; تعلمت من هؤلاء (13): الدكتور علي عبد الحليم شهوان | مجلة المجتمع

العنوان تعلمت من هؤلاء (13): الدكتور علي عبد الحليم شهوان

الكاتب د. محمود عزت

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2011

مشاهدات 60

نشر في العدد 1948

نشر في الصفحة 53

السبت 16-أبريل-2011

هذا الرجل تأثرت به كثيرًا، واستفدت منه كثيرًا، فقد كان يرحمه الله حاله أبلغ من مقاله، جمع حجة اللسان ورجاحة العقل، ولكنه كان لا يحب الجدل، ويؤثر أن يكون حاله في الناس أبلغ من مقاله، فحال رجل في ألف رجل خير من مقال ألف رجل لرجل.

تعرفت عليه في سجن قنا، وكنا نحن الاثنين طالبين في كلية الطب جامعة عين شمس، وقد سبقني في السجن بعشر سنوات، وكان وقتها (١٩٥٤م) في السنة النهائية للكلية.

وجدته قليل الكلام عظيم الفقه، وأول شيء تعلمته منه أن يكون قلبي موصولًا بالله تبارك وتعالى في كل وقت وفي كل مكان.. ثم أن يصدق عملي كلامي.. وحاولت أن أكون على الحال التي كان عليها، لكنه كان دائمًا يسبقني بأشواط.

خرج من السجن عام ۱۹۷۱م، وأصبح نائبًا في قسم أمراض النساء والتوليد.

أما أنا فخرجت من السجن عام ١٩٧٤م، وكنت في السنة الرابعة.. ذهبت إليه لأطلب منه أن يشرح لي بعض النقاط بالمنهج التي صعبت علي، وكان في مناوبة «خفارة» في بدروم «سرداب» الحوادث في قسم النساء جامعة عين شمس، وكان الجو شديد الحرارة، وكنا نتصبب عرقًا، فقلت له: علينا الخروج من هذا المكان، وعندما تأتي حالة ندخل مرة أخرى، فرفض، وقال: أنا مكاني هنا، فهذه الحوادث تقتضي أن أتواجد بصفة دائمة بهذا المكان، قلت له: الجو بالخارج أحسن حالًا، قال: إن شئت فتعال إلى في المنزل بعد أن أنتهي من المناوبة، قلت له: إن ما تأخذه من مال شيء قليل مقابل ما تقوم به من جهد، فقال: هذا عقد بيني وبين الدولة أن أقوم بهذا الواجب في هذا المكان بهذه الكيفية، ولن أنكث عن عهدي.. كان الرجل يتحرى الحلال، ويقوم بواجبه على أكمل وجه.

كما كان يرحمه الله دالًا على الخير وسأسرد كيف كان دوره مؤثرًا في حياتي؛ فبعد خروجي من السجن مباشرة زارني د. علي في منزلي وطلب مني أن أصطحبه إلى من رافقونا في هذا الطريق، وكانت زيارتين أثرتا في حياتي تأثيرًا كبيرًا، كانت الزيارة الأولى للأستاذ مصطفى مشهور، ولم أكن أعلم أن الأستاذ مصطفى كان معتقلًا خلال فترة وجودنا في السجن، حيث كان نظام عبد الناصر يفصل المعتقلين عن المساجين، فكنا لا ندري شيئًا عنهم.. وقد تعرفت في زيارتي هذه للأستاذ مصطفى على واجبي تجاه دعوتي في هذه المرحلة؛ وهي أن نصل الأجيال بعضها بعضًا، وعلى هذا الأساس اخترت أن أكون في سلك التدريس بالجامعة، طبقًا لوصية الأستاذ مصطفى، وكان د. علي أيضًا قدوة لي في ذلك، فقد سبقني في هذا المجال.

أما الزيارة الثانية، فكانت للأستاذ عمر التلمساني، وكان لها أثر كبير في نفسي أيضًا؛ فالأستاذ عمر بث في نفسي الحب والأمل والانطلاق بهذه الدعوة.. فكان قدوة وأسوة لي في الانطلاق لأداء دورنا على المستوى العام، حيث كان يجوب أنحاء مصر للدعوة، وكذلك كان يفعل الأستاذ مصطفى، إلا أن ما تعلمته من الأستاذ عمر كان كثيرًا، ويرجع ذلك الفضل للدكتور علي شهوان الذي عرفني به.

وقد صحبت د. علي شهوان طوال هذه السنوات إلى أن توفي في العام الماضي، وكنت أظن أني أعرف الناس به، وبعد وفاته طلب مني أولاده أن تبقى عيادته تعمل كما كانت كصدقة جارية وهم يتكفلون بالإيجار وغير ذلك، وبحثت على من يقوم بهذا الدور الذي كان يقوم به د. علي في عيادته، فقد كانت تخدم الناس في مصر وفي أنحاء العالم الإسلامي، حيث كان روادها من أقاصي الصعيد، وكذلك من بلاد أخرى غير مصر، وكان د. علي ينفق على هذه العيادة مما كان يرزقه الله من العمليات الرائعة الناجحة الكبيرة التي كان يقوم بها، فاكتشفت أني لا أستطيع أن أجد من يقوم بهذا العمل، بل لا يستطيع عدد ٣ أو ٤ من الأطباء أن يقوموا مقامه بل لا تستطيع الجمعية الطبية الإسلامية نفسها أن تسد هذه الثغرة، فأحسست أن هذا الرجل كان بألف رجل في كل شيء؛ في مهنته وفي تقواه -نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله عز وجل- وفي كرمه، وتواضعه، وتركه للجدل، لا يحب أن يتناقش، وكان صاحب حجة قوية وصاحب علم وفقه ولكنه كان يؤثر دائمًا من يجادله.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عني وعن أمة الإسلام خير الجزاء.

الرابط المختصر :