العنوان تقويم ما قدمه جيل الرواد وقراءة جديدة لكتابات الشوامخ
الكاتب الأستاذ أنور الجندي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1989
مشاهدات 53
نشر في العدد 901
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 24-يناير-1989
ظهرت في السنوات الأخيرة الكثير من المذكرات والذكريات واليوميات،
التي قدمها كتاب الأجيال التي تلت جيل الرواد، الذي كان له الصدارة في العقود التي
تلت الحرب العالمية الأولى وامتدت إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي سيطر
كتابها على الحياة الأدبية في البلاد العربية.
وكان للسياسة والصحافة الحزبية أثرها البعيد في
إبرازهم وإكسابهم الشهرة المدوية في حين أنهم لم يكونوا إلا بمثابة قناطر تنقل فكر
الغرب إلى محيط الثقافة الإسلامي وكانوا في أبرز مظاهرهم لا يملكون منهجًا خاصًا
ولا رؤية أصيلة، وقد خدعهم البريق ولمعت تحت عيونهم الأصداف، فظنوا أنها الجوهر،
وآية ذلك أنهم انفصلوا عن تيار الفكر الإسلامي والأدب العربي، وربطوا أنفسهم
بمطالع الزحف الغربي على بلاد المسلمين فجعلوا منطلقهم من الحملة الفرنسية وسموا
جولتهم بالأسماء الإقليمية والقومية، فحاولوا أن يكتبوا أدبًا مصريًا أو سوريًا أو
عراقيًا، وكان قائدهم في هذا أستاذ الجيل «لطفي السيد» الذي أنكر رابطتي العروبة
والإسلام، وكانت الرؤى التي يتحركون في إطارها هي تلك التي رسمتها الصحف التي
يصدرها المارون في مصر «الأهرام - المقطم - الهلال»، ويجدون في شيلي شميل بدعوته
إلى مذهب دارون وجرجي زيدان بدعوته إلى تزييف التاريخ الإسلامي، وصروف ومكاريوس في
دعوتهم إلى الماسونية وتقبل النفوذ البريطاني منطلقًا، بدا واضحًا في كتابات طه
حسين والعقاد وهيكل وسلامة موسى ومحمود عزمي وعلي عبد الرازق.
وأعطت المعركة الحزبية للفكر طابع الخصومة والجدل
والهجاء المقذع، وظهر هذا الجيل على الخصومة السياسية دون أن يهاجم الإنجليز أو
الاستعمار، بل قبل مفاهيمه في الفكر والاجتماع فكان هذا الولاء الفكري لمذاهب
الغرب في الأدب والتاريخ حتى قيل إن طه حسين كان من أتباع المذهب الاجتماعي
الفرنسي «دوركايم»، وأن العقاد كان من أتباع المذهب النفسي «فرويد وغيره»، بل قيل
في الأخير إن العقاد كان هجليًا أي إنه تلميذ هيجل، وهو ما وصفه به أقرب تلاميذه
إليه «عبد الفتاح الديدي».
ولقد كشفت الذكريات والمذكرات في الأخير أن هناك
رابطة كانت تجمع هذا الجيل هي رابطة الانتحار فقد عرف أن طه حسين وهيكل والعقاد
فكروا في الانتحار وأن بعضهم كتب عنه، كما أن بعضهم اتهم باستعمال المخدرات، وأن
هذا الكلام جرى طرحه في مساجلات الأدباء السياسية.
ولعل أخطر ما في هذا كله أنهم في نفس الوقت الذي
كانوا يهاجمون النفوذ الأجنبي البريطاني بقوة، كانوا يؤمنون بالفكر الغربي
والحضارة الغربية والمنهج الديمقراطي ولم يكن النفوذ الأجنبي يطمع في أكثر من ذلك.
وكان هذا هو منطلق مدرسة سعد زغلول التي سيطرت
فكريًا وسياسيًا بعد الحرب العالمية الأولى، وبعد أن انتزعت من مكان القيادة
الفكرية مصطفى كامل ومحمد فريد وعبد العزيز جاويش، وأحلت مفاهيم السياسة الحزبية
بديلًا عن الوطنية وكلمة «الاستقلال» بديلًا عن كلمة الجلاء.
