العنوان تصريحات « كرزاي » الأخيرة ضد أمريكا.. تصعيد أم مناورة؟
الكاتب مصباح الله عبدالباقي
تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2013
مشاهدات 61
نشر في العدد 2048
نشر في الصفحة 30
السبت 13-أبريل-2013
* كرزاي رفض الضغوط التي مورست عليه من قبل أمريكا وحلفائها للقبول بفكرة إيجاد جهة تنفيذية مع منصب رئيس الجمهورية
* أحزاب مؤيدة "للتواجد الأمريكي": هذه التصريحات رد فعل لرفض الأمريكيين بقاء كرزاي
* تغيير الحكومات في الولايات المتحدة الأمريكية له علاقة وطيدة بتدهور علاقة حامد كرزاي بأمريكا
لقد أثارت تصريحات الرئيس الأفغاني حامد كرزاي » الأخيرة ضجة كبيرة في الأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية، فقد قال الرئيس الأفغاني وهو يتحدث في القصر الرئاسي بكابل بمناسبة اليوم العالمي للمرأة يوم ۸ مارس ۲۰۱۳م، معلقا على الهجمات التي نفذتها حركة طالبان، وتبنتها: إن حركة طالبان تخدم أمريكا بهذه التفجيرات، وإنها تهيئ بها فرصة لبقاء القوات الأجنبية في أفغانستان، وأضاف أن طالبان، يقتلون الناس والقوات الأمريكية تعتدي على الأبرياء في أفغانستان، بينما يلتقي قادة الطرفين في الدول الأجنبية للمحادثات بينهم!
وقال: إن بعض الجهات الصديقة وبعض القيادات المخلصة في حركة طالبان، أخبرته أن الأمريكيين وقادة حركة طالبان» مستمرون في المحادثات في دول مختلفة.
ثم أضاف، ضمن الإشارة إلى توقيع الاتفاقية الأمنية بين أمريكا وأفغانستان: إن بعض الدول التي تتواجد قواتها العسكرية على أرض أفغانستان طلبت أن يسلم لهم بعض الذخائر المعدنية، قائلا: إننا نملك ذخائر معدنية في باطن الأرض بقيمة تريليونات الدولارات، وتطلب بعض الدول، ومنها أمريكا بحجة أن بينها وبين افغانستان اتفاقية استراتيجية أن نخصهم ببعض أنواع المعادن دون غيرهم.
دوافع التصريحات
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما الذي أجبر حامد كرزاي على مثل هذه التصريحات؟ هل يريد بذلك تحقيق هدف معين أم أنها مجرد تنفيس عما يجيش به صدره؟ لقد اختلفت وجهات نظر المراقبين للأوضاع الأفغانية حول دوافع هذه التصريحات وخاصة في هذا التوقيت بالذات بعض الأحزاب السياسية المؤيدة للتواجد الأمريكي في أفغانستان ترى أن تلك التصريحات كانت رد فعل لامتناع الأمريكيين من الموافقة على بقاء كرزاي»، أو أحد ذويه وأصدقائه في الحكم بعد نهاية فترته الحالية عام ٢٠١٤م.
ويرى البعض أن تلك التصريحات محاولة لتحسين صورته أمام الشعب الأفغاني في نهاية فترة حكمه؛ لأن اسمه ارتبط بالاستعمار الأمريكي، فهو يحاول بذلك أن يقنع شعبه بأنه كان معارضا للوجود الأمريكي، أو على الأقل ليثبت للشعب بأنه كان يقف أمام الأمريكيين مدافعًا عن مصالح شعبه، ويرى الناطق باسم الرئيس الأفغاني أيمل فيضي أن التصريحات المذكورة آخر ما يملكه كرزاي» في جعبته، فإنه تحدث مع الأمريكيين حول المحادثات السرية بين أمريكا وحركة «طالبان» على كل المستويات ولما لم يستمعوا له اضطر أن يعرض الأمر على الشعب عن طريق وسائل الإعلام.
الأمريكيون و«كرزاي».. وئام وخلاف
لكن المراقب للأوضاع الأفغانية يدرك جيدا أن لتغيير الحكومات في الولايات المتحدة الأمريكية علاقة وطيدة بتدهور علاقة «حامد كرزاي» بأمريكا، فإنه لما عين رئيسا للإدارة الموقتة عام ٢٠٠١م كانت أمريكا يحكمها الحزب الجمهوري بإدارة «بوش الابن، وكان حامد كرزاي يتمتع بدعم شخصيات كبيرة في تلك الإدارة ومن ثم أعيد انتخابه رئيسا في الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٤م، واستمرت علاقاته متميزة على نفس المنوال مع الولايات الأمريكية المتحدة، إلى أن تولت إدارة البلد حكومة باراك حسين أوباما»، مرشح الحزب الديمقراطي» في ۲۰۰۸م، فتغيرت الحال بعده مباشرة، وبدأت العلاقات تسوء بين الطرفين.
