العنوان فتاوى المجتمع
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-يوليو-1983
مشاهدات 69
نشر في العدد 628
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 05-يوليو-1983
أحكام زكاة الفطر
مع اقتراب عيد الفطر تكثر التساؤلات حول صدقة عيد الفطر وشرعيتها
وحكمها ومقدارها ووقت أدائها ومكان أدائها ومستحقها.
ولما سألتنا بعض الأخوات بالهاتف عن بعض من هذه الأسئلة طلبنا إلى
فضيلة أ.د محمد عبدالقادر محمد الكتابة في جوانب زكاة الفطر.. فأجاب حفظه الله بهذا
المقال، وفيه تتم الفائدة إن شاء الله:
تعتبر زكاة الفطر عبادة مالية والإضافة إلى الفطر لأنها تجب بسبب
الفطر من رمضان، ويقال لها: صدقة الفطر، لأنها عطية يراد بها الثواب، وتسمى بذلك لأن
بها يظهر صدق الرغبة في المثوبة.
شرعيتها:
وفي السنة أحاديث تدل على شرعيتها، منها:
1- حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: فرض رسول الله صلى الله
عليه وسلم: «زكاة الفطر من رمضان: صاعا من
تمر، أو صاعا من شعير، على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين»
رواه الجماعة.
2- وكذا حديث ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة
الفطر، طهرة للصائم، من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين» رواه أبوداود وابن ماجه والدارقطني
والحاكم وصححه.
حكمها:
ولا يختلف الفقهاء في وجوبها، ولذلك صرح ابن المنذر من الحنابلة
بأنه أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن صدقة الفطر فرض.
حكمة تشريعها:
تستهدف هذه الزكاة الموسمية تطهير الصائم مما يلم به من الإثم، كما
تستهدف الاكتفاء الذاتي في المجتمع المسلم يوم العيد، بحيث تعم فرحته القلوب، وتشمل
جميع البيوت، وذلك بتوفير الغذاء الصالح، والكساء اللائق لكل فرد من المسلمين، كما
يشير إلى هذا حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: فرض رسول الله صلى الله عليه
وسلم زكاة الفطر، وقال: أغنوهم (يعني الفقراء) في هذا اليوم» (أخرجه البيهقي والدارقطني).
فإن بدت هذه الصدقة يسيرة، فإن أثرها ومحصلها كبير خطير: فإذا فرض
أن مجموع من تجب عليه زكاة الفطر في الكويت مليون مسلم -بعد إسقاط من لا تجب عليه بسبب
الكفر- فإن مجموع ما يخرجه المسلمون في الكويت هو مليون دينار، وفي العالم العربي -إذا
كان مجموع سكانه مائة مليون، وأسقط منه نصفه لفقره أو لكفره- يكون مجموع ما يخرجه المسلمون
فيه خمسين مليونًا من الدنانير.
وإذا أسقط نصف ما في العالم الإسلامي ممن لا تجب عليه زكاة الفطر
للكفر أو الفقر، يكون مجموع ما يستخرج من زكاة الفطر في العالم الإسلامي خمسمائة مليون
دينار.
هذا كله في هذه الصدقة الدينية الخفيفة؟ التي تؤدى -كما جاء في حديث
ابن عمر- لإغناء الفقراء يوم العيد، والتي تكفي للإغناء شهر العيد كله لا يومه.. فما
بالك بزكاة الأموال والعشور وسائر الزكوات؟
الإسلام يسلك سبيله الخاصة الفريدة لحل مشكلة الفقر، وسد الحاجة
في جو من المحبة والأخوة، لا يثير الضغائن في المجتمع المسلم، ولا يبذر الأحقاد، ولا
يفرق بين المسلمين، ولا يمزق الوحدة الإسلامية، بل يوفر للمسلمين التكتل والتضامن والقوة
والوحدة.
وصدق ذلك القس الماركسي عندما قال: إن محمدًا حل مشكلة الفقر، وهو
يشرب فنجان القهوة!
المكلف بزكاة الفطر:
تجب على كل مسلم غني، والغني في نظر الحنفية من يملك نصاب الزكاة،
وعند غيرهم من كان عنده فضل عن قوت يوم العيد وليلته، فهو مكلف بها.
فعلى رأي هؤلاء، لا يكاد يعفى من وجوب إخراج هذه الصدقة أحد من المسلمين،
إلا الفقراء المدقعون.
إخراجها عن الآخرين:
يخرج المسلم هذه الصدقة عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من عياله، كزوجته
وابنه، وأبيه إذا كان يضمه في عياله وينفق عليه، وكذا أصوله وفروعه كلما تحققت نفقتهم
عليه، وكذا تجب عليه زكاة الفطر عن خادمه المسلم.
مقدارها:
تقدم في حديث ابن عمر أن صدقة الفطر صاع من تمر، أو صاع من شعير،
ونحوه، والصاع يقدر في أيامنا بنحو (١,٧٥٥) كيلوغرام، أي ما يقرب من الكيلوين، فإذا
كان ثمن الكيلو من القمح ٥٠٠ فلس كان الدينار كافيًا مجزئًا عن كل مكلف.
وقت وجوبها:
تجب هذه الزكاة عند الجمهور بغروب الشمس من ليلة الفطر من رمضان،
وعند الحنفية بطلوع فجر يوم العيد.
فمن ولد قبل طلوع فجر يوم الفطر: تجب صدقة فطره على أبيه عند الحنفية
خلافًا للجمهور.
وقت أدائها:
اتفق الفقهاء على أن المستحب إخراج زكاة الفطر يوم العيد، قبل الصلاة
ويمتد الجواز إلى آخر يوم العيد.
وقد ورد في هذا حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. (وقد رواه الجماعة
إلا ابن ماجه).
وجاء في حديث ابن عباس -رضي الله
عنهما- قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر، طهرة للصائم من اللغو والرفث،
وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة
من الصدقات» (رواه أبو داود وابن ماجه).
ومع أن ظاهر هذا الحديث أن أداء زكاة الفطر بعد الصلاة، يعتبر صدقة
من الصدقات، موقوفا قبولها على مشيئة الله تعالى، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن تقديمها
على الصلاة مستحب، وأن أداءها جائز إلى آخر يوم العيد، وليس في تأخيرها عما قبل الصلاة،
إلا ترك الأفضل، كما نص عليه الإمام النووي في مجموعه، وابن قدامة في مغنيه، والكاساني
في بدائعه، وقال هذا: إنها حق معرف بيوم الفطر، فيختص أداؤه به كالأضحية.
ويبدو أن تأخير أدائها إلى أثناء يوم الفطر، لا يخلو من كراهة -ولو
تنزيها- لأن المقصود منها -كما رأينا- الإغناء عن الطواف والطلب في هذا اليوم، وذلك
لا يتحقق إلا بأدائها قبل الصلاة، فيصلي الفقير وهو مطمئن رضي النفس، فإذا أخرت عن
الصلاة لم يحصل المطلوب، من الإغناء والإرضاء.
وفي بعض روايات حديث ابن عمر الذي رواه الكمال من الحنفية عن الحاكم،
أنه قال: «وكان يأمرنا أن نخرجها قبل الصلاة، وكان يقسمها قبل أن ينصرف إلى المصلى،
ويقول: أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم».
تعجيلها:
الجمهور من الفقهاء على أنه يجوز تعجيل زكاة الفطر، ودفعها قبل الفطر
بيوم أو يومين، وقد ورد في حديث ابن عمر في الصحيح، أنه قال في آخره: «وكانوا يعطون
قبل الفطر بيوم أو يومين» وقد رواه البخاري.
ويشبه أن يكون هذا -كما يقول ابن قدامة من الحنابلة- إجماعا من الصحابة
مما لا يخفى على الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لابد أن يكون هذا التعجل بإذن سابق
من النبي صلى الله عليه وسلم- كما يقول الكمال من الحنفية.
وإن في الدفع قبل العيد بيوم أو يومين، ما يسد الحاجة، فيتسع الوقت
لشراء الضروريات والحاجيات من الغذاء والكساء.
ومن مذهب الشافعية جواز تعجيلها خلال شهر رمضان، لأن لها سببين عندهم:
رمضان والفطر، وأداؤها في رمضان هو أداء بعد وجوب السبب، وقد يبدو في هذا الجواز، أما
الأفضلية فهي التأخير إلى قبيل الفطر للإغناء في يومه، كما هو النص.
تأخيرها:
إذا لم يخرج المسلم زكاة الفطر يوم العيد حتى غربت الشمس: كان عاصيا
بالتأخير ويلزمه قضاؤها، لأنها مؤقتة بوقت محدود، ففعلها بعده يكون قضاء، كما في الصلاة.
وقد ذكرنا أنها قربة مالية مشروعة لدفع حاجة الفقراء، وهذا أمر معقول
المعنى، وحاجة الفقراء قائمة دائما لا تتحدد بوقت فلا تسقط بعد وجوبها، ومن هنا ذهب
الحنفية إلى أن وجوبها موسع، ومهما أخرها يأثم، ويجب الدفع، ويعتبر أداء لا قضاء.
مكان أدائها:
تؤدى زكاة الفطر في البلد الذي فيه من يؤديها، لأنها متعلقة بالشخص
نفسه لا بماله، فيعتبر الموضع الذي يكون فيه حين الأداء. وهذا على عكس زكاة المال،
فإنها متعلقة بالمال، فيعتبر الموضع الذي فيه المال.
