العنوان تعليقٌ على.. مؤتمر وزراء الأوقاف في الكويت
الكاتب محمد علي ضناوي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1973
مشاهدات 91
نشر في العدد 142
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 20-مارس-1973
المقرَّرات والتوصيات التي أصدرها مؤتمر وزراء الأوقاف المُنعقِد في الكويت في الأسبوع الأول من هذا الشهر، كان لها أطيب الأثر في نفوس العرب والمسلمين وهي من المقرَّرات الإسلامية القليلة التي تكللت بنتائج إيجابية تُعتبر بداية تحول جدي على المستوى الإسلاميالرسمي.
فهناك قضايا رئيسية وأساسية كانت تشغلُ بالَ الرأي العام في البلاد العربيـة والإسلامية وتزدحم حولهـا الأسئلة، هل يتعين على الحكومات والمؤسَّسات الإسلامية الرسمية تنظيم ودعم العمل الإسلاميبتأييد الدعوة له ومناصرتها وإفساح الفرص للتبشير بها؟ ثمما هي مكانة الدعوة الإسلامية في العصر الحديث وما هي مستلزماتها وما هي واجباتها؟
إنالدعوة للإسلام هي-بعد أخذ أساليب العصر بعين الاعتبار- المُرتجى الوحيد والسبيل الأوحد لإنقاذ العرب والمسلمين بل الإنسانية قاطبة من براثن الضياع والقلق ومن نير الظلم والفوضى والعدوان.
ويستتبع هذه الحقيقة توجه بلاد العرب والمسلمين من جديد، وبعد أن جربت هذه البلاد أفكارًا ومناهج مختلفة إلى التشريع الإسلاميللنهل منه ولتصديره في مناحي الحياة التشريعية والسياسية كافَّة، من أجل ذلك طالب المؤتمر-وهو مؤتمر رسمي- الدول العربية والإسلامية لإقرار هذه البديهية في طلب الدساتير من أندين الدولة الإسلام وأنالتشريع الإسلاميهو التشريع الرسميفي البلاد.
ومعنى هذا أنكلقانون وطنيمخالف للإسلام، هو غير دستوريويتوجَّب إعادة النظر فيه كي تستقيم الحياة العربية والإسلامية على هدى الإسلام العظيم.
ولا شكأنإقرار مثل هذه الصيغة والعمل على إحلالها في الدساتير يستوجب وعيًا «زائدًا» عند الشعوب والحكَّام على السواء، لذلك أحسن المؤتمر حين أكَّد على أهمية الدعوة الإسلامية وعلى العودة بالمسجد إلى دوره الكبير وحين ألزم نفسه بدعم العمل الإسلاميالشعبيومديد العون له بالمساعدة والبناء وحين أوجد مجلس التنسيق الإسلاميودعا إلى اتِّحاد الهيئات والجمعيات الإسلامية في كلقطر، مقدمة لاتِّحادها على صعيد العالم الإسلاميبل العالم كله.
وطبيعي، والمؤتمر يوصي بالاتِّحاد- وهو على مستوى القضية الإسلامية- أن يبدأ خطوات تنظيمية جيدة علـى صعيد توحيد المناسبات والأعياد الإسلامية كي يظهر المسلمون في وحدة روحية عميقة قصدها الإسلام بدءًا من خلال مناسباته التعبُّدية وأعياده وشعائره.
ويرتبط بهذه المناسبات التعطيل الجمعة باعتباره عيدًا للمسلمين، وقد حمل ممثِّل لبنان صاحب السماحة مفتي الجمهورية، ملف تعطيل يوم الجمعة إلى المؤتمر واضعًا إياه أمام مسؤولياته الكبرى في مواجهة هذه القضية التي كانت من نتائج تحديات بل تخبُّطات «مجمع بعبدا» حين تغافل إرادة المسلمين مقررًا التعطيل يومي السبت والأحد.
وفي خِطاب سماحة مفتي الجمهورية في جلسة الافتتاح وفي إقرار المؤتمر لتوصِية إقرار التعطيل يوم الجُمعة في مُختَلِف بِلاد العرب والإسلام، مَغزَى بعيد فهو من ناحِيةٍ يُنبه اَلحُكم اللبنانيإِلى أنقَضية تَعطِيل الجمعة ليست مفتعلَة في لبنان، إنما لها جُذورهَا وأصالتها شأنها شأن بقية توصيَات المؤتمر. ومن ناحية أخرى إقحَام لِلحكومات العربية والإسلامية، وجميعهَا يُعطِّل يَوْم اَلجُمعة، لإقنَاع الحُكم اللبنانيبِوجوب الاستجابة لإرادة المسلمين في لُبنان بِاعتبار أنالتَّعطيل قَضية إِسلامية لا مَحَلية فحسب.
والمؤتمر، وهو مؤتمر وزراء الأوقاف، لم ينس القضية الكبرى قضية فلسطين وأكَّد وجوب الالتزام بها والجهاد من أجلها، وكان ما خطط له بتوصياته ومقرراته، منطلقًا طبيعيًا وأصيلًا لتحرير الأرض المغتصبة لإقرار الحقوالعدل في هذه المنطقة من العالم.
إنَّنا لننظر بعين الأمل إلى ترجمة هذه المقرَّرات والتوصيات إلى واقع حيحتَّى لا يكون هذا المؤتمر قد أضاف إلى المؤتمرات التي تعقد في دنيا العروبة والإسلام عددًا، وإنَّما جسَّد المعنى إلى مبنى والكلام إلى عمل، كما نأمل أن تتفهم حكومة لبنان مغزى هذا المؤتمر وأبعاده وأن تفهم بادرة المؤتمر بتوصية التعطيل يوم الجمعة.
المشبوهينَ فلذرِ الرمادِ في العيون وتغطية نواياهم نحوَ الإسلام والمسلمين. فمن ورائهِ من يتتبعُ خطاه ويحصى عليهِ أنفاسه مدةَ إقامتهِ بالبقاعِ المقدسةِ. تعلم الفرنسيةِ إجباري والويلِ لمن لم يقدم ولده. فجزاؤه السجن والتغريمِ حتى يلينَ ويقدم فِلذةَ كبدهِ فريسةً لذئابِ المستعمرين. فيا حبذا لو كانت ثقافة كاملة وإنما للعرقلة فقط فيخرج التلميذُ عندَ سنِ الرشدِ لا ثقافة فرنسية مدققة، ولا عربية موجودة. إذ لا يُسمحُ بالوقتِ المناسبِ للتلميذِ ليتعلمَ لغتهُ ودينهُ خارجَ مدرستهم. اللهمإلا بعض العائلات الذين قدروا على النفقة على أولادهم في الخارج كأوروبا والزيتونة والأزهر والقرويين.
والغالب ألا يكونوا إلا من الموالين لهم أو من المُفرطين في الذكاء من غيرهم.
لقد درَست في مدارسهـم الابتدائية جبرًا. ولو لم تربَّى في أحضان عائلة علمية دينية لتنكَّرتلتاريـخ الإسلام والمسلمين والوطن العزيز. فماذا أسمع عن تاريخ الجزائر؟ إنَّها دائمًا مستعمرةٌ للغير. سُكَّانها الأصليون برابرة متوحِّشون.
أما الفينيقيونفنهابون للأموال محتقرون لكلجنس، أمَّـا الرومان أبناء عمومتهم وآثارهم العمرانية بارزة، والجرمانيون فوضويون، والبيزنطيون مهذَّبون وعادلون. وأمَّا العرب الهمج فمتسلطون ظالمون.
أجبروا الناس على اعتناق دينهم بالسيف لا هملهم إلا جمع المال والجواري وأمَّا الأتراك فظالمون قساة وما سطع نور العلم والعدل والحرية والعمران إلا عند مجيء فرنسا.
قولوا لي بربكم.. ماذا يبقى في ذاكرة التلميذ الذي يتلقَّى هذه السموم وهو غضطري؛ لولا لُطف الله بهذه الأُمة الصابرة الصامدة صمود الجبال والعاضة على دينها ولغتها وشرفها بالنواجذ؟!
هذه بإيجاز الحالة التي كانت عليها الجزائر مدة قرن وثلث. لقد صدق فينا قول الشاعر:
صبَّت علينا مصائبٌ لو أنَّها
صبَّت على الأيام عَدَن لِياليا
وقول شاعر النيل-رحمه الله-:
لم يبق شيء في الدنيا بأيدينا
إلا بقية دمعٍ في مآقينا
ومع كلهذه المصائب لم نيأس من نزول مطر رحمة الله علينا فنحن على حقوما ضاع حقوراءه مطالب. وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(يوسف: 87).
وقوله: ﴿إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمَّد: 7).