وأول ما تعرض له «حامد كرزاي من الإهانة من قبل إدارة باراك أوباما» كان عقب الانتخابات الرئاسية الثانية، وقبل إعلان النتائج عام ۲۰۰۹م، عندما اجتمع ممثلو ۲۷ دولة في باريس لمناقشة نتائج الانتخابات الرئاسية بأفغانستان وتحدث في نهاية تلك الجلسة «ريتشارد هولبروك» الممثل الخاص للرئيس الأمريكي في شؤون أفغانستان وباكستان حينذاك، وأبدى شكوكا في نتائج الانتخابات، فقال: إنه لم يخف على أحد التزوير الكبير الذي حصل في انتخابات الرئاسة الأفغانية، لكن ليس لدينا مخرج سوى تصديق النتائج، فإننا وإن رجعنا إلى جولة ثانية فإن الأمر لن يفرق كثيرا، لأن المرشحين وهما «حامد كرزاي» و عبد الله عبدالله ليس بينهما فرق كبير، لكن يجب أن نسعى إلى إنشاء جهة تنفيذية إلى جانب منصب الرئاسة لتحدد بذلك صلاحيات الرئيس.
وبدأت الضغوط تمارس من قبل أمريكا وحلفائها على حامد كرزاي للقبول بفكرة إيجاد جهة تنفيذية مع منصب رئيس الجمهورية، لكنه رفض ذلك، وقد أشار حامد كرزاي إلى تلك الضغوط قبل حوالي شهرين في لقاء له مع أساتذة الجامعات والصحفيين، فقال: جاءني كاي أيدي» المبعوث الخاص لأمين عام الأمم المتحدة بعد إجراء الانتخابات وقبل إعلان النتيجة عام ۲۰۰۹م، وأخبرني أنني إن قبلت بإيجاد منصب تنفيذي وتفويض الصلاحيات التنفيذية له ستعلن نتيجة الانتخابات بفوزي فيها بـ ٥١، وإلا ستعلن أنني حصلت على ٤٧ وستكون النتيجة العودة إلى صناديق الاقتراع في جولة ثانية، يقول «كرزاي: فقلت له أنا مستعد للرجوع إلى الجولة الثانية حسب قانون الانتخابات في أفغانستان يقول كرزاي» فقال لي كاي أيدي»: أنتم آناس فقراء ما لكم وللقانون؟ كان كرزاي» يذكر ذلك في سياق عدم احترام الأجانب للشعب الأفغاني ولقوانينه.
ولما شعر حامد كرزاي بتلك الإهانات المتكررة من قبل الأمريكيين بإيجاد التشكيك في شرعيته من بداية دورته الرئاسية الثانية وتوجيه النقد له ولحكومته وفريقه بصورة متكررة بالفساد الإداري واختلاس الأموال ولم يتوقف الأمر عند النقد فقط، بل تعداه إلى إلقاء القبض على بعض المتورطين في نظرهم في الاختلاس والفساد الإداري وتهديد الآخرين بمن فيهم النائب العام الأفغاني، بدأ كرزاي وحكومته في مقابل ذلك يمارس الضغط عليهم، فإن وزير المالية الأفغاني عمر زاخيلوال اتهم الأجانب باختلاس الأموال وتهريبها عن طريق مطار كابل، وبدأ «كرزاي» يوجه النقد اللاذع للقوات الأمريكية في الحوادث التي تقتل فيها تلك القوات الأبرياء والأطفال والنساء في قصف عشوائي، مع أنه كان يسكت على الحوادث المماثلة لها في دورته الأولى، كما أنه اشتدت لهجته في نقد سياسات الحكومة الأمريكية في عدة أمور.
توقيع الاتفاقية
هذا واقع الخلاف بين حامد كرزاي وحكومة «باراك أوباما»، ويبدو أن التصريحات الأخيرة لـ حامد كرزاي كان وراءها - إلى جانب ما سبق - الضغوط الأمريكية عليه للحصول على بعض مصالحها، فإن الأمريكيين يمارسون الضغط بشتى الطرق عليه لتوقيع الاتفاقية الأمنية معهم على شروطهم هم، وفي أقرب فرصة، ويبدو أنهم يريدون أن تتضمن تلك الاتفاقية تخصيص الأمريكيين باستخراج بعض المعادن الخاصة الموجودة بوفرة في أفغانستان، فإن ولاية هلمند غنية باليورانيوم.
هذا وإن دلت اعتراضات «حامد كرزاي على شيء، فإنما تدل على أن وجود الاستعمار ليس في صالح البلد إطلاقا فإنه في النهاية يؤدي إلى إهانة من أتى به، بل ويؤدي إلى إهانة الشعب كله والاستيلاء على خيرات البلد من قبل المستعمر، وتلك الإهانات ليست تجربة خاصة بـ حامد كرزاي»، بل كل من أتى به الاستعمار في الماضي لم تختلف حاله عن حال كرزاي»، ويتطلب ذلك من حامد كرزاي» الرجوع بصدق إلى شعبه بدل الاعتماد على الأجنبي، وأن يعلن بصراحة ترك السعي للاستئثار بالسلطة في المرحلة المقبلة، وأن يسعى للوصول إلى الوفاق الوطني عن طريق تشكيل لجنة تمثل الشعب حقيقة للمصالحة الوطنية مع المعارضة المسلحة لإخراج البلد من دوامة الحروب المستمرة..