; تفسير حركة التاريخ الإسلامي: الواقع والأفق | مجلة المجتمع

العنوان تفسير حركة التاريخ الإسلامي: الواقع والأفق

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1281

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

 نظرية «العصبية» التي طرحها ابن خلدون لا تكفي وحدها في تفسير نشوء الدول وخاصة في المشرق لماذا؟

ليس من شك في أن تفسير حركة التاريخ الإسلامي صعودًا وهبوطًا، ضعفًا وقوة أمر حيوي للأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها؛ لأنه يعينها على تشخيص واقعها من جهة، ويساعدها في معالجة بعض الأمراض التي تعاني منها من جهة ثانية، ويبين لها بعض أولويات العلاج من جهة ثالثة.

وربما كان كلام ابن خلدون عن العصبية ودورها في نشوء الدول وسقوطها ضمن الخلافة الإسلامية، وكلامه عن عمر الدولة ذي الأجيال الثلاثة أبرز ما قيل في القديم عن تفسير جانب من حركة التاريخ الإسلامي، حيث تفحص ابن خلدون وقائع عصره واكتوى بنارها في بعض الأحيان، مما جعل أحكامه نتيجة معاينة ومعايشة.

ولقد ازدهرت الدراسات التي تفسر التاريخ وتعلل حركته في العصر الحديث، وكان أشهرها دراسات هيجل وماركس وتوينبي وشبنجلر وسوروكين، وقد وضع كل منهم نظرية خاصة به، وأبرز كل منهم عوامل دون أخرى في تصعيد نظريته الحضارية، فأبرز ماركس العوامل الاقتصادية، وأبرز توينبي العقبات التي تتحدى الشعوب، وقد طبق بعض الدارسين العرب النظرية الماركسية على تاريخنا الإسلامي، وكان في ذلك ظلم كبير لتاريخنا ولي لأعناق كثير من حقائقه، ويبرز سؤال في هذا المجال هو ما الاتجاهات التي حكمت الدراسات التي فسرت تاريخنا الإسلامي وعللت حركته بعيدًا عن تطبيق النظريات الغربية عليه؟ حيث نجد أن اتجاهين حكما هذه الدراسات على قلتها:

الاتجاه الأول: تفسير التاريخ الإسلامي بالاعتماد على مصادر الإسلام وحده.

دراستان مهمتان

صدرت دراسات معدودة تعتمد على القرآن والحديث في تفسير التاريخ الإسلامي وأبرزها: دراستان لأبي الأعلى المودودي والدكتور عماد الدين خليل، الأولى: «الخلافة والملك» (۱) اعتمدت على الحديث الشريف والثانية: «التفسير الإسلامي للتاريخ» اعتمدت على القرآن الكريم وسأتناول الثانية مستعرضًا لها كنموذج لهذه الدراسات ثم اتبعها بتقويم سريع وضح الدكتور عماد الدين خليل في الفصل الأول (۲) من دراسته ثلاثة تفسيرات للتاريخ الثلاثة من المؤلفين هم: هيجل وماركس وتوينبي وأتبع ذلك بنقدها، ثم أشار في الفصل الثاني (۳) الذي أعطاه عنوان الواقعة التاريخية إلى مزج القرآن الكريم بين الأسلوب الأخاذ والمضمون الحقيقي في كل القصص التي يعرضها، ثم استعرض قصة خلق آدم التي وردت في أول سورة البقرة، ثم قدم فهرسًا بقصص الأنبياء التي وردت في القرآن الكريم.

وبيّن الهدف من ورود القصص القرآني وهو إثارة الفكر البشري ودفعه إلى التساؤل الدائم والبحث الدائب عن الحق وإزاحة ستار الغفلة والنسيان من نفس الإنسان، ثم تحدث الكاتب عن طبيعة العلاقة بين الإنسان وعملية تكوين الحدث التاريخي فأبرز إشارة القرآن الكريم إلى الدور الكبير لكل من الفرد والجماعة على السواء في صناعة الحدث التاريخي، وعرج إلى التفسيرين الهيجلي المثالي والماركسي المادي فبيّن أن الفرد لا أثر له ولا وزن في هذين التفسيرين؛ إذ إن العقل الكلي المثالي هو الذي يحرك الأحداث، وكذلك إن وسائل الإنتاج المادية هي التي تخلق الوقائع والفرد في الحالين منفعل ومتأثر، وقد سعى توينبي إلى تعديل هذه الصيغة المتطرفة ومنح القلة القيادية المبدعة دورًا كبيرًا في صياغة الأحداث اعتمادًا على اتباع الأكثريات ومحاكاتها للقلة المبدعة لكن توينبي ما يلبث أن يطعم نظريته بقيم مسيحية تمنح الإنسان والجماعة يقينًا غير مسؤول بنظرية الخطيئة والخلاص وتجرد الفرد بشكل أو بآخر من مسؤوليته الكاملة في صياغة مصيره. 

أما القرآن فإنه يعطي الدور لطرفي المسألة ويعلق المسؤولية الكاملة على الفرد والجماعة يقول تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: ١٣- ١٤)، ويقول تعالى أيضًا ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (البقرة: 141).

ثم ينتقل الكاتب إلى الحديث عن المسألة الحضارية، فيبين أن خلق الكون وتهيئته ليكون مسخرًا للإنسان إنما كان القصد من ذلك أن يكون الهدف الأسمى من وجود الإنسان هو عبادة الله تعالى، وليس مفهوم العبادة في الإسلام أداء الشعائر أو الاتصال الروحي فقط ولكنه يشمل كل أنشطة الإنسان في كل مجال وتصبح هذه الأعمال عبادة عندما يقصد بها وجه الله، وعندما يقوم المسلم بعبادته تلك يكون منسجمًا مع الكون الذي يعبد الله تعالي كذلك قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (الرعد: 15) وانطلاقًا من هذا الطرح القرآني تنتفي قضية العبث التي تعاني منها الحضارات الأخرى.

ثم يبين الكاتب أن الجماعة المؤمنة تمارس خلافتها في الأرض من خلال إرادة الإنسان وتفوقه النوعي على الكائنات، وقدراته على التصور والتخيل والتخطيط والتنفيذ التي منحه الله إياها، وقدرات أخرى على مستوى العقل والروح والعاطفة والوجدان والجسد، وقد جاء العالم -في المقابل- تحديًا مناسبًا للإنسان ليس معجزًا ولا هو دون الحد المطلوب لإثارة التوتر البشري «حسب رؤية توينبي في مسألة النمو الحضاري»، وقد أشار القرآن الكريم إلى تسخير الكون وهو الحد الوسط الذي يتجاوز التكشف الكامل أو الانغلاق الكامل اللذين يستحيل معهما الفعل الإنساني، ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (لقمان: 20).

موقف ماركس

ويتحدث الكاتب عن سقوط الدول والحضارات فيشير إلى موقف ماركس الذي يقوم على تبدل الأوضاع التاريخية بمجرد تبدل وسائل الإنتاج، ثم ما يلبث أن يقع ماركس في خطأ فادح متناقض مع نظريته عندما يقرر ثبات ودوام حكم طبقة البروليتاريا حيث لا زوال بعدها ويشير إلى تشابه موقف ماركس مع هيجل الذي ينتهي بحركة العالم إلى السكون وعدم التغير بمجرد بلوغها مرحلة تجلي المتوحد، أما شبنجلر وتوينبي فيشيران إلى حتمية السقوط لكن بينما يغرق شبنجلر في تشاؤمه نجد توينبي يعطي أملًا في بقاء الحضارة الغربية عند تطعيمها بالأديان السماوية الأخرى.

إن القرآن الكريم يقرر في مقابل الطروحات السابقة سنة التداول قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: 140) والقرآن يطرح فكرة التداول من أجل تمحيص الجماعات البشرية، وخلق التحديات المستمرة أمام المنتمين إلى هذا المذهب أو ذاك، وفي صدد تحمل المسؤولية نجد القرآن الكريم يرمي المسؤولية على القيادات والقواعد على السواء، قال تعالى:  ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 67- 68).

  1. اعتمد الكاتب في عرضه للواقعة التاريخية والمسألة الحضارية وسقوط الحضارات على القرآن الكريم وحده وعلى مقارنات أجراها مع كل من التفسير المثالي أو التفسير المادي لماركس أو تفسير توينبي، لذلك بقيت القواعد التي استخلصها عامة ومرتبطة بجميع الأمم. 
  2. أثبت الكاتب غنى النظرة القرآنية في تكوين الأمم وصعودها وسقوطها، وأنها أكثر صدقًا وقربًا من الواقع والحقيقة من بعض الدراسات الحضارية الشائعة.
  3. لم يتعرض الكاتب لوقائع التاريخ الإسلامي أثناء دراسته، وكان يمكن أن تكون ثمرتها أغنى لو أنه زاوج بين هذه النتائج العامة التي توصل إليها من خلال تفحصه لآيات القرآن الكريم وبين وقائع التاريخ الإسلامي وأحداثه فيقوده ذلك إلى استخلاص بعض القوانين والملامح الخاصة التي حكمت مسار أمتنا والتي تفردت بها.
  4. قامت تفسيرات هيجل وماركس وتوينبي للتاريخ بدور المحرض للكاتب من أجل استكشاف نظرية الإسلام في تفسير التاريخ وكانت هي الخلفية التي اعتمد عليها في استنباط بعض قواعد التفسير الإسلامي للتاريخ، وكان يمكن أن يكون الموقف أجدى لو أنه تمثلها واستبطنها ثم نظر إلى وقائع التاريخ الإسلامي على ضوء أهداف الإسلام.

 الاتجاه الثاني: تفسير ظاهرة من ظواهر التاريخ الإسلامي

 سأستعرض ثلاث ظواهر من أجل توضيح الاتجاه الثاني في تفسير التاريخ الإسلامي هي: 

  1. قيادة العلماء ودورها في الأمة: أشار بعض الباحثين ومنهم أبو الأعلى المودودي (٤) إلى أن قيادة الخلفاء الراشدين للأمة كانت دينية وسياسية في الوقت نفسه، وقد اجتمع في شخص الخليفة الأمران، لكنها انقسمت بعد ذلك منذ الخلافة الأموية فأصبح هناك قيادتان سياسية يمثلها الأمراء ودينية يمثلها العلماء والفقهاء، وعلل المودودي بروز القيادتين بالفتنة التي وقعت في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن الحقيقة أن الفتنة لا تكفي وحدها لتعليل نشوء القيادتين، ويمكن أن نجد التفسير الحقيقي لبروز قيادة العلماء في حض القرآن الكريم والأحاديث الشريفة على العلم وفي تقديرهما للعلماء وفي إشادتهما بالتفقه والتفكر، وفي إعطائهما الأجر العظيم لمن يتوجه إلى التعلم والتفقه والتفكر، ولولا هذا الحض والتقدير والإشادة لما انبثقت في تاريخنا قيادة العلماء، وقد كانت هذه القيادة ذات أثر ونفوذ في المجتمع الإسلامي.

وقد ترتب على وجود قيادة العلماء الفاعلة في الأمة:

توسيع الجانب المدني في المجتمع الإسلامي والتخفيف من سطوة الدولة (٥)، وبخاصة إذا علمنا أن أوقافًا واسعة كانت مرتبطة بقيادة العلماء غطت جوانب اجتماعية وثقافية واقتصادية وعلمية وجهادية... إلخ، كما ارتبط سقوط بعض الدول بضعف فاعلية قيادة العلماء ونجد أن ذلك أوضح ما يكون في الخلافة العثمانية التي ضعف شأن العلم والعلماء في عهدها الأخير.

  1. قيام الدول وسقوطها: إن نظرية العصبية التي طرحها ابن خلدون لا تكفي وحدها في تفسير نشوء وقيام كثير من الدول وبالذات في المشرق العربي وبعض دول المغرب العربي مثل: الدولة الزنكية، والأيوبية، ودولة المماليك ودولة الغزنويين، والمرابطين والموحدين والعثمانيين... إلخ. 

ويمكن أن نفسر قيامها بإضافة عاملين آخرين إلى العصبية هما:

  1. مدح الجهاد والمجاهدين في القرآن والأحاديث الشريفة وإعلاء مرتبتهم وإجزال مثوبتهم.
  2. وجود دواع قتالية محيطة بالأمة سواء للدفاع عنها أو لدرء أخطار متوقعة عليها، أو لتوسيع رقعة دار الإسلام وإدخال شعوب جديدة في عداد المسلمين.

فالدولة الزنكية قامت ورسخت وجودها عندما نجحت في مواجهة الصليبيين بعد معركة الرها التي انتزع فيها عماد الدين الزنكي قلعة الرها من الصليبيين عام ١١٤٤م، ثم جاء نور الدین محمود ووسع رقعة دولتهم حتى حوت بلاد الشام ومصر، واستمرت رافعة راية الجهاد في مواجهة الصليبيين، ثم أكملت الدولة الأيوبية مهمة الدولة الزنكية، وكذلك جاء المماليك ليقضوا نهائيًّا على الوجود الصليبي في بلاد الشام وقبرص، وليواجهوا هجوم التتر الجدد الذي تداخل مع هجوم الصليبيين.

كذلك قامت الدولة العثمانية وترسخت عندما وسعت حدود الإسلام في الأرض الأوروبية وعندما فتحت القسطنطينية عام ١٤٥٣م، وكذلك ترسخت دولة الغزنويين عندما فتحت قسمًا من بلاد الهند.

  1. الاقتصاد: يذكر مكسيم رودنسون في كتابه الإسلام والرأسمالية، تنوع بنية النظام الاقتصادي الذي يستند إليه المجتمع الإسلامي في العصر الوسيط ويبين أنه لا طائل من تصنيفه تحت لون واحد مما هو شائع ومعروف (٦).

ثم ينتقل رودنسون إلى الحديث عن الرأسمالية فيذكر أن العامل الرئيسي في تكوين الرأسمالية هو تشكل قطاع رأسمالي، ويستعرض تاريخنا فيؤكد أن مجتمعنا الإسلامي عرف في الماضي مثل هذا القطاع، ويطرح على ضوء ذلك سؤالًا هو: لماذا لم يعرف المجتمع الإسلامي الرأسمالية طالما أنه عرف القطاع الرأسمالي الممهد لها؟

يرد رودنسون بعد ذلك على «ويبر» الذي يعيد نشوء الرأسمالية في الحضارة الغربية إلى عقلانية الأوروبي، وبالمقابل يعيد عدم نشوئها في الحضارات الأخرى إلى عدم عقلانيتها، يرد رودنسون على هذه النظرية بحجج طويلة يثبت فيها خطل رأي ويبر، ويثبت عقلانية الدين الإسلامي بل ورسوخ هذه العقلانية.

أین نجد تعليل عدم قيام الرأسمالية مع معرفة المجتمع الإسلامي للقطاع الرأسمالي الذي يعتبر شرطًا لقيام الرأسمالية؟ نجد تعليل ذلك في أوامر الإسلام وفي تشريعاته التي تحرم الربا الذي هو عنصر رئيسي في قيام الرأسمالية ونجاحها، وفي تشريعات الميراث التي تفتت الثروة، وفي تشريعات الزكاة التي تقتطع نسبة معينة من مجموع المال المتداول.

هذه هي الاتجاهات التي حكمت تفسير حركة التاريخ الإسلامي، وهي كما رأينا بين اعتماد على مصادر الإسلام وحده وبين تناول لظواهر مجزأة، ولكن تبقى الحاجة ماسة وملحة إلى تفسير شامل لحركة تاريخ أمتنا من أجل الاستفادة منه في بناء الحاضر والمستقبل.

الهوامش:

(١) انظر تفصيلًا لدراسته «الخلافة والملك» في كتابي «أبو الأعلى المودودي: فكره ومنهجه في التغيير»، ص ١٥٠ وما بعدها. 

(۲) الدكتور عماد الدين خليل، التفسير الإسلامي للتاريخ، ص ۲۱.

(۳) المرجع السابق، ص ٩٥.

(٤) أبو الأعلى المودودي الخلافة والملك، ص ١٣٦.

(٥) إن بعض الكتاب الذين تحدثوا عن تغول الدولة الإسلامية ومنهم الدكتور برهان غليون لم ينظر إلى الملامح المتفردة للدولة الإسلامية وإلى بعض القوانين التي حكمت مسارها.

(٦) مکسیم رودنسون الإسلام والرأسمالية، ترجمة نزيه الحكيم ص ۱۱۷.

الرابط المختصر :