العنوان دراسة حول المادة الثانية من دستور الكويت: تعديل المادة الثانية مطلب شرعي وشعبي
الكاتب الأستاذ أحمد باقر
تاريخ النشر الأربعاء 04-مايو-1983
مشاهدات 54
نشر في العدد 620
نشر في الصفحة 14
الأربعاء 04-مايو-1983
استعرضنا
بحمد الله في المقالات السابقة كيف تطور الجدال حول المادة الثانية من الدستور منذ
المجلس التأسيسي وحتى اليوم، مكتفين بمختلف الأدوار النيابية واللجان الرسمية التي
شكلتها الحكومة، أي إننا لم نستعرض في هذه الدراسة مختلف النشاطات الشعبية والفردية،
فمن المعروف أن جمعية الإصلاح الاجتماعي أقامت أسبوعًا للدستور الإسلامي أثناء فترة
حل المجلس طالبت فيه بتعديل المادة الثانية. كما أن كثيرًا من الذين رشحوا أنفسهم في
الانتخابات الماضية لمجلس الأمة قد وعدوا ناخبيهم بالمطالبة بإصلاح المادة الثانية.
وكذلك فقد كتبت عدة مقالات بأقلام شعبية تطالب بأن تكون الشريعة هي مصدر التشريع في
هذا البلد المسلم.
كل
هذه الجهود البرلمانية والشعبية تؤكد أن تغيير المادة الثانية أصبح الآن مطلبًا شعبيًا،
بالإضافة إلى كونه مطلبًا شرعيًا.
وفي
هذا المقال الختامي نستعرض أولاً ملخص آراء الرافضين للتعديل (ومن جملتهم الحكومة)
حسب ما ورد في الحلقات السابقة، ثم نستعرض جواب المؤيدين للتعديل على تلك الاعتراضات.
أولاً:
يرى المعارضون للتعديل ما يلي:
1-
النص الحالي لا يعيق تطبيق الشريعة.
2-
التعديل يجعل من المتعذر الأخذ بأي مصدر آخر من الناحية العملية ما لم يؤخذ من باب
الاجتهاد.
3-
قد يثير ذلك تعديل بعض أحكام الدستور (المادة4) والخاصة بالولاية.
4-
لابُدَّ من إيجاد القوانين البديلة أولاً.
5-
يترتب على ذلك بطلان جميع القوانين المخالفة للشريعة مما سيؤدي إلى:
أ-
فراغ قانوني.
ب-
حيرة القضاة.
ج-
إغراق المحكمة الدستورية بسيل من الطعون بعدم دستورية القوانين.
6- لا يجوز أن تنص المذكرة التفسيرية على عدم جواز العمل بالتعديل إلا بعد
مدة معينة، لأن في ذلك إضافة إلى النص، وهي أي المذكرة التفسيرية لا تضيف بل تفسر فقط.
ثانيًا:
جواب هذه الشبهات:
1- جاءت
مذكرة لجنة النظر في تنقيح الدستور بأجوبة شافية لمعظم الشبهات السابقة وقد استعرضناها
في المقال السابق.
2-
النص الحالي وإن كان لا يعيق تطبيق الشريعة إلا أنه يساوي بينها وبين القوانين الوضعية
كما جاء على لسان الخبير الدستوري، وفي ذلك مخالفة شرعية عظيمة فقد قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾
(النساء:65)، وقال سبحانه: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:44) فهذا أمر جلي واضح بالاحتكام إلى الله وحده، كما
أمرنا سبحانه أن نكفر بما عدا شريعته: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا
إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (النساء:60)؛ لأن الحكم هو
من خصوصيات الله وحده: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا
تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ﴾ (يوسف:40)، بل وقد أخبرنا سبحانه أن العدل بينه وبين
غيره في أي أمر إنما هو من الكفر: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام:1)، وقال سبحانه في سورة الجن: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ (الجن: 15).
3-
لم تؤخذ الرخصة الدستورية بمأخذ الجد طيلة السنوات السابقة، وحان الآن الوقت لوضع الإلزام
الدستوري بدل الاجتهاد التطوعي، فذلك يتيح المتابعة والمراقبة والمحاسبة بدل ما نحن
فيه من عطف ورجاء ومماطلة وعدم تنفيذ.
4-
وقد صرح كثير من أساتذة القانون أن تغيير المادة الثانية لا يؤدي إلى فوضى تشريعية
أو حيرة القضاة أو الطعن في القوانين، ومنهم دكتور جمال العطيفي مقرر اللجنة التي وضعت
دستور مصر، والذي أسهم في وضع دستور ليبيا وهو خبير دستوري بارز، قال في حديث له لصحيفة
الوطن في 22/11/82: «وإذا فهمنا أن اتخاذ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع إنما ينصرف
إلى اتخاذها مصدرًا موضوعيًا، أي إن أحكامها لا تتخذ قوة الإلزام إلا إذا تدخل المشرع
فقننها، فإن ذلك في شأنه أن يجعل الطريق إلى تطبيق الشريعة الإسلامية مأمونا فلا يحدث
عنه أي نوع من الفوضى التشريعية أو فتح المجال على مصراعيه للطعن في أي قانون بحجة
أنه لم يستمد من أحكام الشريعة».
وذلك
هو ما نصت عليه المذكرة التفسيرية للنص المقترح حاليًا.
6-
كما يلاحظ وللأسف على الموافقين عن وضع المادة الثانية الحالي حرصهم على القوانين الوضعية
السائدة ذات المساوئ العظيمة المشاهدة في كل يوم.
7-
التغيير يكفل عدم سن قوانين تخالف صريح الإسلام في المستقبل، كما أنه يؤدي إلى عدم
السكوت والرفض للأوضاع الحالية.
8-
يلاحظ في نصوص الخبير الدستوري التشكيك في صلاحية الإسلام لزماننا وأوضاعنا بقوله:
«إن التعديل يضع المشرع في حرج».
9-
يلاحظ وقوف الحكومة بكل شدة ضد تعديل المادة الثانية، ولا شك أن ذلك لا ينبع من الحرص
على الدستور، لأنها تقدمت بتعديل ٢٠ مادة فيه، وإنما كما هو ظاهر -ولا نطعن بالنيات-
التخوف من هذا التغيير والعمل بكل وسيلة لعدم إقراره.
10- نختم هذه الدراسة بهذا الحديث القيم الذي رواه أبوداود
وصححه الشيخ الألباني بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم
أذناب البقر وتركتم الجهاد ورضيتم بالزرع سلط الله عليكم ذلك لا ينزعه حتى تعودوا إلى
دينكم».
والله
نسأل أن يهدينا وولاة أمورنا للحكم بشريعته السمحاء.. والحمد لله رب العالمين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل