; رؤية صهيونية استراتيجية- تفتيت العراق بين النظرتين الأمريكية والإسرائيلية | مجلة المجتمع

العنوان رؤية صهيونية استراتيجية- تفتيت العراق بين النظرتين الأمريكية والإسرائيلية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 13-مارس-2004

مشاهدات 71

نشر في العدد 1592

نشر في الصفحة 28

السبت 13-مارس-2004

بغداد: مراد الأعظمي (*)

خدمة قدس برس- لندن

تعويل «إسرائيلي» على اختراقات أمنية واستراتيجية وسياسية مع أطماع اقتصادية

أكد باحث استراتيجي عراقي أن احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية سيترك آثارًا واضحةً على وضع الكيان الصهيوني في المنطقة، بما يمكن أن يحدث تغيرات جذرية في علاقاتها المستقبلية مع العراق الذي لا يعترف بها.

وأوضح الباحث حميد فاضل حسن من مركز الدراسات الفلسطينية بجامعة بغداد في بحث أعده تحت عنوان «الرؤية الإسرائيلية للعراق في ظل المتغيرات الجديدة»؛ أن ما حدث في العراق مؤخرًا من تطورات سياسية وعسكرية واقتصادية ليس حدثًا عابرًا أو عاديًا يمر على المنطقة مرور السحاب، بل كان حدثًا عظيمًا في نتائجه وآثاره على العراق والمنطقة بأكملها.

واستخلص حميد فاضل في بحثه أن هناك متغیرات سريعة سترسم ملامح العلاقة بين العراق والكيان الصهيوني في ظل الاحتلال الراهن للعراق خاصة على صعيد العلاقات الدينية والتاريخية والجوانب الأمنية والاستراتيجية، فضلًا عن الميدان السياسي.

إحياء موقع العراق في الرؤية الصهيونية الكلاسيكية

ففيما يتعلق بالعلاقات الدينية والتاريخية رأى الباحث أن ارتباط الجماعة اليهودية بأرض العراق هو بحسب الرؤية الصهيونية ارتباط أزلي فاليهود يقررون أن وجودهم التاريخي يبدأ من هذه الأرض.

ويرى الباحث أن مفهوم أرض (إسرائيل) الذي تتبناه الحركة الصهيونية يشمل أيضًا العراق في المنطقة الممتدة من البصرة في جنوب العراق مرورًا بمناطق الفرات الأوسط وصعودًا إلى مناطق الفرات الأعلى حتى الحدود السورية، مشيرًا إلى أن التغيرات الأخيرة في العراق قد تكون عاملًا مساعدًا في اتجاه تحقیق شعار أرض (إسرائيل) التوراتية (المحرفة)، فالوجود الأمريكي سيمكن اليهود من اختراق العراق، وبالتالي السيطرة على الفرات، ليست السيطرة العسكرية أو السياسية؛ وإنما السيطرة البشرية والسيطرة الاقتصادية؛ حيث يتحول الشعار من (إسرائيل) الكبرى جغرافيا إلى (إسرائيل) العظمي اقتصاديًّا، على حد تحذيره.

العراق المحتل في رؤية الأمن والاستراتيجية الصهيونية

على صعيد العلاقات والجوانب الأمنية والاستراتيجية أعاد الباحث حمید فاضل حسن إلى الأذهان أن الكيان الصهيوني أولى الاعتبارات الأمنية أهمية فاقت ما عداها من الاعتبارات الأخرى، ولعل مردَّ ذلك بشكل أساسي هو شعور (إسرائيل) بوجودها المصطنع على الإقليم العربي، فهي كيان غريب وغير متجانس بشريًّا وتاريخيًّا وجغرافيًّا مع المنطقة، كما يقرر الباحث.

ولم يكن السبيل الصهيوني في التعامل مع هذه الحالة مقتصرًا على امتلاك القوة التسليحية المتطورة والمتفوقة نوعيًّا على الكم العربي وإنما يمتد للعمل أيضًا على إضعاف الجبهة العربية المعادية لها، وذلك عن طريق خلق مشكلات داخلية أو تهديدات خارجية لدول هذه الجبهة، وبالصورة التي تقود إلى تجزئتها وتقسيمها إلى دويلات متناحرة ومتضادة أحيانًا، وكان من الطبيعي أن يكون العراق أحد هذه الدول. 

ولهذه الأمور مجتمعة، لم يكن غريبًا أن يحتل العراق مرتبة مهمة في سلم السياسة الإسرائيلية الأمنية، فقد دأب الكيان الصهيوني في تعامله مع العراق على طرح شعار لكل مرحلة، وعادة ما يكون للظروف الإقليمية والدولية المحيطة بها، دور كبير في تحديد طبيعة الشعار وتوقيتاته.

ويبدو أن الظروف الجديدة التي ترتبت على الاحتلال الأمريكي للعراق قد شجعت الكيان الصهيوني على طرح الشعار الذي يراه ملائمًا لهذه المرحلة ألا وهو شعار التفتيت، وهذا الشعار ليس وليد اليوم، وإنما يعود إلى الثمانينيات من القرن الماضي، عندما وضع أوديد ينون، وهو أحد المخططين الاستراتيجيين الصهاينة خطة تفتيتية للدول العربية، تستند على دراسة الواقع العربي.

  • يأمل الصهاينة أن يتجه العراق المحتل إلى عقد اتفاقية سلام مع «إسرائيل»... ويرى قادة الحركة الصهيونية أن العراق هو البلد الذي يستوعب الفلسطينيين بعد طردهم

فهو يرى أن الواقع العربي عموما تتنازعه الانقسامات الطائفية بالدرجة الأولى، كما تسيطر على معظم سكانه مجموعات مستبدة تتمتع بامتيازات خيالية، وانطلاقًا من هذا الواقع فإن على الكيان الصهيوني العمل بكل طاقاته العسكرية والسياسية على إنهاء الدول العربية وتجزئتها إلى دويلات طائفية لا حول لها ولا قوة، تدور في فلك المشروع الإسرائيلي.

وبخصوص العراق توصي الخطة المشار إليها بضرورة الإسراع بتقسيمه، وذلك لسببين أساسيين:

الصراع الداخلي المفترض فيه، والبنى العرقية والدينية المتعددة فيه، مما يجعله أكثر الدول استجابة لمشروع التفتيت. ثم الثروة النفطية الهائلة التي يمتلكها العراق، والتي تجعله أكثر الدول خطرًا على وجود الكيان الصهيوني، فهو يختزن القوة الفعلية التي تشكل مصدر التهديد الفعلي. 

ويؤكد الباحث حميد فاضل حسن من جانبه أن شعار التفتيت هذا قد أصبح اليوم هو الشعار المتحكم في الرؤية الإسرائيلية تجاه العراق؛ إذ اتجه التصور الإسرائيلي تجاهه في هذه المرحلة إلى تجزئته إلى دولة شيعية وأخرى سنية، مع فصل المنطقة الكردية، وهكذا فإن ثلاثة أو أكثر من الدول يمكنها أن توجد حول المدن الرئيسة الثلاث في العراق البصرة، بغداد، الموصل وفق هذه الرؤية، بيد أن هناك مجموعة من الأسباب الموضوعية التي تمنع الإدارة الأمريكية من الاستجابة لمخطط التقسيم الإسرائيلي هذا؛ إذ إن الخوف من انهيار العراق هو المتحكم بالموقف الرسمي الأمريكي، فوحدة أراضي العراق بحسب النظرة الأمريكية ضرورية للموازنة الإقليمية مع إيران، كما أن دولة كردية مستقلة يمكن أن تؤدي إلى زعزعة جيران العراق؛ وخاصة تركيا - الحليف الاستراتيجي لواشنطن - وذلك أمر غير مقبول.

ومن هنا تفترق النظرة الأمريكية للعراق عن نظيرتها الإسرائيلية، فهي تتجه إلى الإبقاء على العراق موحدًا بقيادة جديدة معتدلة ومتفتحة على المصالح الأمريكية، كما يستنتج الباحث، ومن هنا تتوالى التأكيدات على ألسنة المسؤولين الأمريكيين أنه لا مساس بوحدة الأراضي العراقية.

نظرة عراقية جديدة إلى الصهاينة

أما على صعيد العلاقات السياسية، فيشير الباحث إلى أن الأوساط السياسية الإسرائيلية تعتقد أن المتغيرات الأخيرة التي شهدتها الساحة السياسية العراقية ستنجم عنها تغيرات جذرية على صعيد العلاقة السياسية بين الكيان الصهيوني والعراق المحتل.

وبحسب النظرة الإسرائيلية سيأخذ ذلك مسارين: الأول يتمثل في النظرة العراقية إلى الكيان الصهيوني، والثاني يتمثل في العلاقة مع الشعب الفلسطيني، فمن جانب يذهب المحللون الصهاينة إلى أن احتلال العراق سيدفع العراقيين إلى تغيير وجهة نظرهم بصدد (إسرائيل)، على أمل أن يتجه العراق الفاقد للسيادة إلى عقد اتفاقية سلام مع (إسرائيل).

ويأمل الصهاينة أن يجري ذلك على خلفية حالة التفكك والضعف السياسي والانهيار العسكري العام الذي يعيشه العراق، والذي يجعله غير مؤهل عمليًّا الدخول في مواجهة مع الكيان الصهيوني في القوة السياسية والنفود الدولي؛ فضلًا عن وقوع العراق تحت الاحتلال أصلًا، زيادة على خلفية التطلع إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي يعد مطلبًا عراقيًّا راهنًا، ومن أجل الوصول إلى مستويات مقبولة في التنمية سيجد العراق نفسه مرغمًا على الاستجابة للإملاءات الإسرائيلية من أجل الحصول على العوائد الأمريكية الاقتصادية والسياسية جراء ذلك.

وفيما يتعلق بالعلاقة مع الفلسطينيين فغني عن القول: إن من أولويات الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في أواخر القرن التاسع عشر. استيطان فلسطين من خلال امتلاك اليهود الأرض، وتجميع المهجرين اليهود فيما يسميه الصهاينة الأرض (إسرائيل)، التي يشيرون فيها إلى فلسطين وما يجاورها، وتحويل فلسطين العربية إلى بلد ذي أغلبية يهودية، وذلك عن طريق ترحيل الفلسطينيين إلى بلد آخر.

ولفترة غير قصيرة ترسخت في أذهان قادة الحركة الصهيونية أن البلد الذي يمكن أن يستوعب الفلسطينيين بعد ترحيلهم هو العراق كما ورد في أقوال لقادة الحركة من أمثال ديفيد بن جوريون وحاييم وايزمن وجابوتسكي وغيرهم.

ثم تطورت هذه الفكرة إلى خطة منظمة تبناها المليونير اليهودي إدوارد نورمان الذي قام باتصالات عديدة مع المسؤولين في الولايات المتحدة وبريطانيا والعراق، من أجل ترحيل الفلسطينيين إلى جنوب العراق غير أن جهوده التي استمرت من العام ١٩٤٣ وحتى عام ١٩٤٨، لم يكتب لها النجاح في ذلك الوقت لأسباب عديدة، لعل في مقدمتها قوة الفلسطينيين وتمسكهم بأرضهم، فضلًا عن الوضع الدولي غير الملائم، لجهة اندلاع الحرب العالمية الثانية، وما ترتب عليها من نتائج كارثية على أوروبا والعالم.

أما اليوم وبعد احتلال الولايات المتحدة وحليفاتها للعراق، فقد تحدثت مصادر إعلامية عن وجود خطة إسرائيلية قيل إنها تحظى بمباركة أمريكية، لإحياء خطة نورمان تقضي بإسكان أكثر من مليوني فلسطيني - ممن ترفض الدولة العبرية الإقرار بحقهم في العودة إلى فلسطين - في جنوب العراق.

الأطماع الاقتصادية

على المستوى الاقتصادي أحدث الاحتلال العسكري الأمريكي للعراق، وما ترتب عليه من نتائج جملة من المتغيرات الاقتصادية بخصوص علاقات العراق الاقتصادية الدولية، وبشكل خاص العلاقة مع الكيان الصهيوني.

 جاءت أبرز هذه التغيرات في شكل إحياء لمشروع السوق شرق الأوسطية، باعتباره أحد الترتيبات المتفرعة عن النظام الاقتصادي الإقليمي الجديد الذي طرحته تل أبيب بعد انطلاق عملية التسوية السلمية، ابتداءً من مؤتمر مدريد عام ۱۹۹۱، وهو نظام يقوم على ربط شرايين الحياة الاقتصادية العربية بالاقتصاد الصهيوني، وينهض المنطق الصهيوني في هذا الصدد على مقولة مؤداها أن تنمية شبكة واسعة ومتنامية من العلاقات القوية بين الاقتصاد الصهيوني والاقتصادات العربية، من شأنه أن يجعل كلفة الانفصال عالية جدًّا بالنسبة للأطراف العربية التي تود الانسحاب أو الفكاك من إسار تلك الترتيبات الإقليمية الجديدة.

وفي إطار هذه الترتيبات يدخل العراق طرفًا مهمًا في المعادلة التي يأمل الجانب الصهيوني أن تحكم «الشرق الأوسط الجديد»، والتي تشتمل بنظر شيمون بيريز على العناصر الآتية: الأموال الخليجية، والأيدي العاملة المصرية، والمياه التركية والسورية والعراقية، والعقول والخبرة الإسرائيلية. 

وإذا كان إنجاح التسوية السياسية في نسختها الإسرائيلية هو الأداة الأساسية للوصول - إلى إقرار هذا النظام؛ فإنه علاوة على التطورات على الصعيد الفلسطيني جاء تعثر المفاوضات على المحور السوري ليحول دون تنفيذه، وذلك لأن ركنًا أساسيًّا من المعادلة أصبح خارجها، وهو المياه فبدون سورية والعراق يصبح مشروع أنابيب السلام التركية الذي يعد أحد أهم مستلزمات المشروع غير ذي جدوى.

وهكذا فقد أرجئ تنفيذ مشروع السوق شرق الأوسطية بانتظار حدوث «تغييرات جذرية» تساعد على إعادة طرحه، ويبدو أن احتلال العراق كان المناسبة التي ينتظرها الكيان الصهيوني، فوقوع العراق تحت السيطرة الأمريكية أضعف سورية كثيرًا، لأنها فقدت عملها الاستراتيجي، بالإضافة إلى أنها أصبحت وحيدة بين المطرقة الإسرائيلية والسندان الأمريكي.

ولهذا يحذر الباحث حميد فاضل حسن من أن تجد سورية نفسها مضطرة للدخول في مفاوضات غير متكافئة مع الكيان، سوف ينتج عنها بدون شك مزيد من التنازلات العربية.

المشروعات النفطية

من بين المشروعات الاقتصادية المهمة، في هذه المرحلة تتحدث الأوساط الإسرائيلية عما تسميه «مشروعات تعاونية بين (إسرائيل) والعراق»، في مجال تصدير النفط؛ إذ يحاول الكيان الصهيوني إعادة تصدير النفط العراقي عبر فلسطين المحتلة؛ وذلك عن طريق ضخ النفط من حقول كركوك إلى ميناء حيفا على الساحل الفلسطيني على البحر المتوسط مرورًا بالأراضي الأردنية.

كما يسعى الكيان الصهيوني إلى الترويج لهذا المشروع من خلال الإشارة إلى التكلفة الاقتصادية المنخفضة لنقل النفط عبر هذه الأنابيب قياسًا على الوسائل الأخرى، فعلى سبيل المثال تشير مصادر صهيونية إلى أن رسوم تصدير طن واحد من النفط إلى غرب أوروبا عن طريق قناة السويس تبلغ نحو 18 دولارًا أمريكيًا بينما إذا تم النقل بواسطة أنابيب تمر عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة عام ١٩٤٨، وتصب في موانئ حيفا وأسدود وغزة، فإن الترتيب الجديد سوف تنتج عنه وفورات من ثلاثة إلى ستة دولارات للطن الواحد.

ومن جانب آخر يأمل الجانب الصهيوني في أن يجد له موطئ قدم على الأرض العراقية تحت ستار «السياحة الدينية»، أو سيجري تكرار السيناريو الذي تم مع الدول العربية «المطبعة» مع الصهاينة، بتحويل العراق إلى قبلة للزائرين اليهود ذريعة احتوائه على عدد كبير من المواقع الدينية والتاريخية التي يعتقد اليهود بقدسيتها وأهميتها، وأشهر هذه المواقع قبر عزرا الكاهن أو العزير، ومدفن النبي حزقيال أو (ذو الكفل)، ومرقد يوشع كوهين كارول، ومرقد الشيخ إسحاق القاووتي، وقبر ناحوم الألقوشي!.

الرابط المختصر :