; تقسيم غير المسلمين للتاريخ | مجلة المجتمع

العنوان تقسيم غير المسلمين للتاريخ

الكاتب المستشار سالم البهنساوي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-2000

مشاهدات 55

نشر في العدد 1404

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 13-يونيو-2000

وضعت أوروبا تقسيمًا للتاريخ الإنساني يتفق مع ظروفها ووجهة تطورها، كما وضعت روسيا الشيوعية تقسيمًا ماركسيًا للتاريخ يخدم مذهبها.

 أولًا: التقسيم الأوروبي: إن التقسيم المتعارف عليه لتاريخ العالم الآن تقسيم أوروبي يرتبط ارتباطًا كبيرًا بموقف أوروبا من الكنيسة وبظروف أوروبا نفسها. 

فهذا التاريخ ينقسم إلى ثلاثة عصور هي: 

أ- التاريخ القديم: ويبدأ من خلق آدم وحتى سقوط روما سنة ٤٧٦م في أيدي القوط الغربيين.

 ب- تاريخ القرون الوسطى: ويبدأ من سقوط روما سنة ٤٧٦م في يد القوط إلى سقوط القسطنطينية سنة ١٤٥٣م على يد السلطان محمد الثاني.

 ج- التاريخ الحديث: ويبدأ من سقوط القسطنطينية سنة ١٤٥٣م حتى اليوم. 

وأخطاء هذا التقسيم هي:

أ- أنه تقسيم خاص بأوروبا فقط فالدولة الرومانية الغربية كانت قمة التنظيم الإمبراطوري في نظر مؤرخي أوروبا، فسقوطها عندهم نهاية لعالم المجد الإمبراطوري والحضاري في الفنون والعمائر والقوة والسيادة.

 ب- أن اصطلاح القرون الوسطى أصبح يعني في نظرهم فترة الظلام والجهل لسيادة الكنيسة وسيطرتها على أوروبا.

فمنذ سقوط روما سنة ٤٧٦م أو قبل ذلك بقليل، بدأ نفوذ الكنيسة يظهر في أوروبا، ثم أخذت الكنيسة تفرض نفسها شيئًا فشيئًا، وتتدخل في شؤون البلاد والدول واستغلت إقبال الشعوب على الدين في هذه الفترة التي انتشر فيها الجهل في أوروبا، وأقبل الناس على قصص الخوارق والأساطير الدينية حتى ابتدع البابوات صكوكالغفران، وبموجبها يزعم رجال الدين محوهم ذنوب من أسر إليهم بذنوبه، وقد كانت هذه الصكوك تباع وتشترى، كما ابتدعوا صكوك الحرمان، وهي قرارات كان يصدرها البابا ضد الخارجين عليه بحرمانهم من رحمة الله ومن الجنة، وكان مجرد صدور مثل هذا القرار يسلب من الأمراء وكبار الحكام ولاء الناس؛ ثم أصبح في كل بلد أملاك خاصة وضريبة معلومة على الأفراد حتى أثرى كبار رجال الكنيسة، فضلًا عن ذلك، فإن المناصب الكبرى في الكنيسة كانت قاصرة في كل بلد على أمراء الإقطاع، وهؤلاء ساموا الناس سوء العذاب والهوان حتى اقترن الظلم فيما بعد بالنظام الكنسي، ولهذا كان من الإجراءات الأولى في تاريخ الثورة الفرنسية إلغاء امتيازات الكنيسة ومصادرة أملاكها التي بلغت في ذلك الوقت خمس الأراضي الزراعية في فرنسا كلها، وظهرت محاكم التفتيش والحجر على التفكير العلمي وإعدام العلماء بتهمة ممارسة السحر الأسود. 

واستمر سلطان الكنيسة على هذا المنوال حتى ظهرت حركة النهضة في أوروبا، ونادى المفكرون والعلماء ورجال النهضة بالتحرر من سلطان الكنيسة، لهذا سمى فلاسفة التاريخ وعلماؤه هذه الفترة باسم القرون المظلمة المرادفة لكلمة القرون الوسطى. وتعميم هذا المفهوم على العالم أجمع ودمغ هذه الفترة في العالم بالظلام والجمود والتأخر - لأن أوروبا كانت متأخرة ومظلمة وجامدة- أمر غير مقبول وخطأ فاحش، وقع فيه كل من أخذ بهذا التقسيم ولقنه لطلابنا .. ففي هذه الفترة ظهر الإسلام وأبطل المظالم والخرافات الدينية كما هو معلوم للجميع. قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة:15-16).

