; تفجير إسطنبول.. وما بعده | مجلة المجتمع

العنوان تفجير إسطنبول.. وما بعده

الكاتب د. سعيد الحاج

تاريخ النشر الخميس 01-ديسمبر-2022

مشاهدات 98

نشر في العدد 2174

نشر في الصفحة 44

الخميس 01-ديسمبر-2022

العملية البرية شمال سورية تبدو حتمية من حيث دوافعها وأهدافها والتطورات الحاصلة بعد تفجير إسطنبول

تطورات الثورة السورية دفعت بـ "العمال الكردستاني" للنكوص عن المسار السياسي والانفصال عن تركيا

د. سعيد الحاج 

محلل سياسي مختص بالشأن التركي

في 14 نوفمبر الماضي، انفجرت حقيبة مفخخة في شارع الاستقلال بميدان تقسيم وسط مدينة إسطنبول التركية، موقعة 6 قتلى وعشرات الجرحى، وهو التفجير الذي قطع 6 سنوات متواصلة من الهدوء وأمان الداخل التركي من العمليات الإرهابية، وأعاد للأذهان سنوات استهداف منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية للمدن التركية.

أُسس العمال الكردستاني عام 1978م، وبدأ عملياته العسكرية في عام 1984م؛ بهدف الانفصال عن تركيا وباقي دول المنطقة التي يتواجد فيها الأكراد (سورية والعراق وإيران) وتأسيس دولة كردية، وعلى مدى العقود الماضية، بلغت فاتورة العمليات الإرهابية بالنسبة لتركيا أكثر من 30 ألف قتيل بين عسكري ومدني، وخسائر مالية واقتصادية تربو على 500 مليار دولار (البعض يصل بها لأكثر من تريليون دولار).

مع استلام حزب العدالة والتنمية الحكم بالبلاد في عام 2002م، بدأ بخطوات متدرجة بخصوص المسألة الكردية، أفضت في نهاية المطاف لمشروع تسوية سياسية مع العمال الكردستاني تقضي بترك الأخير السلاح ووقف العمليات مقابل إصلاحات متعلقة بالشريحة الكردية في تركيا.

لكن تطورات الثورة السورية دفعت بالمنظمة الانفصالية للنكوص عن المسار السياسي والعودة لفكرة الدويلة الكردية والانفصال عن تركيا، فاستأنف عملياته العسكرية، وأعلن إدارات ذاتية في مناطق الأغلبية الكردية في تركيا (بعد إعلانها في شمال سورية)، وخاض مع الحكومة التركية حرب مدن وشوارع انتصرت فيها الأخيرة في النهاية.

بعد هذا التحول المهم، ومع عدة تطورات مهمة داخلياً وخارجياً، بدلت أنقرة استراتيجيتها وتبنت فكرة الحرب الاستباقية وتجفيف منابع الإرهاب في مصادره، ومنذ ذلك الوقت خاضت عدة عمليات عسكرية خارج الحدود في كل من العراق وسورية، أهمها سلسلة عمليات "المخلب" في العراق، وعمليات "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام" في سورية. 

هدفت العمليات في العراق لتقويض قدرات العمال الكردستاني وتدمير إمكاناته ومنعه من توجيه الهجمات للداخل التركي، بينما سعت في الشمال السوري للقضاء على فكرة الدويلة أو "الممر الإرهابي" كما تسميه تركيا الذي كانت وحدات حماية الشعب –الامتداد السوري للكردستاني– تعمل لتأسيسه.

ومع النجاحات التي حققتها القوات التركية في كل من سورية والعراق، تراجع خطر الإرهاب إلى حد كبير جداً، وغابت عمليات التفجير في المدن التركية، التي شهدت العشرات منها عامي 2015 و2016م، وعاشت البلاد 6 أعوام من الهدوء حتى لحظة التفجير في شارع الاستقلال في إسطنبول.

المعلومات التي أفصحت عنها وزارة الداخلية التركية تحدثت عن سيدة سورية تركت الحقيبة المتفجرة في شارع الاستقلال، بعد أن دخلت البلاد تسللاً من عفرين شمال غربي سورية، ووصلتها تعليمات العملية من عين العرب/كوباني؛ ما يعني أن السلطات التركية تتهم العمال الكردستاني أو مجموعات مرتبطة به بالوقوف خلف الهجوم، سريعاً كشفت ملابسات إضافية، وأوقفت السيدة السورية ومن تعاون معها في العمليات مع عدد آخر من المشتبه بهم.

ضحايا الهجوم كانوا 6 من المدنيين الأتراك، وعشرات الجرحى الذين تصادف وجودهم في شارع الاستقلال ساعتها، وقد أكدت تصريحات المسؤولين الأتراك معاني الحساب وتدفيع الثمن والرد، ولكن كشف ملابسات الهجوم الإرهابي لم تكن كافية بالتأكيد؛ إذ كانت أنقرة تحتاج لأن يكون ردها متضمناً لفكرة الردع وحماية البلاد من أي عمليات إضافية في المستقبل. 

ولذلك نفذت تركيا بعدها بأيام عملية "المخلب - السيف" الجوية، التي شاركت بها أكثر من 70 طائرة بين مقاتلة ومسيّرة، واستهدفت 89 هدفاً لكل من العمال الكردستاني في العراق ووحدات الحماية في سورية، محيّدةً عشرات المسلحين المحسوبين على الطرفين.

بعد العملية الجوية مباشرة، استهدفت صواريخ أطلقت من الشمال السوري مناطق مدنية في الجنوب التركي بما فيها مدرَسة، وسقط جرّاء ذلك عدد من القتلى بينهم طالب ومدرّسة، ما دفع للتساؤل عن الرد التركي المقبل.

لم يبق السؤال طويلاً دون إجابة، فقد أكد الرئيس التركي خلال رحلة عودته من قطر، حيث شارك في حفل افتتاح كأس العالم أن العملية الجوية ليست كل الرد التركي، وإنما فقط بدايته، وإنه لا بد من عملية برية ما زالت وزارة الدفاع ورئاسة الأركان التركيتان تقدّران عدد القوات التي يفترض أن تشارك بها.

وكانت أنقرة لوّحت منذ مايو الماضي بشن عملية برية جديدة في شمال سورية، لكنها تأجلت كثيراً لأسباب تتعلق بمواقف الدول المنخرطة في القضية السورية وفي مقدمتها روسيا والولايات المتحدة وبدرجة أقل إيران. 

اليوم، وبعد الأداء التركي على هامش الحرب الروسية – الأوكرانية، ودور أنقرة في موضوع انضمام السويد وفنلندا لـ"الناتو"، وتفجير إسطنبول وما تلاه من تطورات، يبدو الموقف التركي أكثر قوة ووضوحاً، كما أن الدول المذكورة، وخصوصاً روسيا والولايات المتحدة، تبدو أكثر تفهماً لدوافع أنقرة؛ وهو ما انعكس في بعض التصريحات التي صدرت من كل من موسكو وواشنطن.

ومن جهة أخرى، فإن قصف المدن التركية وإيقاع شهداء بين المدنيين بعد العملية الجوية التركية يجعل الرد التركي حتمياً، وقد لا تكون ضربات جوية إضافية كافية لتثبيت الردع، ما يحيل مجدداً للحاجة لعملية برية، فضلاً عن أنه من غير المتوقع لأنقرة أن تترك الكلمة الأخيرة للمنظمات الانفصالية.

ولذلك، فإن هذه الحتمية فيما يتعلق بالدوافع التركية للعملية لا تترك لصانع القرار خيارات كثيرة، حتى ولو لم تحصل قناعة سريعة لدى كل من روسيا والولايات المتحدة الأمريكية بأحقية العملية البرية، حيث كانت أنقرة قد أطلقت عملية "نبع السلام" قبل سنوات رغم التحفظات الروسية والأمريكية، قبل أن توقفها بتفاهمات مع الجانبين تضمنت تعهدات بإبعاد مسلحي وحدات الحماية/قوات سورية الديمقراطية عن الحدود لعمق 30 كلم، وهو ما تقول تركيا حتى اليوم: إنهما لم يلتزما به تماماً.

إذن، فالعملية البرية حتمية، إلا إن حصلت مفاجأة غير متوقعة، وقد تبدأ فعلاً في أي وقت، وهنا يبقى السؤال: هل تكون العملية البرية محدودة أم موسعة؟

من قراءتنا لمجمل الإستراتيجية التركية في مكافحة الإرهاب والمنظمات الانفصالية، وبالنظر لسلسلة العملية السابقة، والمعطيات الميدانية، وكذلك مواقف مختلف الأطراف، يغلب على ظننا أن العملية البرية -في حال أطلقت- ستكون محدودة في أهدافها، على الأقل في المرحلة الأولى؛ وعليه، يمكن توقع أن تستهدف العملية مناطق ذات أولوية في إستراتيجية تركيا ولها دور في استهداف الداخل التركي مثل تل رفعت ومنبج وعين العرب/كوباني.

وعليه، فالعملية البرية في شمال سورية تبدو حتمية من حيث دوافعها وأهدافها والتطورات الحاصلة بعد تفجير إسطنبول، لكن توقيتها وما يتعلق بقرار إطلاقها يرتبط بشكل مباشر بعوامل أخرى تنظر فيها القيادة التركية، وفي كل الأحوال، سواء أطلقت العملية أم أجّلت مرة أخرى، فلا يغير ذلك شيئاً من رؤية أنقرة للملف وكيفية التعامل معه على المدى البعيد.

الرابط المختصر :