العنوان تعلمت من هؤلاء.. الأستاذ جابر رزق
الكاتب د. محمود عزت
تاريخ النشر الأربعاء 02-فبراير-2011
مشاهدات 59
نشر في العدد 1939
نشر في الصفحة 45
الأربعاء 02-فبراير-2011
كيف تكون المهنة وسيلة من وسائل الدعوة؟
النموذج في هذا والقدوة هو أخي الأستاذ جابر رزق يرحمه الله.. حيث بدأ حياته معلمًا للغة الفرنسية، ثم بعد ذلك حصل على ليسانس الآداب قسم صحافة من جامعة القاهرة..
والأخ جابر يرحمه الله يكبرني بحوالي 8 سنوات، وكان حريصًا أن يكون معلمًا ومربيًا ومستفيدًا بمهنته كصحفي.. كان مشغولًا جدًا بكيفية ترشيد الصحوة الإسلامية، وتثقيف شباب الصحوة وتزويدهم بالمعلومات، وتقوية صفهم بالتربية.
وعندما كنا في السجن الحربي كان يحرص على أن يبين لنا من هم أعداء الدعوة، ولماذا هم أعداء لهذه الدعوة وما الوقائع التي يستدل بها، وكان كل كلامه موثقًا.. ولا شك فقد كان لهذا أثر عظيم في نفوسنا نحن الشباب، منذ عام ١٩٦٥م وحتى بعد خروجنا من السجن.
وكان يرحمه الله واسع الثقافة حريصًا على توصيلها إلى الآلاف، سواء كان ذلك عن طريق مجلة «الدعوة» في السبعينيات، أو مجلة «لواء الإسلام» التي رأس تحريرها في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي.
كان يرى ضرورة اهتمام الإخوان بعالمية الدعوة كطبيعة أساسية لدعوة الإسلام.. وكان أيضًا يحرص على احتواء الشباب سواء كانوا ممن يدرس لهم، أو من غيرهم.
وبعد خروجنا من السجن كان الأستاذ جابر مشغولًا بتدريس اللغة الفرنسية، وكان يدرس لإخوتي الأصغر مني سنًا، فقد كانوا لا يزالون في المرحلة الثانوية.
ثم بعد ذلك عندما عادت مجلة «الدعوة» للصدور منتصف السبعينيات من القرن الماضي عمل مديرًا لتحريرها، وكان حريصًا على أن تكون بابًا لوطننا الإسلامي لبث الفهم الصحيح للإسلام، ولم يقف عند هذا الحد، بل كان حريصًا على شباب الصحفيين، فكانت له لقاءاته الخاصة بهم مثل أخينا صلاح عبد المقصود، ومحمد عبد القدوس وغيرهما من الإخوان المشاهير في مجال الصحافة اليوم.
ولم يقتصر هذا على صحفيي الإخوان، إنما تعداهم إلى بعض الصحفيين من التيارات الأخرى الذين كون معهم صداقات، وكان له تأثير كبير على توجهاتهم.. مثل الأستاذ عادل حسين يرحمه الله، الذي كان من أصحاب الفكر الاشتراكي، وتأثر بفكر الأستاذ جابر وأصبح مفكرًا إسلاميًا.
فقد صدق أخونا جابر يرحمه الله في مشاعره وإخلاصه، فأثر فيمن حوله.
وكان الأخ جابر رجلًا قوامًا، فأثناء وجودنا بالسجن كنت كلما استيقظت لأصلي قيام الليل كنت أجده أسبق مني، فقد كان يرحمه الله يسبق كثيرًا من الإخوان في عباداته.
وكان الأخ جابر يحب القرآن بشدة ويمضي أوقاتًا طويلة في تلاوته وحفظه... وأذكر أننا كنا عندما نراجع القرآن مع بعضنا كنا نخصص له وقتًا بعد الفجر، فكان يقرأ فيه ثلاثة أجزاء في رمضان.. وكان من حبه للتلاوة أن يقرأ في بعض الأحيان وهو يكاد ينعس.
كما كان يرحمه الله صبورًا، فقد كان صبره أكثر أثرًا في نفسي مما تعلمته منه من ثقافته الواسعة.
وأذكر أنه كان في وقت من الأوقات مصابًا في ركبته، ومع ذلك كان أحرص الناس على أن يمارس الرياضة.
وكان في صبره نموذجًا وقدوة، فقد صحبته في رحلة مرضه ووجدته على أعلى درجات الصبر.. ففي عام ١٩٨٦م كان الأستاذ جابر يحضر مؤتمرًا في تركيا وعاد، وكان يشتكي من أعراض برد عادية، اكتشفنا بعد ذلك أن هناك ورمًا في الرئة، ذهبت معه إلى بريطانيا، وأجريت له جراحة هناك ولكن يبدو أن التشخيص لم يكن دقيقًا في معرفة حجم الورم؛ فأصيب الأخ جابر بعد ذلك بجلطة من أثر العملية، ففقد النطق نتيجة أن الجلطة تحركت من الرئة إلى أحد الفروع الدقيقة، وصحبته في ذلك الوقت، وكان دائم الاستبشار، وكنت أردد عليه كلمات حتى يكررها ورائي ولله الحمد عندما انكمشت هذه الجلطة بدأ الأستاذ جابر ينطق بالكلمات وعاد بعد ذلك، ولكن لم يستمر طويلًا، واضطررنا أن نسافر إلى أمريكا ليعالج هناك مع د. أحمد القاضي، وطوال هذه الرحلة الطويلة من الصبر والتحمل كان دائم الابتسام والاستبشار كثير الذكر لله تعالى، ما تجلس معه إلا وتجد لديه الأمل والاستبشار والثقة في الله تبارك وتعالى.
وقد كان يرحمه الله صاحب قلم، وصدق، وعاطفة، وصدر واسع.. أسأل الله أن يتقبله في الصالحين وأن يجعلنا على طريقه.