والواقع والتاريخ يشهد بخطأ هذا التقسيم، وأن الجانب الآخر من الدنيا في بغداد والقاهرة وقرطبة ودمشق وغيرها من عواصم العالم الإسلامي كانت خلال القرن السابع الميلادي ومابعده تزخر بالعلوم والآداب والفكر الإنساني في المساجد والمدارس والجامعات، ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة في أوروبا تحرم من التعليم لأنها رسول الشيطان في نظر الكنيسة، كانت المرأة المسلمة تتعلم كما يتعلم غيرها أصول الدين والفقه والقرآن والحديث، وفي الوقت الذي أصدرت فيه الكنيسة أوامرها بحرق العلماء الذين بحثوا في الفلك والجغرافيا والعلوم التجريبية كان المسلمون قد اخترعوا البوصلة والاصطرلاب ورسموا خريطة العالم وابتدعوا علم الجبر وألفوا في الطب والهندسة والتاريخ والجغرافيا وشرحوا فلسفة الإغريق ونقدوا علومهم، وكان المسلم الذي يرحل في طلب العلم، أو العالم الذي يرحل من بلد إلى آخر يجد الحفاوة الكاملة ويستقبل رسميًا وشعبيًا في احتفال يحضره الخلفاء والأمراء، وهذا أبو علي القالي صاحب كتاب الأمالي، رحل من الشرق إلى أرض الأندلس، فوصف المؤرخون كيف استقبل في الأندلس استقبالًا رسميًا وشعبيًا إكرامًا لعلمة وأدبه، فإذا كانت هذه القرون هي قرون الظلام، فقد كان ظلام الكنيسة وظلام المجتمع الأوروبي، وليس ظلام العالم كله.

 إن اعتبار سنة ١٤٥٣م بداية لنهضة العالم الحديث وختامًا للقرون الوسطى هو محل نظرأيضًا لأنه خاص بانتهاء عصر سيطرة الكنيسة الغربية ثم سقوط بيزنطة سنة ١٤٥٣م إشارة إلى سقوط الكنيسة الشرقية على أيدي المسلمين وترتب على هذا السقوط بدء البعث العلمي الحديث في أوروبا، وبذلك تكون نهاية العصور الوسطى أي نهاية الظلام هو سقوط الكنيسة الحديث كان ثمرة انتهاء سلطان الكنيسة.

والمسألة بوضوح لا تعني العالم كله، ولا يمكن تعميم أحكام خاصة بأوروبا كان الشرق الإسلامي بريئًا منها، بل إن بعض فلاسفة التاريخ المحدثون ناقش هذه النظرية وأنكر جدواها بالنسبة للتفسير العلمي، كما في كتاب : علم التاريخ لهرنشو وفلسفة التاريخ لجوستاف لوبون.

 ثانيًا- التقسيم الماركسي: وطبقًا للنزعة الماركسية التي تجعل المحرك الأساسي للتاريخ هو العامل الاقتصادي، فإن هذا الفكر المادي يقسم التاريخ إلى مراحل خمسة:

أ- مرحلة الشيوعية البدائية.

 ب- العصر العبودي.

 ج- العصر الإقطاعي.

د- العصر الرأسمالي.

هـ- مرحلة الشيوعية العالمية.

حيث تختفي الحكومات ويتحول العالم - في نظر هذا الفكر - إلى أسرة عالمية واحدة من كل حسب قدرته ولكل حسب احتياجه. 

وهذا التقسيم يتسم بالتعسف من ناحية، وعدم العلمية من ناحية أخرى ذلك أنه نبع من نفس النهج الذي نبع منه التقسيم الأوروبي للتاريخ، حيث جعلوا مقاييس الحكم في أوروبا تنسحب على العالم كله، ويكفي أن أكثر من نصف العالم خاصة في الشرق الإسلامي لم يعرف عصر الإقطاع أو عصر الرأسمالية المحتكرة، كما أن الفكر الشيوعي ينتكس الآن على رأسه في روسيا وتوابعها.

 ثالثًا- التقسيم الإسلامي: أما الإسلام فقد جعل المقياس راجعًا لحركة العقيدة الربانية ومدى قرب الناس أو بعدهم عنها، ومن هنا نرى أن القرآن يعطينا المراحل الكبرى في التاريخ لحركة العقيدة التي قادها أولو العزم من الرسل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. قال ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى:١٣). ثم يفصل الرسول rهذه المراحل الكبرى في التاريخ، حيث أخرج أحمد في مسنده، إن الرسول rقال: « تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاصفًا فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبريًا ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ... ثم سكت»... (أخرج أحمد (18406)، والبزار (2796) باختلاف يسير، والطيالسي (438) بنحوه مختصرا)

وفي رواية أخرى: «ثم تكون خلافة راشدة على منهاج النبوة تعم الأرض».

التقسيم الإسلامي للتاريخ إذن هو التقسيم الذي لم تتخلف فيه مرحلة واحدة، لأنه من لدن حكيم خبير.

الرابط المختصر :