العنوان تشاد بين المحاور المتصارعة على الصعيدين الداخلي والخارجي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 03-فبراير-1981
مشاهدات 103
نشر في العدد 515
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 03-فبراير-1981
ما هي المحاور السياسية المتصارعة على السلطة في تشاد المسلمة؟
• ولاءات الزعامات التشادية تتراوح بين فرنسا وأمريكا وليبيا والسودان وبعض الدول الأفريقية.
• القذافي يستثمر المسلمين في تشاد لمصلحة قوى دولية استعمارية.
• العمل من أجل الصليبية في تشاد هو الأصل الدولي الذي اتفقت عليه الدول المستعمرة.
فرولينات.. جبهة التحرير الوطنية في تشاد كانت الرمز والأمل في تحرير المسلمين التشاديين من ربقة الحكم الصليبي، ويبدو أن الأحداث السياسية والعسكرية التي حصلت في تشاد خلال السنوات الأخيرة غيرت من طبيعة مواقع القوى الداخلية في ذلك القطر الإسلامي.. ولسنا هنا بصدد الحديث عن تاريخ القوى المتناحرة في تشاد، بقدر ما نريد تسليط الضوء على حقيقة الصراع الذي وضع تشاد على المذبحة، المذبحة التي تتشابك حولها في الفترة الراهنة حرب سياسية، يشترك فيها القذافي وفرنسا ومصر والسودان والنيجر والصومال.. ومن الواضح أن هذا الصراع يعكس في الداخل التشادي وضعًا خطيرًا تطور في الفترة الراهنة إلى اشتعال عسكري على محورين.
الصدام بين القوى الخارجية عسكريًّا للتأثير على موازين القوى الداخلية.
التمهيد لحرب أهلية بين الشمال والجنوب.. وبين المسلمين والنصارى. وهنا لا بد من الوقوف على المحاور السياسية المتصارعة في الداخل، والتي تعكس الصراع الخارجي الاستعماري على تشاد المسلمة.
تشاد والمحاور السياسية:
تشاد بلد صحراوي واسع، يعيش فيه قرابة (٤) ملايين نسمة معظمهم من المسلمين، تعيش في جنوب تشاد أقلية نصرانية، اهتمت بها فرنسا منذ أيام الاحتلال تعليمًا وثقافةً، تؤهلها لحكم تشاد. وقد سلمت فرنسا النصارى الوظائف الرئيسية في تشاد، كما جعلت لهم الغلبة على الجيش والقوات المسلحة، ولم تخرج فرنسا من تشاد إلا بعد أن اطمأنت على طابورها في الجنوب.. وتمكن من الحكم...
وهكذا.. ولعل أبرز زعماء هذا الطابور (تومبلباي) وحكمه.. أما جوكوني عويدي فهو مسلم من الشمال. وإذا أردنا أن ترسم خارطة القوى السياسية بعد ذكر جذور المشكلة، فإن ذلك كما يلي:
1 - النصارى في الجنوب:
وكما هو واضح. فإن هؤلاء يلقون الدعم والتأييد من فرنسا الصليبية وقواتها العسكرية المتواجدة منذ زمن في كثير من البلدان الأفريقية المجاورة لتشاد، مثل الكاميرون وأفريقيا الوسطى.
ويمثل النصارى الجنوبيين في الحكم الحالي في تشاد (كوموجي) العسكري المحترف الذي كان يقف مع تومبلباي ثم مع معلوم، إلى أن تحالف مؤخرًا مع وزير الدفاع «حسين حبري». ثم غير تحالفه وولاءه، فتحالف مؤخرًا مع عويدي. ولعل تغير الولاءات لهذا الرجل كما هو ملاحظ يكشف طرفًا من لعبة المحاور الداخلية الموجهة من أسيادها الاستعماريين في الخارج.
قوات الشمال:
وهي قوات إسلامية في الأصل، ولكنها تغط فيما يغط فيه المسلمون.. فحالها كحالهم في شتى أنحاء العالم.. تتحكم بها زعامات تنطبق عليها مواصفات الزعامة المعروفة في معظم دول عالمنا هذا. وهذه القوات مبعثرة بين زعامات متعددة الأطراف. وهي كما يلي:
1- أصيل أحمد.. زعيم قوات البركان في شمال تشاد.
۲- جوكوني عويدي- الرجل القبلي التي يحتل زعامة بين رجال القبائل في الشمال.
