العنوان فتاوى المجتمع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-يونيو-1983
مشاهدات 61
نشر في العدد 625
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-يونيو-1983
- صوم
العمال الكادحين
* أنا عامل أتعب طيلة النهار،
أفطر أحيانًا بسبب المشقة.. وأصوم أحيانًا، ما حكم الإسلام في مثلي؟ ثم ما هي
الحالات التي يجوز فيها لأمثالي أن يفطروا في رمضان؟ وكيف يكون الأمر بعد رمضان،
فدية أم قضاء؟
عبدالعظيم
سيد أحمد- الكويت
- وبعد
تحويل السؤال إلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبدالقادر محمد تفضل بالإجابة
التالية:
ربما
كان الصوم من أبرز المشروعات دلالة على توحيد الصف المسلم، وتجميع المسلمين،
ووحدتهم في دين التوحيد، فممارسة هذه الشعيرة الفريدة في طبيعتها وخصائصها، تسلك
جميع المسلمين في نظام واحد دقيق، هو الإحجام عن الطعام والشراب وملابسات الجنس،
بياض النهار من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، إنهم يتناولون طعام السحور في وقت
واحد، ويؤدون الفريضة بعده مباشرة.. ثم يمسكون حتى مغرب الشمس، فيتناولون وجبة
الإفطار في وقت الإفطار.. ويؤدون بعده مباشرة الفريضة.. تنظيم ديني دقيق، لا تقديم
فيه ولا تأخير.. دونه بكثير التنظيمات العسكرية.. إنه نظام إسلامي عام، ليس لأحد
أن يخالف عنه، ولا أن يخرج عليه.
ومن
أجل هذه الظاهرة الموحدة للجماعة المسلمة، شاءت إرادة السميع العليم أن تشرف هذه
الشعيرة المنظمة لعامة المسلمين بنسبتها إلى رب العالمين تقديرًا وتقديسًا، وجزاء
موفورًا، ومثوبة مذخورة، فقال تعالى في الحديث القدسي: «الصوم لي، وأنا أجزي به».
إنها
عبادة مخلصة للخالق، لا حظ فيها للشيطان، ولا مجال فيها للتصنع والرياء، إنها
شعيرة عجيبة قريبة حبيبة إلى الرحمن، يتجلى فيها ترك جميع المسلمين حظوظ النفس
وشهوات الجسد، ابتغاء مرضاة الله، في مظهر متحد عام أخاذ، لا يشذ عنه أحد، ولا
يخرمه أحد، ولا يكسره أحد.
فرض
الله سبحانه الصوم على المسلمين، ليحررهم من أسر العادات ورق المادة وتوافه
الحياة، ويسمو بهم إلى عالم الأرواح، ومسرى الملائك، ولم يعد من هذه الفريضة لذلك
إلا من ألم به عارض ملح أقعده عن الامتزاج بالجماهير المسلمة.
1- فالشيخ
العجوز الفاني الذي لا يطيق الصوم، ولا أمل في إدراكه أيامًا يقوى فيها ويصح، يفطر
ويفدي (أي يتصدق عن كل يوم يفطره فدية تكفي مسكينًا، ومقدارها (٢) كيلو من القمح
إلا قليلًا، أو قيمتهما من الفلوس».
2- ومثل
الشيخ الفاني المريض الذي يخشى من الصوم بطء الشفاء أو زيادة المرضى، وذلك بسبب
تجربته الخاصة السابقة، أو بإخبار طبيب مسلم حاذق غير ظاهر الفسق، فإنه يفطر
أيضًا، لكن يجب عليه أن يقضي بعدد الأيام التي أفطرها أيامًا يصومها إذا شفي.
3- وكذلك
من سافر قبل طلوع الفجر، قاصدًا جهة بعيدة عن وطنه -قدرت بنحو 83 كيلومترًا-
فإنه يجوز له أن يفطر أيضًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ
عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة:
184) لكن صوم المسافر أحب وأولى من فطره، إن لم يضره الصوم، لقوله تعالى: ﴿وَأَن
تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: 184) فإن أجهده السفر أفطر،
وعليه الصوم بعدد الأيام التي أفطرها.
4- من أرهقه الصوم، فعضه الجوع بنابه،
أو كواه العطش بناره فخاف الهلاك، أو فقد بعض حواسه، جاز له الفطر، بمقدار ما يقيم
أوده أو يدفع العطش فقط، ويلزمه قضاء هذا اليوم الذي أفطره من رمضان، ولا يجوز له
إخراج الفدية التي ذكرناها قبل للشيخ الفاني، والفقهاء متفقون في ذلك لا يخالف فيه
أحد.
وينطبق
هذا الحكم على العامل في البناء، والحافر في الأرض، وعلى حاصد الزرع، والخباز في
الفرن، والبائع المتجول -كالذي ورد في السؤال- وغيرهم.
وفي
الأمر بعض التفصيل، نجعله في الآتي:
1- إذا كان العامل من هؤلاء أجيرًا أو
موظفًا يعمل بعقد متفق عليه قبل شهر رمضان لمدة معلومة تلف الشهر كله أو بعضه، فإن
له أن يفطر إذا أجهده الصوم، أو أرهقه العطش الشديد، ولو كان عنده من المال ما
يكفيه، لكن بشرط ألا يرضى المتعاقد معه الذي استأجره بإلغاء العقد أو تخفيض ساعات
العمل، بحيث يتمكن من الصوم من دون إجهاد، فإن رضي المتعاقد معه أو الذي استأجره
بإلغاء العقد أو تخفيض ساعات العمل ليتمكن من الصوم دون جهد، لم يجز له أن يفطر.
2- إذا
لم يكن العامل أجيرًا مستأجرًا، ولا موظفًا، بل كان عاملًا حرًّا في عمله مختارًا،
وكان عنده من المال ما يكفيه هو وعياله للنفقة إذا صام، لم يجز له الفطر، وقد علل
هذه الصورة ابن عابدين رحمه الله بقوله: «لأنه يحرم عليه السؤال من الناس، فالفطر
أولى».
3- أما
إذا لم يكن عند العامل المختار من المال ما يكفي لنفقته ولنفقة عياله أولًا، وكان
لا يمكنه أن يعمل عملًا آخر يوفر له النفقة الكافية إذا صام من غير أن يلحقه كبير
مشقة أو جهد يضطره إلى الفطر ثانيًا، فإن له أن يعمل حتى يحصل ما يكفيه، ولو أداه
ذلك إلى الفطر.
ويبدو
من هذا التفصيل مجموعة من هذه الأحكام:
1- لا
يجوز لهذا العامل الذي يتوقع الجهد الشديد بسبب الصوم، أن يفطر من الصباح قبل أن
يمسه الجهد، بل ينبغي أن يصوم أول النهار، فإذا أرهقه الصوم بعد ذلك أفطر، وإنما
وجب عليه الصوم أول النهار لأمرين اثنين:
أولهما:
مشاركة جمهور المسلمين في أداء هذه الشعيرة، محافظة على النظام العام.
والآخر:
تحقق الضرورة إلى الفطر؛ لأن الصوم واجب على الجميع، وإنما يسوغ الفطر للضرورة،
فلا بد من تحققها، وذلك بالجهد بعد الصوم.
فما
يفعله بعض البسطاء السذج من العمال، من الإفطار قبل الذهاب إلى أعمالهم، خطأ وخروج
من النظام العام، وتحلل من المشاركة الجماعية، في القيام بهذه الشعيرة.
لا
يستثنى من هذا إلا الجندي المحارب، فإن له أن يفطر قبل أن يحس بالإرهاق، وقبل أن
يضعف، ليقوى فلا ينهار أمام العدو.
2- إذا
أفطر العامل لضرورة كسب الرزق، فإنه يباح له من الطعام والشراب ما يدفع الجوع
والعطش فقط، ولا يباح له التزيد من المأكل والمشرب، على قدر الضرورة؛ لأن الضرورة
تقدر بقدرها.
3- وإذا أفطر العامل وغيره أيضًا من
المسافر والمريض والحائض والنفساء والحامل والمرضع، انبغى له أن يفطر في معزل عن
الناس، احترامًا لشعور الصائمين، ولكيلا يتهم بالخروج من الجماعة الصائمة، وكسر
النظام العام، والجهر بالمعصية، والاستهتار بشعائر الدين.
نسأل
الله تعالى أن يجعلنا من المتأدبين بأدب دينه المتين، ويوفقنا لأداء هذه الفريضة
على أحسن وجه يرضيه عنا، ويكتب لنا به سابغ الأجر يوم الدين.
وكتب
د.
محمد عبد القادر محمد
الكويت:
٢٩ من شعبان ١٤٠٣هـ
11/ 6/ 1983م
- حائرة
تحجبت
بالحجاب الإسلامي فرفض والدي، ماذا أفعل؟ أأظل على زيي وأحافظ عليه وأعصى
والدي في نفس الوقت؟ أم أطيعهم جميعًا وأخلع العباءة والقفازات والنقاب؟
س. م
الفحاحيل- الكويت
وقد
أجاب الدكتور توفيق الواعي بما يلي:
بسم
الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد:
فإن الله سبحانه أراد للمؤمنات العفة والكرامة والطهارة فميزهن بسمت خاص لا يخدش
الحياء ولا يريق ماء الوجه، ويجعل المرأة جسدًا أو بضاعة وسلعة تبتذل وتنتهك
حرمتها، فقال سبحانه: ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَر مِنْهَا﴾ (النور:
31) الآية.
وعلى
هذا فجميع جسد المرأة عورة إلا وجهها وكفيها، وعلى هذا مذهب الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة، وعند الحنابلة في الكفين روايتان، وعند الحنفية في القدم
روايتان. إذن فالمذاهب الأربعة على أن الوجه والكفين ليسا بعورة يجوز كشفهما في
الصلاة وفي غيرها؛ قال ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَلَا
يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَر مِنْهَا﴾ (النور:
31) قال: الوجه والكفين، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المحرمة عن لبس
القفازين وتغطية الوجه. ولو كان الوجه والكفان عورة لما حرم سترهما في الإحرام،
ولأن الحاجة تدعو إلى كشف الوجه للبيع والشراء والكفين للأخذ والإعطاء
وحديث: «المرأة عورة» حديث عام خصه الدليل، وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم
المرأة أن تغطي وجهها وكفيها في الإحرام. وقد رخص للمرأة في الوجه والكفين لما في
تغطيتهما من المشقة، وأبيح النظر إلى الوجه لأجل الخطبة؛ لأنه مجمع المحاسن، ولأنه
قد أباح القرآن للمرأة أن تبدي ما ظهر من الزينة، قال ابن عباس: الزينة الكحل
والخاتم، ومن ضرورة إبداء الزينة إبداء موضعها، فالكحل زينة الوجه، والخاتم زينة
الكف، وهذا إذا أمنت الفتنة.
وأما
عن العباءة وما تلبسه المرأة من الثياب فالواجب من الثياب ما يستر العورة، وإن كان
الساتر ضيقًا يحدد العورة، وإن كان خفيفًا يبين لون الجلد من ورائه فيعلم بياضه أو
حمرته؛ لم تجز الصلاة فيه، أو الخروج به.
ويجوز
الصلاة في ثوب واحد؛ فعن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: في كم تصلي المرأة من
الثياب؟ فقالت للسائل: سل علي بن أبي طالب، ثم ارجع فأخبرني، فأتي عليًّا فسأله،
فقال: الخمار أي (غطاء الرأس)، والدرع السابغ (أي القميص السابغ)، فرجع إلى عائشة
فأخبرها، فقالت: صدق.
وعن أم
سلمة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟
قال: «إذا كان الدرع سابغًا يغطي ظهور قدميها».
ولا شك
أن خروج المرأة بثوب ساتر غير مجسم أو رقيق يشف عن جسمها جائز شرعًا ولا شيء فيه،
سواء كان عليها عباءة أم لا، وإن كانت العباءة مبالغة في الستر ولا شك.
وعلى
هذا فلا بأس على الفتاة أن تخرج بثوب ساتر من غير عباءة وأن يظهر وجهها وكفيها إذا
أمنت الفتنة، وأن تطيع والديها مادام ذلك لا يخالف الشرع، وعلى هذا جمهور الأمة.
ولكن
لنا عتاب على بعض الآباء الذين يرغمون فتياتهن إذا احتطن لأنفسهن خوف الفتنة أو
إراقة الكرامة، وكان الأولى أن يحمد الوالدان الله سبحانه على أن وفق الأبناء
لطاعته واتباع أمره، وأن حفظ على الأسرة عرضها وعفتها مادام لذلك وجه إسلامي، ومادام
ذلك ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى.
ولكن
يظهر أن داء التقليد والغزو الفكري قد أثر في بعض الآباء حتى جعله يضيق ذرعًا حتى
بأولاده المتمسكين بعرى الفضيلة. وأحب أن أذكر الآباء بحديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذي رواه أحمد والبزار والطبراني بإسناد جيد، عن جابر رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات يؤويهن ويرحمهن
ويكفلهن وجبت له الجنة البتة»، قيل: يا رسول الله، فإن كانتا اثنتين؟ قال: «وإن
كانتا اثنتين»، قال: فرأى بعض القوم أن لو قال: واحدة، لقال: واحدة. وفي رواية
لأبي داود زاد: «فأدبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة».
ونقول
للمتمسكات بالدين والفضيلة: طاعة الوالدين واجبة إذا كانت تلك الطاعة لا تعارض
نصًّا شرعيًّا لها وجه من الحل؛ أما إذا كانت في غير ذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية
الخالق.
- هل نتعامل
مع هؤلاء؟
بعض
المسلمين عندنا في بريطانيا جمعوا أموالهم من الحلال والحرام، وذلك أنهم تجار وما
يتجرون فيه الخمور ولحوم الخنازير، وهم على درجات متفاوتة في ذلك؛ فمنهم من أكثر
ماله من الحرام، ومنهم من كسبه من الحرام قليل، فهل يجوز لنا نحن كمسلمين مخالطتهم
وأكل طعامهم إذا دعونا؟ وهل يحل لنا قبول تبرعاتهم من هذا المال لمصالح المسجد؟
ح- ع
بريطانيا
وقد
أجاب الشيخ عبدالعزيز بن باز بما يلي:
أولًا:
عليك أن تنصح لهم وتحذرهم سوء عاقبة الاتجار في المحرمات وكسب المال من الحرام،
وتتعاون مع إخوانك من أهل الخير على تذكيرهم وإنذارهم بأس الله وشديد عقابه من
عصاه وحاربه بارتكاب المنكرات، وتعريفهم أن متاع الدنيا قليل وأن الآخرة خير
وأبقى، فإن استجابوا فالحمد لله وهم بذلك إخوان لكم في الله، ثم انصحوهم برد
المظالم إلى أهلها إن عرفوهم، وأن يتبعوا السيئة الحسنة عسى الله أن يتوب عليهم
ويبدل سيئاتهم حسنات، وحينئذ يجوز لكم مخالطتهم مخالطة الإخوة والأكل من طعامهم
وقبول تبرعاتهم في وجوه البر من بناء مساجد وفرشها ونحو ذلك؛ لأنهم بالتوبة ورد
المظالم إلى أهلها حسب الإمكان يغفر لهم ما قد سلف؛ لقول الله عز وجل في المرابين:
﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ
إِلَى اللَّهِ﴾ (البقرة: 275).
ثانيًا:
إن أبوا بعد النصيحة والتذكير والإصرار على ما هم فيه من المحرمات، فإنه ينبغي أن
تهجروهم في الله، وألا تستجيبوا لدعوتهم، وألا تقبلوا تبرعاتهم؛ زجرًا لهم
وإنكارًا لباطلهم، ورجاء أن يرتدعوا ويرجعوا عما هم عليه من المنكرات.