ويرى أبو حنيفة -رحمه الله- أنه لا بأس بإخراجها إلى قرابته من أهل
الحاجة، وإرسالها إليهم حيث يقيمون، وكذا إخراجها إلى من هم أشد حاجة ممن معه في بلده.
مستحقها:
أجمع الفقهاء على أن صدقة الفطر تصرف إلى فقراء المسلمين، لحديث
ابن عمر المتقدم: «أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم»، ومصرفها مصارف الزكاة لدخولها في
عموم قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (التوبة :60).
ومذهب الحنفية أنه يجوز صرف صدقة الفطر إلى الفقراء من الكفار بخلاف
زكاة المال، وهذا لأن النص ورد في حديث ابن عباس، لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم
معاذا إلى اليمن، قال له: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد
على فقرائهم» فلا تدفع زكاة المال إلا إلى فقراء المسلمين، أما صدقة الفطر، فحيث إنه
لا نص فيها، جاز دفع الزكاة إلى الفقراء من الكفار، لدخولهم في عموم الفقراء والمساكين.
فشرط من يستحق صدقة الفطر عند الجمهور هو الإسلام والفقر.
وشرط من يستحقها عند الحنفية هو الفقر وحده دون الإسلام.
إخراج قيمتها:
مذهب جمهور الفقهاء، أنه يجب إخراج صدقة الفطر من المنصوصات في الشرع
في حديث ابن عمر من التمر أو الشعير، ولا يجوز عندهم إخراج القيمة هنا، كما لا يجوز
إخراج القيمة في زكاة المال، لأن النص ورد في أموال مخصوصة، فتجويز القيمة، عدول عن
المنصوص، وترك المفروض، وهو لا يجوز، واعتبروا دفع القيمة باطلا، وقالوا: كل تأويل
يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل.
ومذهب الحنفية أن المقصود بزكاة المال، وزكاة الفطر، هو سد حاجة
الفقير، وليس المقصود خصوص دفع الشاة في زكاة الماشية، ولا خصوص الشعير والتمر في زكاة
الفطر. فلهذا قالوا:
1- إن معاذ بن جبل كان يأخذ الزكاة من أهل
اليمن من الملابس بدلا من الذرة والشعير، ويقول: هو أهون عليكم، وخير لأصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم في المدينة.
2- إن حاجات الفقراء متنوعة، لا تنحصر في القوت والقيمة أسد في ذلك.
3- وإن العمل والتطبيق في ديار الإسلام على دفع الأبدال في الزكوات
والصدقات، وهذا مؤذن بمشقة التزام المنصوصات في تبرئة الذمم.
ولو أوجبنا دفع المنصوص من الشعير أو القمح أو التمر، لأوقعنا الناس
في حرج، وألزمناهم بإقامة سوق للحبوب والتمور لا أول لها ولا آخر للبيع والشراء والكيل
والحمل.. ولألحقنا الحرج والمشقة والخسارة أيضًا بالفقراء الذين يتسلمون الحبوب والتمور،
فلا يستطيعون حملها، ولا نقلها لعدم توافر وسائل النقل والحمل لديهم، لأنهم سيضطرون
إلى بيعها، تحصيلا لقيمتها، التي يسدون بها حاجتهم في أيام العيد!
إن الفقراء بحاجة إلى لحم في أيام العيد يطهونه لعيالهم وإلى غذاء
يوسعون به على أنفسهم، وكساء يشعر به أولادهم كما يشعرون هم أنفسهم بفرحة العيد، وليسوا
بحاجة إلى الشعير والتمر، وإذا أعطوهما نزلت بهم مصيبة أو كارثة لا يعرفون السبيل إلى
التخلص منها إلا بمشقة لا تكاد تتحمل ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
(الحج: 78).
ألا ما أعظم اختلاف الأئمة الفقهاء، وما أثرى الفقه الإسلامي باختلاف
أئمته لو لم يكن هناك إلا قول واحد، لنزلت الشدة، وانعدمت الرخصة، واستقر الجمود، وتخلف
الشرع عن المرونة ومسايرة الأحداث وتطور الأحياء.
وتعجبني هنا موافقة حجة الإسلام الإمام الغزالي من الشافعية للحنفية
فيما ذهبوا إليه، فهو يقول -رحمه الله- في المستصفى وهو بصدد إخراج القيم في الزكوات
بدلا من المنصوصات: «هذا توسيع للوجوب واللفظ نص في أصل الوجوب لا في تعيينه، ولعله
ظاهر في التعيين محتمل للتوسيع والتخيير».
نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم شرعه والتفقه في دينه، ويحبب إلينا
مسلك هذا السلف من الأئمة الهداة جميعا، وينفعنا بدينهم وعلمهم، فإنهم نور الدنيا وقدوة
الدين، والصراط إلى رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل