العنوان تعقیبات على مقالات الصابوني في الصفات (الحلقة 2)
الكاتب صالح فوزان
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1983
مشاهدات 52
نشر في العدد 647
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 29-نوفمبر-1983
في العدد السابق: الحلقة الأولى من رد فضيلة الشيخ صالح بن فوزان على مقالات فضيلة الشيخ محمد علي الصابوني، وفي هذا العدد ننشر الحلقة الثانية والأخيرة آملين من السادة العلماء والقراء مساعدتنا في إنهاء الحوار فيما يقع الخلاف فيه، وجزى الله كل عامل للإسلام خيرًا.
والجواب عن ذلك نقول:
١- نعم: من أوَّل الصفات عن مدلولها إلى غير معانيها فهو ضال، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 180) ومن الإلحاد فيها صرفها عما دلت عليه وهذا ضلال.
٢-وأما ما ذكرته من تفسير أهل السنة والجماعة لآيات المعية بأنها معية علم وإحاطة، فليس هو من التأويل الذي زعمته، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتوى الحموية: «ولا يحسب الحاسب أن شيئًا من ذلك يناقض بعضه بعضًا البتة» مثل أن يقول القائل: ما في الكتاب والسنة من أن الله فوق العرش يخالفه في الظاهر قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ﴾ (سورة الحديد: 4)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قبل وجهه»، ونحو ذلك. فإن هذا غلط، وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة، كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ (سورة الحديد: 4). فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شيء وهو معنا أينما، كنا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأوعال: «والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه» وذلك أن كلمة «مع» في اللغة إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة من غير وجوب مماسة أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى، فإنه يقال: ما زلنا نسير والقمر معنا أو النجم معنا، أو يقال: هذا المتاع معي لمجامعته لك وإن كان فوق رأسك، فالله مع خلقه حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة، ثم هذه المعية تختلف أحكامها بحسب الموارد، فلما قال: ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ﴾ دل ظاهر الخطاب على أن حكم هذه المعية ومقتضاها إنه مطلع عليكم، شهيد عليكم، مهيمن عليكم، عالم بكم، وهذا معنى قول السلف. إنه معهم بعلمه وهذا ظاهر الخطاب وحقيقته.. انتهى.
فعلم من ذلك انه لم يجر في الآية والله الحمد التأويل الذي زعمه فضيلة الشيخ الصابوني، لأن المعية يختلف معناها باختلاف مواردها.
3-وأما قوله: إن ابن كثير قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ﴾ (سورة ق: 16)، وزعم أن هذا تأويل من ابن كثير، فنقول له: ليس هذا من قبيل التأويل الذي تدعيه لأن الآية جاءت بلفظ الجمع «ونحن»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/507/): فإن مثل هذا اللفظ إذا ذكره الله تعالى في كتابه دل على أن المراد به أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده من الملائكة، فإن صيغة «نحن» يقولها المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره، وليس لأحد جند يطيعونه كطاعة الملائكة لربهم وهو خالقهم وربهم، فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم، فكان لفظ «نحن» هذا هو المناسب، وقال: وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة، فإنه قال: ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ﴾ (سورة ق: 16–17)، فقيّد القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقِّي المتلقيين قعيد عن اليمين، وقعيد عن الشمال، وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان، كما قال: مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ (سورة ق: 18) ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذات الرب لم يختص ذلك بهذه الحال.
ولم يكن لذكر القعيدين والرقيب والعتيد من معنى مناسب.. انتهى. ومنه تعلم أن ابن كثير -رحمه الله- لم يؤول الآية الكريمة كما زعم الصابوني.
14-قال: يجب التأويل في بعض الأحيان، بل نقول: «إنه يتعين التأويل» كما في الحديث الصحيح: «الحجر الأسود يمين الله في أرضه»، وكما قال تعالى عن سفينة نوح: ﴿وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُر تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ (سورة القمر: 13–14) فهل السفينة تجري في عين الله، أم المراد تسير بحفظنا ورعايتنا؟ فإذا لم نؤولها فسَد المعنى تمامًا. [1] وكيف نقول في الحديث القدسي: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه» رواه البخاري. فاذا حملنا الحديث على ظاهره دون تأويل: «كنت سمعه وبصره ويده ورجله» فما رأي السادة الأعلام، أليس فيه حجة ومستمسك لمن يقولون بوحدة الوجود والذين يزعمون الحلول والاتحاد؟ أم نقول يتعين هذا التأويل. وما هو المعنى المراد من الحديث الشريف «إن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن جاءني يمشي أتيته هرولة» ألا يجب التأويل؟ فلماذا نحكم بضلال الأشاعرة بسبب التأويل ونبيحه لأنفسنا؟
الجواب:
أن نقول: نعم نحكم بضلال من أوَّل صفات الله تعالى عما دلت عليه من المعنى الحق وحاول صرفها إلى غير معانيها الحقيقية من الأشاعرة وغيرهم، وإن لم يكن هذا ضلالًا فما هو الضلال؟[2] قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ﴾ (سورة يونس: 32), وأما ما استدللت به على وجوب التأويل في بعض الأحيان فلا دلالة فيه لما تريد، وبيان ذلك كما يلي:
(1) قوله صلى الله عليه وسلم: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض» قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (6/397) إنه قد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد لا يُثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس، ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال: «يمين الله في الأرض» فقيده بقوله «في الأرض» ولم يطلق فيقول يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق. ثم قال: «فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه» معلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلًا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل، انتهى.
وقد تبين بهذا:
أولًا- أن الحديث ليس بصحيح كما توهمه الصابوني.
وثانيًا- ليس فيه دلالة على تأويل الصفات.
(۲) وقوله تعالى: ﴿تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا﴾ (سورة القمر: 14) معناه بمرأى منا. ولا يفهم من ظاهر الآية ما قاله فضيلة الشيخ أن السفينة تجري في عين الله، وليس هو ظاهر اللفظ حتى يحتاج إلى تأويل لأنه قال بأعيننا ولم يقل في أعيننا، ومعلوم الفرق بين اللفظتين، فهي كقوله: ﴿وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ﴾ (سورة الطور: 48) قال الشوكاني في فتح القدير: «فإنك بأعيننا» أي بمرأى منا ومنظر منا وفي حفظنا وحمايتنا فلا تبالِ بهم.
(۳) وأما حديث: «كنت سمعه الذي يسمع به» إلخ، فأول الحديث وآخره يبين المراد منه، وهو أن العبد إذا اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض ثم بالنوافل أحبه الله وسدده في جميع تصرفاته. قال الحافظ بن رجب في شرح الأربعين: فمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه ولا إرادة إلا ما يريده منه مولاه، فحينئذ لا ينطق العبد إلا بذكره ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله وإن سمع سمع به وإن نظر نظر به وإن بطش بطش به، انتهى. ويوضح هذا قوله في آخر الحديث: «ولئن سألني لأعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه» فالله يسدده في تصرفاته ويعطيه ما سأل ويؤمنه مما يخاف، هذا ما يدل عليه الحديث ولا يحتمل غير هذا المعنى حتى يحتاج إلى تأويل، لأنه معلوم قطعًا بالأدلة والفطر والعقول أن الله سبحانه لا يحل في شيء من خلقه، فلا حاجة إلى التأويل كما زعم الصابوني سامحه الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (2/271 –۳۷۲): فالملاحِدة والاتحادية يحتجون به -يعني هذا الحديث- على قولهم، لقوله: «كنت سمعه و بصره ويده ورجله»، والحديث حجة عليهم من وجوه كثيرة، منها قوله: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» فأثبت معاديًا محاربًا ووليًّا غير المعادي، وأثبت لنفسه سبحانه هذا وهذا.
ومنها قوله: «وما تقرب إليَّ عبدي بمثل ما افترضته عليه» فأثبت عبدًا متقربًا إلى ربه بما افترض عليه من فرائض. ومنها قوله: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» فأثبت متقربًا ومتقربًا إليه ومحبًّا ومحبوبًا غيره، وهذا كله ينقض قولهم.
ومنها قوله: «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به... إلى آخره» فإنه جعل لعبده بعد محبته هذه الأمور، وهو عندهم قبل المحبة وبعدها واحد.
4-وأما قوله: «وما هو المعنى المراد من الحديث الشريف: أن تقرب مني شبرًا... إلخ» فنقول: المراد منه قرب الله من عبده إذا تقرب إليه بالعبادة وقرب الله من عباده المؤمنين ثابت بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ (سورة البقرة: ١٨٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (5/464) في معنى الحديث وهو سبحانه قد وصف نفسه في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم بقربه من الداعي وقربه من المتقرب إليه، وذكر الآية والحديث، وقال: (5/510) فكلما تقرب العبد باختياره قدْر شبر زاده الرب قربًا إليه حتى يكون كالمتقرب بذراع. وقال العلامة ابن القيم في الصواعق (2/412– ٤١٣) المختصر: «وقد بينا أنه سبحانه قريب من أهل الإحسان ومن أهل سؤاله وإجابته، ويوضح ذلك بأن الإحسان يقتضي قرب العبد من ربه فيقرب ربه منه إلى أن قال: «فإنه من تقرب منه شبرًا يتقرب منه ذراعًا ومن تقرب منه ذراعًا تقرب منه باعًا» إلى أن قال: وهو مع ذلك فوق سمواته على عرشه، كما أنه سبحانه يقرب من عباده في آخر الليل وهو فوق عرشه، ويدنو من أهل عرفة عشية عرفة وهو على عرشه، فإن علوه سبحانه على سمواته من لوازم ذاته، فلا يكون أبدًا إلا عاليا ولا يكون فوقه شيء البتة. كما قال أعلم الخلق: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وهو سبحانه قريب في علوه عال في قربه» إلى أن قال: «والذي يسهل عليك فهم هذا معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه، وأن السموات السبع في يده كخردَلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السموات بيده والأرض بيده الأخرى ثم يهزهن».
فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه ويقرب من خلقه كيف شاء وهو على العرش؟ انتهى.
١٥-يدافع الشيخ الصابوني عن الذين يؤوِّلون الصفات، فيقول: «إنهم ما أنكروا الصفات كما فعل الجهمية والمعتزلة، وإنما أوَّلوها بما يحتمله اللفظ دفعًا للتشبيه والتجسيم... إلخ».
ونقول له: هذه مغالطة منك لأن من أوَّل الصفات عن مدلولها الصحيح ومعناها الصريح كمن أول اليد بالنعمة والاستواء وعلى العرش بالاستيلاء عليه والوجه بالذات، أليس هو بذلك قد نفى اليد الحقيقية والاستواء الحقيقي والوجه الحقيقي وصرفها إلى معانٍ غير مقصودة باللفظ أصلًا؟ فكيف لا يكون مع ذلك قد نفى الصفات؟!
١٦-ثم يواصل الدفاع عنهم فيقول: «ثم هم يقولون في المجيء والإتيان إن المطلق يُحمل على المقيد»، فقوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ (سورة الفجر: 22) وقوله: ﴿أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ﴾ (سورة الأنعام: ١٥٨) يحمل على المقيد في قوله تعالى: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ﴾ (سورة الأنعام: ١٥٨) فكيف نكفرهم وهم يحتجون بالقرآن على بعض التأويلات! ونقول له: نحن لا نكفرهم بذلك كما سبق، ولكننا نخطئهم ونضللهم في مثل هذا التأويل، وحمل المطلق على المقيد ليس هذا من موارده لاختلاف المقصود من النصين، فكل منهما يقصد به غير ما يقصد بالآخر، فمواردهما مختلفة، فيبقى كل نص على مدلوله ولا يُحمل أحدهما على الآخر. قال العلامة ابن القيم في الصواعق (2/385) (٣٨٦) المختصر: والإتيان والمجيء من الله تعالى نوعان: مطلق ومقيد، فإذا كان مجيء رحمته أو عذابه كان مقيدًا كما في الحديث «حتى جاء الله بالرحمة والخير»، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ﴾ (سورة الأعراف: ٥٢)، وقوله: ﴿بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ﴾ (سورة المؤمنون: ٧١)، وفي الأثر: «لا يأتي بالحسنات إلا الله).
النوع الثاني: المجيء والإتيان المطلق كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾، وقوله: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ (سورة البقرة: ٢١٠)، وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه هذا إذا كان مطلقًا، فكيف إذا قيد بما يجعله صريحًا في مجيئة نفسه كقوله: ﴿إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ﴾ (سورة الأنعام: ١٥٨) فعطف مجيئه على مجيء الملائكة ثم عطف مجيء آياته على مجيئه. ومن المجيء المقيد قوله: ﴿فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ﴾ (سورة النحل: 26) فلما قيده بالمفعول وهو البنيان وبالمجرور وهو القواعد، دل ذلك على مجيء ما بينه؛ إذ من المعلوم أن الله سبحانه إذا جاء بنفسه لا يجيء من أساس الحيطان وأسفلها.. انتهى.
١٧-ثم يواصل فضيلة الشيخ دفاعه المستميت عن الذين يؤولون الصفات، فيقول: «ويقولون في حديث النزول: ينزل في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا».
إن المراد به تنزيل رحمته؛ إذ كيف ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل إلى السماء الدنيا وفي كل ساعة من ساعات الليل والنهار ثلث أخير في بعض البلاد؟ فالوقت الذي يكون عندنا بمكة مثلًا صلاة المغرب يكون في إندونيسيا الثلث الأخير من الليل، وفي الوقت الذي يكون بمكة آخر الليل يكون عند غيرنا وقت الضحى أو الظهر... إلخ ما قال.
والجواب عن ذلك:
أن نقول أولًا: ألفاظ الحديث تنفي نسبة النزول إلى غير الله بأن يقال تنزل رحمته، حيث جاء في حديث النزول أنه يقول سبحانه: «أنا الملك، من يستغفرني فأغفر له، هل من سائل فأعطيه؟» هل رحمته تقول: «أنا الملك»؟ هل رحمته تقول من يستغفرني فأغفر له، هل من سائل فأعطينه؟ هل رحمته تقول: أنا الملك من يستغفرني إلخ.؟
ثانيًا- أما الاعتراض بأن ثلث الليل يختلف باختلاف البلاد، فيجاب عنه بأن هذا الاعتراض صادر عن عدم تصور لعظمة الله سبحانه، وعن قياس نزوله على نزول المخلوق تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وهذا الاعتراض أيضًا ناشئ عن البحث في كيفية نزوله سبحانه، والنزول كسائر صفات الله عز وجل نؤمن به على حقيقته ومعناه ونكل كيفيته إلى الله عز وجل. ونحن نقول لهؤلاء: إذا كان الله سبحانه يحاسب جميع الخلائق يوم القيامة في ساعة واحدة ويرزق الخلائق في ساعة واحدة ويسمع دعاء الداعين في ساعة واحدة على اختلاف لغاتهم وتفتن حاجاتهم ولا تغلطه كثرة المسائل، فإذا كان قادرًا على ذلك كله فهو قادر على النزول الذي أخبر عنه نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يشاء مع اختلاف ثلث الليل في سائر البلدان. والله تعالى أعلم.
17-يدعو الشيخ الصابوني إلى ترك مناقشة المذاهب بما فيها الصوفية أصحاب الطرق المعروفة، والذين تكثر عندهم الأخطاء، وأن نوفر طاقاتنا لحرب أعدائنا الملاحدة والشيوعيين والمنافقين.
والجواب أن نقول:
لا يمكن أن نقف صفًّا واحدًا في وجه أعداء الإسلام إلا إذا صلحت العقيدة من الشركيات والبدع والخرافات والإلحاد في أسماء الله وصفاته، قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ (سورة آل عمران: ١٠٣). والاعتصام بحبل الله يعني الرجوع إلى الحق وترك الباطل، وإذا كانت المعاصي العملية تخل بصف المسلمين أمام أعدائهم[3] فكيف بالمعاصي الاعتقادية؟ إنه لا يبقى في وجه الأعداء إلا أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».
١٨-يختم بما بدأ به من مدح الأشاعرة وأنهم من أهل السنة، وينقل طرفًا من مقالة أبي الحسن الأشعري في كتابه الإبانة الذي صرح فيه برجوعه عن مذهبه الأول إلى مذهب أهل السنة.
ويجعل ذلك من مزايا مذهب الأشاعرة تلبيسًا على الناس الذين لا يعرفون الفرق بين ما عليه الأشاعرة من تأويل الصفات، وما استقر عليه رأي أبي الحسن الأشعري أخيرًا وهو الرجوع إلى مذهب أهل السنة وإثبات الصفات، وبذلك يصبح ليس له مذهب مستقل، ويكون الأشاعرة ليسوا من أتباع أبي الحسن على الحقيقة، وتكون تسميتهم بهذا الاسم تزييفًا وظلمًا لأبي الحسن ما داموا لا يقولون بما قاله في كتابه الإبانة. [4] يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (61/359): وأما من قال منهم «يعني الأشاعرة» بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعري في آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يُعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنًا بكل من انتسب هذه النسبة ويفتح بذلك أبواب شر. انتهى.
وكأن الشيخ يريد بذلك أن من قال بما في كتاب الإبانة لا ينبغي له أن ينتسب إلى الأشعري، لأن هذا ليس قول الأشعري وحده وإنما هو قول أهل السنة، ولأنه بهذا الانتساب يوهم أن المراد الانتساب إلى مذهب الأشعري الذي رجع عنه وهو تأويل الصفات، وهو مذهب باطل ومبتدع.
هذا ما أردنا تعليقه على مقالات الشيخ الصابوني التي حاول بها تعتيم الرؤية حول مذهب الأشاعرة في الصفات، وإيهام الأغرار أنه مذهب أهل السنة. ونسأل الله لنا وله التوفيق لمعرفة الحق والعمل به، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
[1] لأخينا الشيخ حماد الأنصاري- المدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، رسالة قيمة في إثبات رجوع أبي الحسن الأشعري إلى مذهب أهل السنة
[2] لكنه ضلال بحسبه وليس هو ضلال الكفر
[3] وحسبك في هذا ما حصل على المسلمين في وقعة أُحد بسبب مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم
[4] كما أنه يستغل ثناء شيخ الإسلام ابن تيمية على الأشاعرة في بعض النواحي لتبرير ما هم عليه من مخالفات