٣- حسين حبري وزير الدفاع التشادي.. والذي تنتشر قواته حاليًا في شرقي البلاد؛ حيث تتخذ مواقعها على الحدود مع السودان والكاميرون.
٤- قوات الغرب.. وهي ما تسمى حاليًا بقوات الحركة الشعبية، التي تعتبرها نيجيريا والكاميرون الحائط الواقي من تطرف قوات الشمال.
وهكذا فإن القوى الداخلية المتصارعة في تشاد يمكن أن تقسم إلى محاور أساسية ثلاثة هي:-
• نصرانية صليبية في الجنوب.
• مسلمة في الشمال والشرق.
• أفريقية في الغرب.
وماذا عن فرولينات؟
لقد دخلت قوات جبهة التحرير الوطنية في تشاد «فرولينات» العاصمة نجاميا في لحظة بدت فيها الحرب التي استمرت داخل العاصمة حوالي ثمانية شهور، إنها نهاية لهذه المأساة. لكن تصريحات حسين حبري وزير الدفاع السابق، وقائد القوات الشمالية من عاصمة الكاميرون التي هرب إليها، والتصريحات الفرنسية والأمريكية وتعليقات بعض القادة الأفريقيين لا تشير إلى أن الحرب قد انتهت تمامًا؛ بل يبدو أنه مكتوب على الشعب التشادي المسلم أن يعيش المأساة لمزيد من الوقت.
أما «فرولينات» التي تشكلت كجبهة إسلامية عام ١٩٦٦ بقيادة المجاهد الشهيد محمد الباقلاني.. فماذا عنها؟
وأين تقف الآن؟ وعلى أي محور؟ وما الصعيد السياسي والعسكري الذي تنتمي إليه في الوقت الحاضر؟
لقد استمرت جبهة «فرولينات» إسلامية حرة طيلة أربع سنوات تنطلق في مفهومها- من خلال الإسلام الحركي الذي يقربها من الجماعات الإسلامية الحية المنتشرة في- أنحاء العالم المسلم.
لكن الموازين الداخلية لهذه الجبهة تغيرت بعد عام ۱۹۷۰، فبعد قيام ثورة ما يسمى بالفاتح من سبتمبر في ليبيا على يد الذين جاؤوا بالقذافي حاكمًا لليبيا، توجهت أنظار حكام ليبيا الثوريين الجدد نحو بعض البلدان الأفريقية. ورأى القذافي في الاتجاهات الإسلامية وسيلة جاهزة لتحقيق أغراضه، ومن ثم أغراض أسياده الدوليين. فاستطاع في وقت مبكر أن يضرب هذه الجبهة «فرولينات» من داخلها. وذلك بأن تسللت إلى صفوفها وقياداتها عناصر غريبة عن الحركة الإسلامية الصحيحة من الشمال والوسط والغرب، وبين هؤلاء كثير من الموالين للعقيد القذافي والعاملين في إطار سياسته داخل بلدان أفريقيا. وهكذا انحرفت الجبهة عن طبيعة تكوينها وأهدافها وحركيتها الإسلامية الحرة المستقلة، الأمر الذي أتاح للقذافي أن يتدخل في تشاد بعد ذلك كما يريد.
عملاء القذافي ينتصرون… ولكن!!
وعلى الرغم من اختلاط الأوراق بشدة داخل تشاد في الآونة الأخيرة، وانضمام أكثرية القوى السياسية داخل تشاد إلى جانب «جوكوني عويدي» الذي أعلن ولاءه السياسي لمحور العقيد القذافي.. وعلى الرغم من أن «عويدي» حقق نصرًا حاسمًا في مواجهة وزير الدفاع الأسبق حسين حبري المدعوم من فرنسا وبعض البلدان الأفريقية، وهرب هذا الأخير إلى عاصمة الكاميرون.. على الرغم من كل هذا.. فإن النصر الذي حققه القذافي وحلفاؤه في الداخل، لا يجعل المراقب يتأكد من وصول الأحداث إلى نهاية ما داخل تشاد.
فحسين حبري ما زال يتلقى المساعدات لإتمام استعداداته العسكرية التي تؤهل قواته لشن حرب جديدة، تشمل حرب عصابات ضد المحور الآخر.
