العنوان تغيير السياسات أهم من تغيير السياسيين
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 01-فبراير-2003
مشاهدات 58
نشر في العدد 1537
نشر في الصفحة 24
السبت 01-فبراير-2003
عادة ما تكون لكل تحرك سياسي أو عسكري دولي كبير أهداف عدة في وقت واحد، وتستحيل مواجهة مثل هذا التحرك ومواجهة نتائجه دون تحرك مقابل على محاور عدة أيضًا في الوقت نفسه. أما إذا كانت المنطقة العربية تنظر إلى ساحة الأحداث باثنين وعشرين منظارًا رسميًّا على الأقل، فإنها بذلك تصنع عجزها بنفسها، ومن لا يواجه مجرى الأحداث لا بد أن تطحنه بعجلاتها وفق منطق القوة «شرعة الغاب» المهيمن دوليًّا، وهذا ما يصيب الشعوب وليس أنظمة الحكم فحسب بعواقبه، وهو ما يوجب -في ظل الاضمحلال السياسي الراهن- أن تكون المواجهة شعبية. وما دام التعاون والتكتل على المستوى الرسمي بعيد المنال، فهل يمكن أن تتحرك هذه المواجهة على أكثر من محور في وقت واحد، وأن تعوض التعاون والتكتل على الصعيد الرسمي؟
دروس تاريخية: في الماضي كانت الحملات الخارجية تحرص على إخفاء أهدافها بينما اتخذت المؤامرات المعاصرة طابعًا علنيًّا وباتت أهدافها المتعددة مكشوفة، ولكن بدلًا من أن يحفِّز ذلك الجهود لمواجهة الأخطار، فوجئنا بمواقف غير مسبوقة على المسرح السياسي محورها إعلان العجز تبريرًا للتراجع والتسليم جنبًا إلى جنب مع التمسك بمواقع «المسؤولية»، بل وبتوجيه الضربات لمن يقاوم التراجع والتسليم.
ربما استحال على الزعماء العرب قبل قرن أن يكتشفوا في الوقت المناسب -مثلًا- الأهداف الخطيرة التي كانت كامنة وراء الاتصالات العربية - البريطانية، في حقبة جمعت خلال بضع سنوات الثورة العربية الكبرى و«وعد بلفور»، و«اتفاقية سايكس بيكو»، فآنذاك كان للتحرك السياسي والعسكري الدولي الكبير عدة أهداف محاورها الرئيسة:
- القضاء على البقية الباقية من الخلافة العثمانية.
- توظيف القوة العربية الناهضة لهذا الغرض.
- السيطرة على المنطقة العربية نفسها بتجزئتها واستعمارها.
- زرع الكيان الصهيوني كقاعدة غربية متقدمة في المنطقة.
ربما نظر المتعاونون مع البريطانيين آنذاك بمنظار واحد هو التخلص من المظالم التي نشرها حزب الاتحاد والترقي العلماني بعد سيطرته مع يهود الدونمة على مقر الخلافة، وربما تردد بعضهم على الأقل في التحرك مع البريطانيين لو ظهرت لهم مسبقًا سائر الأغراض الأخرى، كما يُفترض بزعماء لهم بصيرة سياسية نافذة.
شبيه ذلك يمكن استخلاصه عند النظر في التعامل الأمريكي مع حرب السويس سنة ١٩٥٦م، أو السوفييتي مع حرب ١٩٦٧م، وهو ما تكرر أيضًا في التعامل مع حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، ثم في حرب الخليج الثانية عام ١٩٩١م.
ولكن إلى متى يتكرر القصور السياسي عن رؤية الأحداث، وإلى متى تتكرر الكوارث وقد باتت مرئية ظاهرة من قبل وقوعها؟
لقد اتخذ التحرك الدولي ثلاثة عناوين رئيسة:
- «الحرب ضد الإرهاب».
- «تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل».
- «قضية فلسطين».
ولم يختلف التعامل الدولي مع المنطقة وإن أصبحت الأهداف المطروحة علنية، ولكن لم يختلف كذلك معظم التعامل العربي الرسمي مع ما يجري عن تلك الرؤية التاريخية الأحادية: اثنان وعشرون منظارًا سياسيًّا للأحداث. ضاعت قيمة اللقاءات الجماعية على مستوى قمم كبيرة ومصغرة، إقليمية وجماعية، عربية وإسلامية، إذ لا تنعقد القمة لدول تبحث عن قاسم مشترك تفرضه المصالح العليا وبما يتطلب من كل طرف التراجع عن بعض ما يبدو من المصالح القطرية، كما تصنع دول الاتحاد الأوروبي مثلًا، وإنما تنعقد تلك القمم فتبحث عن قاسم مشترك أدنى تفرضه الحدود والقيود الصادرة عن المصالح القطرية الحقيقية والوهمية، فلا ترقى النتائج إلى مستوى قريب من المصلحة العليا، ومواجهة الأخطار الخارجية الكبرى، ولا تصلح لوضع سياسات مشتركة، أو صياغة مواقف فعالة، ناهيك عن وضع مخططات يفرضها الاستيعاب السياسي الناضج لما يجري من تطورات عالمية تمد أيديها إلى المنطقة العربية والإسلامية، كتلك التي تمثلها الحملة الأمريكية الراهنة.
إن التحرك الأمريكي الراهن يتطلع من وراء هذه الحرب ومن وراء «مكافحة الإرهاب»، ومن وراء الرؤية المستقبلية لدويلة فلسطينية إلى أهداف أخرى لا يخفيها الأمريكيون أنفسهم، وإن تعددت صور عرضها، ومنها:
- السيطرة المباشرة على النفط.
- التحكم من وراء ذلك بقرارات الإنتاج والأسعار عالميًّا، مع ما لذلك من أبعاد في المنافسة الدولية.
- خنق كل محاولة عربية «وإسلامية» لامتلاك قوة عسكرية ذاتية. بما في ذلك الدفاعية الرادعة المحضة.
- الحفاظ على الكيان الصهيوني كقاعدة عسكرية في قلب المنطقة.
- القضاء على بذور «النهضة» الإسلامية انطلاقًا من منابع صناعة الإنسان المسلم.
- الأحداث واضحة والأخطار معروفة.. ورغم ذلك لا يبدو أنها تدفع إلى مجرد تكوين «إرادة سياسية مضادة»، ناهيك عن التخطيط والتفكير والتدبير من أجل مواجهة مفروضة.
- على النقيض من ذلك ترصد مؤشرات خطيرة تؤكد سلوك طرق عديدة لتسهيل تنفيذ المخططات الأمريكية بدلًا من عرقلتها، ومثال ذلك أنه حين تحرص واشنطن على تهدئة الساحة الفلسطينية إلى ما بعد الفراغ من ضربة عسكرية مرجحة ضد العراق، باتت تواكبه جهود مكثفة في الاتجاه نفسه من بعض الدول العربية.
بدايات التحرك الشعبي
لقد أصبحت السياسة العربية أشبه بالأسير بغض النظر عمن يحمل المسؤولية، وقد رصدنا أثناء انتفاضة الأقصى كيف تحولت استغاثات الفلسطينيين من مخاطبة الحكومات العربية إلى الحديث المباشر الموجه إلى الشعوب العربية، ورصدنا أيضًا نشوء حركة شعبية أو حركات شعبية متعددة على حسب الظروف السائدة في كل قطر.
إن الإرادة الشعبية والعمل الشعبي هما المعقل الأخير لأي أمة تريد البقاء وتتطلع إلى النهوض، وربما عرفت التجارب التاريخية تحركات شعبية كبرى أحدثت تحولات جذرية، ولكن معظم ذلك كان مشوبًا بأخطار كبيرة، كما كان مثلًا في الثورة الفرنسية أو الثورة البلشفية وما رافقهما من إراقة دماء وانحرافات، سببها الرئيس كامن في أن التحرك كان «طبقيًّا وانتقاميًّا»، وكان الطرف المستهدف داخليًّا، ولا يقارن ذلك بما نواجهه اليوم من أخطار خارجية.
إن التحرك الشعبي الذي امتد إلى العديد من الأقطار بدرجات متفاوتة وبوسائل متباينة يحتاج ليحقق الهدف المطلوب منه إلى عدد من الضوابط الأساسية، إلى جانب الجهود الكبيرة المتواصلة لتصعيده وتوجيهه:
- تحديد الأهداف البعيدة والقريبة، والتأكيد عليها بما يتجاوز حملات التضليل المتزايدة، وبما يجعلها واضحة لكل من يشارك في التحرك على مختلف المستويات وفي مختلف الميادين والأمكنة.
- التمييز بصورة حاسمة بين هدف تحرير الإرادة والأرض.. وما يطرح أحيانًا من شعارات يجري استغلالها وتصويرها، وكان المطلوب هو القضاء على كل علاقة خارجية بالقوى الدولية.
- التمييز بصورة حاسمة بين هدف العدالة والشورى على صعيد الدولة، وما يطرح أحيانًا من مواقف يجري استغلالها لتصوير كل نقد للسلطة وكأنه يستهدف تدميرها.
- التمييز بصورة حاسمة بين هدف الأخذ بالمرجعية الإسلامية في الحياة والحكم، وما يطرح أحيانًا من تصورات يجري استغلالها، وكان المطلوب هو القضاء على صاحب كل تصور آخر.
وهذا ما يسري على الأهداف الكبرى المطروحة كافة، ولا غنى بعد ذلك عن ضرورة التمييز بين ثوابت لا يمكن القبول بمساومة أو حلول وسطية بصددها، وطروحات مرحلية ووسائل متاحة قابلة للتبديل والتعديل على حسب الظروف والمعطيات وتقلباتها.
ومن الضوابط الأساسية لتحقيق قفزة نوعية في العمل الشعبي أن يتجاوز الناشطون فيه الحدود الفاصلة بين فاعلياته المتعددة جغرافيًّا وسياسيًّا، ومن حيث المضامين المطروحة للعمل، فالتحرك لا يمكن أن يؤتي الثمار المرجوة منه دون أن يقترن بتنسيق دقيق وتواصل مستمر، وتكامل في الخطوات العملية على أرض الواقع.
ولئن كان كل عمل شعبي كبير يبدأ من خلال أعمال صغيرة متفرقة، فإن التحرك الشعبي الذي كان لانتفاضة الأقصى دور كبير في نموه وظهوره على السطح قد تجاوز مرحلة النشأة الأولى، وبات من الضروري أن ينتقل إلى مرحلة تالية تحقق من التكامل بين مظاهره وفاعلياته ما يسمح بأن يعطي بعضه بعضًا دفعات قوية إلى الأمام، وما يوسّع حلبة انتشاره، أفقيًّا على المستوى الجغرافي، ورأسيًّا على مستوى مختلف الفئات الشعبية.
المطلوب الخروج من فلك التبعية الأجنبية والتفرقة الإقليمية والقطرية، ومواقف التسليم والتراجع والمنطلقات الأنانية في التعامل مع القضايا المصيرية. وفي هذا الإطار نستوعب بكل وضوح أن التغيير المطلوب هو تغيير السياسات؛ فإن تبدل السياسيون وبقيت السياسات هي المهيمنة فلن يتحقق الهدف، ولكن يمكن أن يتحقق دون ريب إذا تغيرت السياسات وإن بقي السياسيون.