; تفسيرغريب للمعجزة لا يؤيده دليل من الشرع | مجلة المجتمع

العنوان تفسيرغريب للمعجزة لا يؤيده دليل من الشرع

الكاتب الشيخ عثمان صافي

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1975

مشاهدات 90

نشر في العدد 234

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 28-يناير-1975

تفسيرغريب للمعجزة لا يؤيده دليل من الشرع ليس في العقائد مجال للمجاملة المعجزة خرق للقوانين الطبيعية طلعت جريدة الأخبار القاهرية مؤخرا في صفحتها «يوميات» بفكرة غريبة من المعجزة. فتحت عنوان »معجزة الأنبياء» قال كاتب المقال أحمد الزين بعد استفسار : «ما هي المعجزة كيف تتم وما هوالهدف منها الخ« وعلم الله سبحانه وتعالى وكلمات الله هي القوانين الحقيقية في هذه الدنيا القوانين الثابتة التي تتغير. فكلمات الله هي القوانين الأزلية.. ومن هنا فإن كل شيء... بقانون.. كل شيء في هذا العالم له قانون.. الخلق له قانون.. والحياة لها قانون والريح لها قانون والشمس لها قانون والقمر والكواكب. وكل شيء خلقه الله له قوانين ثابتة بعضها نعرفه وبعضها لا نعرفه. وبعضها نعرف أجزاء منه وبعضها لا نعرف شيئا عنه، كل شيء يخرج عن علم القادر إلى علم غير القادر بكلمة «كن» ما الذي يحدث عندما تقع المعجزة؟ الذي يحدث أنه في هذه الحالة أن الله يطلع نبيه على هذا القانون.. يعطيه له بكلمة «كن» وفي هذه اللحظة يتلاشى حاجز الزمن الموجود ويطلع النبي على أسرار يحجبها الزمن وتحجبها الحياة نفسها هذا الحاجز تماما بكلمة «كن» وبعد هذا الذي يشبه الاستدراج للقارئ وعرض خاطف لقصة الإسراء والمعراج لسبب سيأتي يخلص الكاتب إلى القول أن الله سبحانه وتعالى قد يعطي البشرية من العلم.. من علمه ما نعرف به سر قوانین کل المعجزات التي حدثت ولكنه لن يعطيها قانون الصعود بالجسد إلى العرش إلى السموات العليا. إلى العرش، لن يعطيه لها إلا في الآخرة، إلا بعد نهاية هذا العالم كله وهذا العالم له نهاية. إلى أن ينهي مقالته بالقول «المهم أن خاتم النبيين قد أعطي نهاية معجزات الأرض وآخر القوانين التي قد يصل إليها الإنسان إلا في الآخرة، هذه بعض الإسراء والمعراج والله أعلم» (الأخبار 3-1-1975) والنقاط في المقال هي لكاتبه. وكانت قد سبقت الأخبار بالفكرة جريدة الجمهورية القاهرية أيضا، في جدل حول الإسراء والمعراج في ذكراه الأخيرة السابقة، فتحت عنوان »حول الإسراء والمعراج» يقول عبد المنعم السباعي بعبارة أكثر وضوحا: علم الله أن رحلة الإسراء والمعراج ومعجزات الرسل تبدو لنا كما لو كانت خوارق الحقائق الكون الثابتة، ولكن بالنسبة لما نعرفه فقط هذه الحقائق والمقطوع به أننا لا نعرف منها إلا النزر القليل جدا والمقطوع به أيضا أن هذه الظواهر التي يتخيلها الشيخ الشعراوي (وهو أحد الفرقاء في المناقشة: ع. ص.) خوارق لحقائق الكون كان وجودها سابقا في علم الله ومن غير المقبول عقلا أن يكون لها وجود سابق عند الله ولا يكون لها قانون يحكم مسيرتها!. (الجمهورية 16-8-1974) ونحن لا يعنينا أن يكون كل من الكاتبين صحفيا أو متخصصا وما لنا من حق أن نحجر على العقول. كما أنه ليس مما يهمنا كذلك من حيث المبدأ احتمال أن تشكل الفكرة الشاذة هذه عن المعجزة ما يشبه الارتداد على الأخص في عبارة أحمد الزين: إن الله سبحانه وتعالى قد يعطي البشرية من العلم. ما تعرف به سر قوانین کل المعجزات التي حدثت. فمثل هذا الافتراض لا يقف عند حدود القدح بالإعجاز وحسب، بل يبطل أن يكون له معنى فيما لو غدا شائعا على الصورة التي ذهب إليها خيال الكاتب حتى ينتفي هدف الحكمة الإلهية التي خصت الرسل المكرمين بخرق العادات ولا يبقى للمعجزة من دلالة ولا يشفع للكاتب استثناؤه الصعود إلى العرش من سائر المعجزات الأخرى، ناهيك بما في دعواه «أن الله سيعطـــــــــي البشرية علم الصعود إلى العرش في الآخرة» من تهافت، أقول لا يعنينا ذلك كله لأن الله تعالى سبق له أن ترك الخيار لعباده: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ﴾ (الكهف:29) ولكن المهم في الأمر البدعة من الرأي فيما يخص المعجزة وأن من اختار لنفسه الكفر، فليس له أن يدعو إليه، ويسمم العقول به. ●ويعلم من عنده أدنى إلمام بالمعارف الشرعية الإسلامية أن المعجزة تمثل إحدى كبريات الدعائم التي يرتكز عليها إثبات رسالات الأنبياء المبعوثين من قبل الله تعالى، وأن الإعجاز كان الآية حسب التعبير القرآني، أي الشاهد الدال الذي يجريه الله تعالى على يد رسله لمواجهة تحديات المعاندين الذين كانوا يستكبرون عن الاستجابة ويعلقون متابعتهم لهم عنادا غالبا على أن يؤيدوا من الله بأعجوبة يعجز البشر عن أن يأتوا بمثلها ومعلوم أيضا أن السلف والخلف من علماء المسلمين رحمهم الله تعالى على مختلف اختصاصاتهم فسروا المعجزة أنها «خرق للعادة» يجري على يد النبي وأن معنى خرق العادة هو إبطال السنن الكونية المعتادة من أمثال سلب خاصية الإحراق وقلب العصا حية وأمثال ذلك من المعجزات المعروفة والمروية في القرآن الكريم كتاب الله تعالى. ومن المعروف كذلك أن السنن الكونية التي تخرق بالمعجزة هي ذاتها ما يسميه العلماء بالمفهوم الشائع اليوم «قوانين الطبيعة» مادية كانت أو غير مادية، هذا ولم نعلم أن أحدا من علماء السلف القدامى منهم أو المتأخرين خرج عن المدلول المجمع عليه للمعجزة والذي يتلخص بأنه خرق العادة، وأن خرق العادة يعني أن يأتي ما يجري على يد الرسول لا على وفق القوانين الطبيعية بل نقضها وإبطالها، وأن المسلمين قاطبة قد وقفوا عند هذا الحد، بصدد قضية المعجزة والإعجاز من الناحية هذه. ●غير أنه بعد اختلاط المفاهيم التي أثقلت بها الساحة الفكرية والتسمم الذي أصاب بعض العقول، وجهالة جمهرة من الذين نصبوا أنفسهم أو نصبوا قادة فكر للناس وتطفلوا بحشر آراء لهم في الشؤون الإسلامية انتمائهم إلى جماعة المسلمين وغير ذلك من العوامل، بسبب ذلك كله يشهد المسرح الكلامي آراء غريبة وشاذة بين الحين والآخر، على غرار المنقولات السابقة التي هي نماذج منها. وقد لا يكون لأمثال هؤلاء ممن تطلق عليهم ألقاب المثقفين أو المفكرين أو الصحفيين الخ قد لا يكون لهم من حوافز سوى أن تأتي كتاباتهم مثيرة للفضول وباعثة على القراءة أو مجرد تأدية عمل وظيفي غير أن أمثال هذه الآراء التي تنثر هنا وهناك ما لم تخضع للتحقيق والتحليل فإنها قد تكون مدمرة ومدعاة لفتح أبواب للتمادي في النشاز ولها من النتائج ما لا يستطيع تقديره سوى ندرة من المراقبين المختصين. ●وحسب أصول البحث فإن فكرة هؤلاء التي تلخص بأن المعجزة قانون يخرق قانونا وأن الله يطلع أنبياءه عليه وأن الله قد يعطي البشرية من العلم ما تعرف به سرها الخ. الفكرة هذه تشكل دعوى تتطلب الإثبات. والمصادر التي يمكن أن يلجأ إليها كمظان لإثباتها ثلاثة: الشرع والعقل والعلم. 1- أما فيما يتعلق بالشرع ونصوصه فمرفوض من حيث الأساس كل افتراض يزعم أن أيا من النصوص الشرعية الوحي من كتاب أو سنة قابل للدلالة على الفكرة. وذلك لأن القضية كانت محل مناقشات مستفيضة وأبحاث واسعة النطاق على مر العصور الإسلامية ولم يكن المسلمون يجهلون عناصرها بما فيها ما يسمى اليوم القوانين الطبيعية أو العلمية، والقوانين هذه ليست سوى ما ذكر الله عز وجل من تسميته له «سنن الله». وعليه فإن أي زعيم محدث ومبتدع يصطدم ويتعارض مع ما سبق وقرره السلف ولا يقره قرآن أو سنة فهو مرفوض جملة وتفصيلا ويعتبر منطويا على تجهيلهم بما كانوا هم أعلم به منا من فهم كلام الله تعالى وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم. 2 - وأما فيما يتعلق بالعقل فلعل أهم ما يلفت النظر من هذه الزاوية قول السباعي «ومن غير المقبول عقلا أن يكون لها (يقصد معجزات الرسل: ع. ص.) وجود سابق عند الله ولا يكون لها قانون يحكم مسيرتها» ويرتب الكاتب هنا ما يسمى في اصطلاح علم المنطق تلازما بين سبق علم الله بالمعجزات وبين أن تخضع لقوانين، وعبارته توحد بحتمية هذا التلازم حيث اعتبر انتفاءه من غير المقبول عقلا. والتلازم المزعوم لا سبيل إلى إثباته ما لم يمتنع الانفكاك بين الأمرين، وعليه فإن طريقة نقضه تتم بعرض احتمال مقابل يمكن صياغته على الوجه الآتي: ما هو المانع المنطقي أن تأتي المعجزة كحادثة مستقلة مبطلة للسنة المعتادة من غير أن تخضع لأي قانون، بل تنفرد بطبيعتها وهويتها، وهو عين ما قرره علماء التوحيد قاطبة؟ نحن نستطيع أن نفهم أنه من الممتنع عقلا وشرعا أن يصدر شيء عن الله عبثا وأن من المحال أن يحدث شيء من مجريات الأحداث الكونية خلاف معلوم الله والتلازم هنا بين علم الله الأزلي وظهور مقتضاه إلى الحيز الواقعي واضح ولكن شتان بين هذا التلازم والتلازم المدعى والذي لم يتجاوز كلام كل من الكاتبين حدود الادعاء بصدده. غير أن من يسبر غور القضية ويتأمل فيها من خلال الآراء والمذهبيات الكلامية يجد أن كلا من الأصل المقرر والموروث بشأن المعجزة، والمبتدع، هو من إفراز اتجاه عقائدي مخالف للآخر فبينما بنى علماء التوحيد وسواهم تفسيرهم للمعجزة على أنها خرق للعادة بنوا رأيهم هذا على معطيات واقعية (شذوذ كل معجزة عن القوانين الطبيعية) وعقلية وشرعية في الأساس (لارتكازها على صفات الله تعالى القدرة والإرادة منها على وجه الخصوص) وإن الله تعالى هو فاعل بالاختيار وهــــــو بالتالي خالق للقوانين الكونية وله أن يعطلها حسبما شاء بموجب قوانين أو أن يخص رسله بتعطيل خاص وعارض لها دون أن يحدث ذلك عشوائيا بل بحكمة يعلمها الله، أقول: بينما تستند النظرة الإسلامية إلى هذا الأصل، نرى فكرة «قانونية المعجزات» تحمل ملامح الرؤية الفلسفية التي تعتمد على العلية والحتمية التي يعتنقها الفلاسفة وسبق للمعتزلة أن نزعوا إليها بعض الشيء في أمثال نظرياتهم من وجوب الصلاح والأصلح على الله تعالى، وترتب الثواب والعقاب على العمل ترتبا ضروريا وما أشبه ذلك مع العلم بأننا لم نجد أن أيا من المعتزلة خالف جماعة المسلمين بصدد المعجزة من الناحية موضوع البحث. إن النظرية المزعومة بشأن المعجزة بشعبها تنطق بصورة واضحة بامتناع أن ينقض قانون طبيعي من قبل الله ما لم يخضع مثل هذا النقض لقانون والفرضية هذه تقيد بشكل سافر قدرة اللــــــه تعالى وتضع حجرا على إرادته، وتجتذب الأذهان بصورة شعورية أو دون شعور لتوهم أن الله يتعين عليه أن يكون أسيرا لقوانين! وهذا منزلق خطير نحو المادية. وقصارى القول إن أدنى ما يعترض به على الفكرة المزعومة هو أنها غير لازمة عقلا ولا برهان عليها شرعا وهي مجرد فرضية مدعاة المسلمون في غنى عن الخوض فـــــــــي جدل لا طائل وراءه حولها. 3- وأما علميا، فليس مما يغرب عن البال أن الفكرة هذه متأثر أصحابها إلى حد بعيد بالعقلية العلمانية التي غدت تهيمن على الكثير من العقول حتى غدا يشق على البعض التصديق بشيء لا يخضع لقوانين وهذا أحد منافذ توهم إنكار الغيوب، حتى إذا اعترت الخشية البعض أن يجرؤوا على التصريح بجحودهـا يلتمسون التعليلات والتفسيرات الشاذة حتى يمكن القول بأن أمثال هذه الآراء غالبا ما تصدر عن أناس يعانون تأزمات نفسية (سيكولوجية) من جراء مشقة التصديق بالغيوب وبالمعجزات . ولا يعذر هؤلاء بالانبهار بالمنجزات العلمية التي لعبت دورها في خلق هذا النمط من التفكير إذ أي من تلك المنجزات كالصعود إلى القمر وغزو الكواكب أو زراعة الأعضاء أو حتى ما لم نعلم من مبتكرات العلم لم يخرق عادة، بل لا تزال سنن الله تستعصي على طموحات العلماء وتقف باستثناء ما يذلله الله للإنسان منها سدودا منيعة في وجه المزيد من تحقيق المغامرات. ولكن ما مدى صلة قضية المعجزات بالعلم وقوانينه؟ من المعروف أن العلم يبحث في الظواهر الطبيعية فهي مادته يكتشف قوانينها في إطار معطيات محددة ولا يتجاوز اختصاص العلم وصلاحية العلماء ذلك وعليه فإن المعجزة التي هي «خرق» للقوانين المعروفة عند العلماء لا تدخل في إطار ملاحظاتهم أو اختباراتهم بحال، ضرورة أنها ليست بمتناول أيديهم، فباب النبوة قـــــــد أغلق، والمعجزات المادية دخلت التاريخ ولم يبق من المعجزات سوى القرآن الكريم المعجزة المعنوية. وباختصار ليس للعلم أن يثبت أو ينفي المعجزة، فضلا عن أن يقرر قانونيتها. بل الأقرب إلى المتعقل أن يعتبرها خارجة عن القوانين الطبيعية فيما لو شوهدت من مختبرات علمية مختصة ولو تسنى لعلماء أن يتفحصوها لقطعوا بأنها ظواهر حقيقية ثابتة ولكنها شاذة عن السنن المعتادة سيما وأن لكل منها مواصفات خاصة الأمر الذي لا يتفق مع مبدأ القانونية الذي يتوجب علميا أن تكون له صفة شمولية حسبما تقرره المنهجية العلمية وإذا كانت عصور المعجزات لم يكن أهلها يمتلكون وسائل الاختبار الحديثة. غير أن التحقيق منها قد ثبت بالمشاهدة العينية الوسيلة الأولية والأساسية في دراسة الظواهر وتم ذلك من قبل الذين عايشوها ونقل بالتواتر عبر الأجيال والعصور حتى جاء القرآن الكريم مصدقا لها. وقصارى القول: إن الله عز وجل قد أمرنا أن نقف عند حدود المتيقن على الأخص في الشؤون العقائدية. ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ ●وكلمة ختامية: إن البحوث العقائدية لا تقبل المجاملة وإذا كان يسوغ لنا أن نعتبر ما يثار من مشکلات ظاهرة صحة فذلك حين يطرح على صورة تساؤلات يسمح بالرد عليها، ونشر الردود في الصحف ذاتها التي تطرح أمثال هذه القضايا على صعيد التناظر وليس كسموم تلوث المناخات الفكرية والعقائدية، ثم تكون كل محاولة لإحقاق الحق. وكشف الاشتباه.. ممنوعة، والله الهادي سواء السبيل
الرابط المختصر :