والدول الأفريقية المجاورة.. والتي تنتمي إلى محاور سياسية مختلفة «أمريكا.. مصر ونيجيريا» «فرنسا ... الكاميرون». تعد نفسها لمواجهة المتغيرات على الأرض التشادية، ولو أدى ذلك إلى دفع جيوشها إلى قلب تشاد؛ لإيقاف المد القذافي الذي ينظر إليه الآخرون على أنه مدروس.. بينما ينظر إليه البعض الآخر على أنه عمل يدخل في إطار اللعبة.. لعبة النفوذ التي تديرها كل من أمريكا وروسيا. ومع ذلك لا بد للمراقب أن يلاحظ أن ما وصل إليه القذافي سيظل هشًّا؛ سواء أقام معاهدة أو أحدث وحدة بين نظامه وبعض زعماء تشاد.
ولا سيما أن فرنسا ستبدأ بتفجير صراع جديد بعد أن صار رجلها «كموجي الصليبي» هو الرجل الثاني في الداخل التشادي.
الموقف الفرنسي الأخير:
وعلى ضوء ما سبق نستطيع أن نوجز موقف فرنسا كدولة تعتبر نفسها حامية للصليبية داخل تشاد مع الأخذ بالاعتبار الدور الذي تريد فرنسا أن تصطنعه لنفسها في أفريقيا وذلك كما يلي:
• يذهب المحللون السياسيون الإسلاميون إلى أن فرنسا- في الوقت الحاضر- لن تقدم على خطوة عسكرية تتدخل فيها مباشرة في تشاد أو خطوة تؤدب فيها القذافي؛ وذلك للاعتبارات النفعية الآتية:
١- يريد الفرنسيون أن يحافظوا من خلال موقعهم في أفريقيا على تجارتهم مع ليبيا التي تزيد سنويًّا على (۸۰۰) مليون دولار.
٢- وجد الفرنسيون بعد ثورة الفاتح من سبتمبر في ليبيا سوقًا جيدة لتصريف السلاح؛ حيث حصلت فرنسا على عقود تمنحها تسليح ليبيا بما يزيد عن ثلث حاجتها من السلاح، والإليزيه لا يريد أن يفقد بيع هذه الصفقة الآن.
٣- يؤكد المراقبون أن فرنسا تعيش ظرفًا حساسًا، وهي على أبواب انتخابات رئاسية ولعل اتخاذ إجراء عسكري مباشر سيؤثر على موازين القوى السياسية داخل فرنسا.
ومع ذلك فإننا نعتقد أن فرنسا الصليبية لن تسمح أبدًا للعنصر الإسلامي الذي يسكن الشمال بالسيطرة على تشاد... ومن ثم الزحف بالتالي نحو السنغال والكاميرون وأفريقيا الوسطى والنيجر ونيجيريا.. وكل هذه البلاد مناطق إسلامية.. تحكمها أقليات نصرانية عميلة وحاقدة.
هذا هو الأصل الدولي الظالم الذي اتفقت عليه الدول الاستعمارية التي ترسم الآن خارطة النفوذ الموزع بينها في أفريقيا.. ولعل القذافي وغيره من حكام أفريقيا الحاليين لن يكونوا إلا الأداة الوضيعة في تنفيذ المؤامرة بشتى الأشكال. أولئك الحكام الذين يدورون في فلك القوى الكبرى الطامعة بأفريقيا عن جهل أو تجاهل. ولكن ماذا عن نظرة العالم إلى الوحدة التي أعلنها القذافي بينه وبين نظام الحكم في تشاد، بعد أن فشل في الاتحاد المصلحي مع حافظ الأسد؟
إن الدول المعنية بقضية تشاد تنظر من منظار معين.. ففرنسا وأمريكا ومصر والسودان ونيجيريا ينظرون جميعًا إلى الصراع الداخلي في هذا القطر الإسلامي من زاوية الخوف من سيطرة العنصر الشمالي المسلم على تشاد، فتضيع بعد ذلك الأقلية النصرانية.. وليس كما يزعم البعض أنها تنظر من زاوية الوحدات الاندماجية الهاتفية بين القذافي وغيره.. ومن هنا كان اهتمام هذه القوى بالمسألة التشادية.
وفي الختام.. نستطيع أن نؤكد أن القوى الاستعمارية ستفجر من جديد الأوضاع في تشاد قبل أن يلف المنطقة كلها بعث إسلامي جديد.. وقبل أن يلد أحمد وبيللو مرة ثانية في أفريقيا.. وعندها ستكون تشاد بين المذبحة والضياع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل