; تقويم اللسان العدد (523) | مجلة المجتمع

العنوان تقويم اللسان العدد (523)

الكاتب الشيخ يونس حمدان

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1981

مشاهدات 55

نشر في العدد 523

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 07-أبريل-1981

 

 

الشيخ يونس حمدان 

 

ثمة أخطاء تدور على ألسنة بعض المتحدثين وتجري بها أقلام بعض الكاتبين؛ منها قول بعضهم: «إن التكرع أمام الناس عادة مذمومة» ومع أننا نسلم بسوء هذه العادة، إلا أننا لا نسلم بصحة هذا التعبير، فإن استعمال التكرع بمعنى إخراج الصوت من الحلق لامتلاء العمدة خطأ، فإن للفعل تكرع معنى يباين استعمال بعض الناس لها في هذه المعاني.
 تكرع: توضأ فغسل أكارعه أي أطرافه، وأخذ الجزار الأكرع والأكارع، ومن أقوال العرب: «أعطى العبد كراعًا فطلب ذراعًا» وهي ما دون الكعب من الدابة وما دون الركبة من الإنسان وقال الشاعر: -

 

يا نفس لن تراعي          

 إذ قطعت كراعي

إن معي ذراعي

 

وفرس أكرع: دقيق القوائم، ويقال كرع في الماء إذا شرب بفيه، خاض فيه أو لم يخض، وهذا مكرع الدواب أي مشربها، لأن الدابة تدخل أكارعها في الماء، وفي الوادي كرع كثير وهو ماء السماء، لأنه يكرع فيه، فعل بمعنى مفعول قال ذو الرمة: -

 

بها العين والآرام لا عدّ عندها **  ولا كرّع إلا المغارات والرّبُلُ

 

ومن المجاز: نخل كارعات وكوارع، إذا شربت بعروقها، وقال النابغة:

 

ونسقي إذا ما شئت غير مُصرَّدٍ    **         بزوراء في أكنافها المسك كارعُ

 

وفي رواية أخرى ورد قوله بصهباء في حافاتها المسك كارعٍ وغير مصرد أي غير متقطع الشرب.

 

 وقوله في حافاتها المسك كارعٍ أي خائض فيها داخل. 

وحبس الكراع في سبيل الله أي وقف الخيل للجهاد في سبيل الله. قال الأصمعي «إذا سال أنف من الحرة، يريد ما استدق منا، فهو كراع» ومشى في كراع الطريق أي في طرفها، ونزا الجندب بكراعيه أي برجليه.

 

فأنت ترى من هذا أن كرع وتكرع لم تأتِ بمعنى الصوت الذي تخرجه المعدة، وإنما الصحيح الفصيح أن يستعمل للتعبير عن هذا معنى التجشؤ فتقول: إن التجشؤ أمام الناس عادة مذمومة، وبهذا جاء كلام العرب فمن أمثالهم «تجشأ لقمان من غير شبع» مثل فيمن يتحلى بغير ما هو فيه. وتقول: ما بك إلا الغداء والعشاء والكظة.

 

والجشاء والكظة امتلاء البطنة والتخمة من أقوالهم غلته البطنة وأخذته الكظة. ومن معاني جشأ تقول جشأت نفسه من شدة الفزع والغم أي ثارت وتحركت. قال الشاعر:

 

أقول لها إذا جشأت وجاشت  **  مكانك تحمدي أو تستريحي

 

‏ ولهذه الكلمة استعمالات مجازية أخرى تقول العرب: جشأت الأرض أي أخرجت جميع نباتها كما يقال: تجشأت الرياض برياها، وجشأت البلاد بأهلها أي لفظتهم، وجشأت علينا النعم: أي طرأت، وجشأ البحر بأمواجه.

 

‏وصفوة القول: إنك إذا أردت أن تعبر عن ذمك لعادة إخراج صوت المعدة من الفم قلت «إن التجشؤ عادة مذمومة» ولا يصح أن تقول «إن التكرع عادة مذمومة» فقد عرفت استعمال كلتا الكلمتين.

ومنها قولهم «تكتم الخبر» وهذا لا يصح، لأن فعل تكتم لم يأت متعديًّا بنفسه والصحيح أن يقال: «كتمت الأمر» 

 

قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (البقرة:159). 

 

وقال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:146).

 

وقال الشاعر: -

 

فلا تكتمن الله ما في نفوسكم    **   ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

 

يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر   **    ليوم الحساب أو يعجل فينقم

 

وكتم يتعدى بنفسه لفعل واحد وقد يتعدى لفعلين فتقول: «كتمته الأمر» وكتمته السر، ونقول: كتمته واستكتمته أمري، وهو كتام للأسرار، وكاتمته العداوة: ساترته.
 وهو ظُهَرَة وليس بكُتَمَة. 

ومن الاستعمالات المجازية في معنى هذه الكلمة: ناقة كتوم لا ترغو إذا ركبت، وقال الشاعر:

قَد تَبَطَّنتُ بِهِلواعَةٍ **

عُبرِ أَسفارٍ كَتومِ البُغام

 

يراد بالهلواع: الناقة السريعة.

 

والبغام: الصوت

 

وخلاصة القول: إنه لا يصح استعمال «تكتمت الأمر» لأن تكتم لا يتعدى بنفسه، وهو قليل الورود في لغة العرب، وإنما الفصيح الصحيح الذي ورد في كلامهم «كتمت الأمر» ويتعدى بنفسه إما إلى فعل واحد وإما إلى فعلين، ويجوز أن تزاد «من» في المفعول الأول فتقول: «كتم من فلان الحديث» كذلك قال أهل اللغة.

الرابط المختصر :