وكان أبرز كتاب مصر المجردين «الذين أثاروا قضايا
التغريب» في صف حزب الأحرار الدستوريين «ذوي الولاء الواضح للاستعمار» لطفي السيد
وطه حسين وهيكل والمازني وعلي عبد الرازق ومحمد عزمي، وفي أحضانهم ظهر أخطر كتابين
في مهاجمة الإسلام: الشعر الجاهلي لطه حسين، والإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق.
وكان الكتاب الرواد يعتلون مذاهب الغرب في النقد
والأدب والشعر، وقد حمل العقاد والمازني لواء الدعوة إلى المدرسة الإنجليزية في
النقد «هازلت» وغيره، بينما حمل طه حسين لواء المدرسة الفرنسية «تين وبرلتير».
ولم يكن لدى كتاب الجيل الرائد الخبرة العميقة،
فانخدعوا في مواقف كثيرة، خدعهم «ماكس نوردو» اليهودي خليفة هرتزل فكرموه، دون أن
يعوا دوره في الصهيونية وخدعهم عباس البهاء وحفلوا به ودعوا إلى نحلته دون أن
يتنبهوا إلى أخطاره وسمومه.
بل قد كرموا في الجامعة الفيلسوف رينان وهو أكبر
من حمل على الإسلام وهاجمه أشد الهجوم.
وعندما حدث الصراع بين أبناء المدرسة الحديثة لم
يكن لحساب الفكر الإسلامي وإنما كان صراعًا بين «لايينيون وسكسونيون» العقاد وطه
حسين - وفي مجال التعليم كان الصراع بين طه حسين وإسماعيل القباني ولاء للمدرسة
الفرنسية وولاء لمدرسة ريوي.
في القصة ترجمت الكتابات الفرنسية المكشوفة، وبرز
أدب الكشف والإباحة، كما برزت الأسطورة.
وقد كان هؤلاء الكتاب في مستهل حياتهم الأدبية
«في الغرب» قد تابعوا المستشرقين فهاجم منصور فهمي النبي وزوجاته، وهاجم طه حسين
ابن خلدون، وهاجم زكي مبارك الغزالي، وقال محمود عزمي إن الاقتصاد شيء والإسلام
شيء آخر فالإسلام في نظره دين لاهوتي.
ولما تعالت صيحة اليقظة الإسلامية تقدم هذا الصف
من المجددين فادعوا أنهم هم مجددو الإسلام.
كتب هيكل حياة محمد، وكتب طه حسين الفتنة الكبرى،
وكتب العقاد العبقريات، وكان منطلقهم مختلفًا عن مفاهيم الوحي والنبوة، فاعتمدوا
مناهج الغرب في دراسة الأبطال والرجال، ووضعوا «البطولة» في مقدمة «النبوة»،
وجعلوا «العبقرية» بديلًا عن «الرسالة»، ولم يكن مفهوم الإسلام بوصفه منهج حياة
ونظام مجتمع واضحًا في كتاباتهم، فقد كانوا ما يزالون يرون الإسلام دينًا لاهوتيًا
كما يرى مفكرو الغرب المسيحية.
وقال طه حسين إنه وضع كتابه «على هامش السيرة»
تقليدًا لكتاب غربي جمع الأساطير القديمة.
وفي نفس الوقت الذي برزت فيه هذه الأسماء وسيطرت
حجبت كتاب الأصالة: فريد وجدي ومصطفى صادق الرافعي ورشيد رضا وشكيب أرسلان ومحب
الدين الخطيب.
وأظهر التغريب رجاله وحجب الآخرين، ولم يكن
مفهومه للتجديد هو المفهوم الأصيل، وقال الأستاذ حسن البنا: إن ما بيننا وبين
المجددين هو مفهوم الوحي والنبوة من ناحية ومفهوم الإسلام بوصفه منهج حياة ونظام
مجتمع.
وخرست الألسنة فقد كان كتابنا المتصدرون غير
ملتزمين بالإسلام في حياتهم أصلًا.
ولعل أبرز ما يشكل التصور الإسلامي الأصيل للفكر
هو ذلك الوضوح الذي تكشف بين المنهج القرآني والمنهج الفلسفي، على النحو الذي
أبرزه كتاب الدعوة الإسلامية حين كشفوا عن أن مفهوم القرآن كالماء يحتاج إليه
المريض والسليم، وأن منهج الفلسفة «أو علم الكلام» هو كالدواء الذي يحتاج إليه
المريض «على حد عبارة الإمام الغزالي» فقد بدأت اليقظة الإسلامية من خلال جمال
الدين ومحمد عبده على نحو شيق بمفهوم الاعتدال وعلم الكلام، وهو الخيط الذي التقطه
فريد وجدي وإقبال والعقاد، والذي جاء المفهوم القرآني ليعلن أن مرحلة جديدة من
مراحل الأصالة قد دخلت على الدعوة الإسلامية وكان حامل لوائه هو حسن البنا، وكان
الشيخ مصطفى صبري في كتابه «موقف العلم والعالم من رب العالمين» قد واجه هذا
التيار الذي ظهر واضحًا في الكتابات الإسلامية التي كتبها فريد وجدي.
والعقاد وهيكل - وهي كتابات اعتمدت المنهج
الفلسفي بحسن نية ومن هنا أصابها كثير من العثرات وكانت الدعوة الإسلامية قد دعت
إلى التماس منهج رسول الله في العمل، وأسلوبه في الدعوة وكتب سيد قطب عن هذا
الاتجاه من بعد في كتابه «التصور الإسلامي» وناقش اتجاه محمد عبده في التعبير، كما
ناقش اتجاه العقاد دون أن يشير إليه صراحة.
وهذا لا يمنع من القول بإن جمال الدين الأفغاني،
هاجم اتجاه أحمد خان في كتابه «الرد على الدهرين»، وأشار إلى أن اتجاه أحمد خان كان
له أثره في ظهور القاديانية وخاصة الفكرة الخاصة بإلغاء الجهاد.
وإذا كان الشيخ مصطفى صبري قد كشف أخطاء كتاب
السيرة العصرية في شأن معجزات النبي «فريد وجدي وهيكل» فإن الشيخ مصطفى عبد الرازق
وتلاميذه «علي سامي النشار» قد كشف عن أصالة الإسلام ورد الفلسفة الإسلامية إلى
المعلم الأول: الإمام الشافعي في كتابه «الرسالة» الذي وضع فيه منهج علم أصول
الفقه.
وكذلك فقد كشف محب الدين الخطيب عن خطط التبشير
بترجمته كتاب الغارة على العالم الإسلامي، وتابعه بعد سنوات الدكتور عمر فروخ
والخالدي عن خبايا التبشير والاستعمار في كتابهما المعروف.
كذلك كشف مالك بن نبي مخططات التعريب وأساليبه،
وتابعه محمود محمد شاكر بكشف سموم لويس عوض، والدكتور محمد محمد حسين الذي كشف عن
كتابات ول دیورانت وغيره من اليهود.
وكشفت في هذه المرحلة كتابات كثيرين ممن وضعوا في
صفوف الرواد، تكشف رفاعة الطهطاوي الذي رفع الماركسية من قدره لأنه دعا إلى
الإقليمية المصرية والذي كان تابعًا من أتباع النفوذ الغربي - كشف ذلك محمود محمد
شاكر حين قال عنه في كتابه «رسالة في الطريق إلى ثقافتنا»:
«أي صيد سمين تلقفه المسيو جومار بخبرته
وحنكته وتجربته وبصره النافذ، فتى ناشئ في قلب الأزهر، رآه مفتونًا بالأرض التي
وطئتها قدمه، لم ير مثلها من قبل، رآه مقبلًا بأقصى عزيمته على تعلم الفرنسية،
معجبًا بها وبأهلها كل الإعجاب فأخذه «جومار» من قريب فكان له صيد أي صيد، ولم يكد
يأخذ المسيور جومار بناصيته، وأسلمه لطائفة من المستشرقين يصاحبونه ويوجهونه وعلى
رأسهم أحد دهاقين الاستشراق الكبار ورهاته وهو البارون سلفستر دي ساسي فاستغلوه
أبرع استغلال، وصبوا في أذنه وطرحوا في قرارة قلبه معاني وأفكارًا قد بيتوها
ودرسوها وعرفوا عواقبها وثمراتها حتى تنمو في دخيلة نفسه حتى نسي نفسه وتنكر
لماضيه القريب وأعرض عنه، وسارع ينجو بحياته الجديدة من خطا طيفه التي تلاحقه..
إلخ.
هذه حقائق كان يجب على حركة اليقظة الإسلامية أن
تكشفها فقد اعتصم التغربيون بما يسمى «الرواد وأساتذة الجيل والعميد»، وكلها
مصطلحات كاذبة مضطربة في سبيل تثبيت قواعد التغريب التي أرساها هؤلاء، والتي أصبحت
في المرحلة التالية عقبة أمام مفاهيم الأصالة الإسلامية، فكان لا بد من كشف حقيقة
هؤلاء الشوامخ وإعادتهم إلى حجمهم.
إن هناك أسماء كثيرة لمعت في ظلال صولة التغريب
وطغيان السياسة، وأصبحت تستخدم كمحاولة لبديل للأصالة، كذلك فقد كان لابد من كشف
الأسماء التي لمعت في التاريخ القريب سواء من تاريخ العصور السابقة أو غيرها وفي
مقدمة هذا كله، تلك الجولة الخطيرة التي أطلق عليها ترجمة الفكر اليوناني وأبطالها
«الفارابي وابن سينا وغيرهما» وترجمها الذين أدخلوا عليها زيوفًا وأخضعوها
لمفهومهم المسيحي أمثال «حنين بن إسحق» وجماعته، وكان لا بد من كشف موقف «المأمون»
هذا الموقف الخطير الذي آزر فيه الفكر الدخيل على مفهوم السنة حسين حمل لواء
السياسة والحكم في سبيل الدعوة إلى محنة «خلق القرآن» وساق علماء المسلمين وفي
مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل للامتحان الشديد، هذا كله يجب كشفه وتصحيح الموقف
منه، كذلك في القريب يجب تصحيح موقف الكواكبي ومحمد علي اللاهوري «خليفة
القادياني» بالإضافة إلى رفاعة الطهطاوي، ولنعرف أن هذا ليس هدمًا لمن يسمونهم
الشوامخ ولكنه تصحيح للموقف فإن هناك عشرات من أعلام الإسلام الأصلاء في العصر
الحديث يقفون في الظل منذ أكثر من خمسين عامًا لأن الصحف التي يتصدرها المغربون
تحول دون تكريمهم أو وضعهم في مكانهم الصحيح، إننا لا نهاجم هؤلاء أصحاب الأسماء
اللامعة ولكن نقول لهم مكانكم فإن هناك من الأصلاء من يقفون في الظل وهم الأحق
بمكان الصدارة.
لقد كان هؤلاء جميعًا بلا استثناء أولياء للنفوذ
الأجنبي والاستشراق، ولولا ذلك ما أمكن لهم من العقلاء مكان الصدارة في مجال
الصحافة والثقافة، ولقد كان طه حسين ومن مضوا معه على هذا الطريق أولياء للثقافة
اليونانية التي هي علم الأصنام وكانوا يدعون في افتئات غريب بأن المسلمين قبلوا
هذه الثقافة ولو دروا لعرفوا أنهم رفضوها منذ اليوم الأول، وكشفوا زيفها وكان على
مقاومة هذا الموقف كثيرون في مقدمتهم الشافعي وابن حنبل والغزالي وابن تيمية و ابن
حزم وغيرهم، ولقد لقي هؤلاء الأعلام من الاستشراق نكرًا وتجاهلًا ومحاولة لإلباسهم
كثيرًا من الشبهات لتقليل قدرهم في نظر أمتهم.
لقد كان عملهم واضحًا: إنكار فضل الصحابة واتهامهم
في الفتنة الكبرى وتجاهل قادة الفكر الإسلامي فليس غير الأوروبيون واليونان قادة
الفكر كما كتبه طه حسين وكان مقررًا على المدارس.
وعلى طريق طه حسين سار زكي نجيب محمود ولويس عوض
وعبد الرحمن الشرقاوي وحسين فوزي وسلامة موسى والأجيال الجديدة من المغربين الذين يمزجون
بين العلمانية والماركسية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل