيحتاج إلى صدور قوانين وقرارات تحتاج إلى (٢٧٦) صوتًا، بينما لدى حكومة الأقلية المشكلة من حزبي الوطن والطريق (٢٦١) صوتًا، وبما أن المعارضة رسميًا تتشكل من الرفاه (۱۵۸) مقعدًا، والشعب الجمهوري (٤٩) مقعدًا، والوحدة الكبير (7) مقاعد، فإن اليسار الديمقراطي لا يمكنه الاستمرار في لعبة الامتناع عن التصويت؛ لأن برنامج الحكومة يعارض برنامج حزبه ومصالح ناخبيه، خاصة موضوع الخصخصة وتقليص دور الدولة وموضوع الوحدة الجمركية...إلخ. مما يعني أنه سينضم للمعارضة، وتفقد الحكومة بذلك القدرة على اتخاذ القرار، وتظل مشلولة الإرادة، مما يعني تزايد المشكلات، وبالتالي فقدان المزيد من الشعبية، وهو ما سيصب بالقطع في جعبة الرفاه، الذي سيصل إلى السلطة منفردًا سواء اليوم أو الغد -على حد قول أربكان- فالجماهير التركية تتعاطف معه حاليًا بشكل أكبر من الفترة السابقة على الانتخابات؛ لأنها تراه مسلوب الحق مثلها.

تكتيك المواجهة:

والتكتيك الذي سيتبع في مجلس الشعب الحالي سيستهدف بولنت أجاويد زعيم اليسار الديمقراطي أكثر من الحكومة؛ إذ إن تكتيك الرفاه سيعتمد ضرب اليسار وإحراجه، مما سيؤدي إلى سقوط الحكومة نفسها، أما الشعب الجمهوري وهو حزب يساري أيضًا سيعمل على ضربه بهدف تقسيم ذلك الحزب وضمه إليه فيما بعد، وهو ما سيكون له تأثيراته السلبية على الحكومة، وهو الأمر الذي يعيه أجاويد السياسي العجوز، الذي لم يجد مانعًا في الماضي من التحالف مع أربكان مرتين في السبعينيات مثلما فعل دميريل مرة في الثمانينيات، وهو ما لم يستفد منه يلماظ بشكل جيد، خاصة وأن مكاسبه من التحالف مع تشيللر أقل بكثير من التحالف مع الرفاه، هي السبب الحقيقي وراء فشل التحالف مع الرفاه، وليس بسبب غبائه السياسي.

إذ إن يلماظ بتحالفه مع تشيللر الذي وصفها من قبل بزعيمة عصابة الشاليهات، ولديه ملف بممارساتها الفاسدة -على حد قوله- والذي قال عنها إنه لا يمكن ترك البلاد يومًا واحدًا تحت إدارتها، يتراجع عن كل ذلك من أجل التحالف معها ما دام سيصبح رئيسا للوزراء مما سيفقده الكثير على المستوى الإستراتيجي، وبالتالي فإن قبول تشيللر لذلك سواء كان بإرادتها أو بغير إرادتها يكون نصرًا ومكسبًا لها مثل أربكان، وقد ضحت بمكاسبها من أجل عدم بقاء تركيا بدون حكومة، وليبدو يلماظ في صورة المتكالب على السلطة، وهو الأمر الذي أحدث استياء شعبيًا، رغم أنه حقق مكسبًا حزبيًا كبيرًا لحزبه، إذ حصل وهو في المركز الثالث على رئاسة الوزراء بالتناوب و(8) من (۱۷) وزارة تنفيذية، ونصف وزارات الدولة، إلا أن ذلك سينعكس على موقف الحزب ومصداقيته في أية انتخابات مقبلة.

التوحيد لمواجهة الرفاه:

ووفقًا للمعلومات المتداولة فإن الحزبين الطريق القويم والوطن الأم أجبرا على التحالف وتشكيل الحكومة، مثلما أجبر أجاويد على دعمها بالامتناع عن التصويت؛ إذ إن الهدف الأساسي من إجبار الحزبين اليمينيين على التحالف هو تجريب توحيدهما في حزب يميني قوي لمواجهة حزب الرفاه الإسلامي الذي أصبح الحزب الأول، وإذا نجحا في الحكومة أي تعايشا معًا، وتحالفا في الانتخابات المحلية التكميلية التي ستجرى قريبًا لملء المقاعد الشاغرة بسبب الذين تركوها لدخول انتخابات مجلس الشعب، ونجحا في الفوز على الرفاه سيتم دمج الحزبين معًا في حزب سترأسه السيدة تانسو تشيللر بكل تأكيد لأنها رجل أمريكا.

بينما يلماظ رجل أوروبا، وأما أجاويد فيسفقد أرضيته الشعبية بسبب موقفه ليضعف اليسار لصالح اليمين، كما تتداول العاصمة أنقرة ادعاءات أمثال أن هناك اتفاقًا بأن يتولى يلماظ رئاسة الوزراء وتانسو تشيللر رئاسة الجمهورية عام ٢٠٠٠ بعد انتهاء فترة الرئيس دميريل، ولن يتم ذلك إلا بتوحيد الحزبيين بهدف قطع الطريق عن حزب الرفاه الذي قد ينجح في الانتخابات المقبلة في الحصول على أغلبية كبيرة تمكنه من تولي رئاسة الوزراء منفردًا ورئاسة الجمهورية أيضًا، إذ يتم اختباره من خلال مجلس الشعب مثلما حدث أثناء وجود حزب الوطن الأم في السلطة في الثمانينيات، إذ تولى تورجوت أوزال رئاسة الوزراء ثم الجمهورية بأصوات حزبه فقط، وكل تلك السيناريوهات تتجاهل بالطبع الإرادة الشعبية التي جاءت بالرفاه، والذي يمكنه وهو في المعارضة شل أعمال الحكومة من خلال عمل ائتلاف سري مع المجموعة الإسلامية في حزبي حكومة الأقلية، ويكفي الرفاه أنه نجح في ضبط أتباعه ومؤيديه لقبول نتائج المؤامرات وامتصاص آثار الانقلاب الديمقراطي الذي استهدف الاستيلاء على انتصار الرفاه، ولم تحدث جزائر أخرى في تركيا كما كان يتوقع أعداء تركيا في الداخل والخارج، وهو ما زاد الرصيد الشعبي للرفاه الذي يحكم الشارع التركي، رغم إبعاده عن قصر رئاسة الوزراء بشكل مؤقت؛ لأن الانتخابات المبكرة ستأتي به وحيدًا رغم أنفهم، وهو ما يسعى الرفاه حاليًا إلى دفع البلاد إليها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1194

66

الثلاثاء 02-أبريل-1996

المجتمع المحلي (1194)

نشر في العدد 457

70

الثلاثاء 06-نوفمبر-1979

المجاهدون المسلمون في أفغانستان