; تمزيق العالم الإسلامي- بين وثيقة كامبل والنظام العالمي الجديد | مجلة المجتمع

العنوان تمزيق العالم الإسلامي- بين وثيقة كامبل والنظام العالمي الجديد

الكاتب منير شفيق

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أبريل-1993

مشاهدات 65

نشر في العدد 1046

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 20-أبريل-1993

·       إن مرحلة الاستقلال التي تلت الحرب العالمية الثانية كانت أخطر عوامل الضعف في الوطن العربي.

عندما أعلنت وثيقة كامبل الصادرة في عام ١٩٠٧ أصبح من الواضح أن ثمة رؤية استراتيجية خاصة نحو البلاد الإسلامية عمومًا، والعربية منها خصوصًا، وهي تختلف عن الرؤية الاستراتيجية بالنسبة إلى مناطق العالم الأخرى.

لقد جاءت هذه الوثيقة بناء على مداولات مطولة قام بها عشرات الخبراء في مختلف المسائل والعلوم بناء على طلب السيد كامبل رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين، وقد طرح عليهم سؤالًا يقول: لقد أصبحت للغرب عمومًا، ولبريطانيا خصوصًا سيادة على العالم كله، وتعلمون أن الإمبراطوريات تبلغ قمة من المجد ثم تبدأ بالانحدار لتحل مكانها إمبراطوريات أخرى، فكيف يمكن للحضارة الغربية ألا تلقى هذا المصير؟ وجاء جواب المؤتمرين استعراضًا لخصائص مناطق العالم المختلفة ومدى إمكان نهوضها مقابل الحضارة الغربية، حتى توقفوا مطولًا عند المنطقة العربية الإسلامية التي اعتبروها تمتلك مزايا ومقومات خاصة جدًا، تؤهلها لنهوض حضاري بديل؛ وذلك بسبب خطورة موقعها الاستراتيجي العالمي، وخطورة موقعها في العالم الإسلامي ودورها فيه، إلى جانب تمتعها بروابط وحدوية الانتماء للعقيدة الإسلامية، وامتلاك التاريخ المشترك واللغة المشتركة، والمشاعر الشعبية المشتركة، والتراث الحضاري الغني.

ومن ثم فإن من الضروري أن تتبع استراتيجية ذات خصوصية تجاه هذه المنطقة، وتتلخص بضرورة تجزئتها إلى حد يمنع وحدتها وتضامنها، فضلًا عن بقية إجراءات الإضعاف الأخرى من نشر للتبشير والحضارة الغربية، وإثارة للتناقضات الداخلية والتحكم بتسلحها وتهديد تطورها الداخلي، وزرع كيان غريب في وسطها -الكيان الإسرائيلي- يكون متفوقًا عسكريًا، وقادرًا على التصدي لكل توجه نحو وحدتها ونهوضها.

ويكفي أن نلحظ أن بريطانيا حين دخلت الهند وجدتها مقسمة فوحدتها، بينما راحت تجزئ هي وفرنسا البلاد العربية التي كانت موحدة تقريبًا في ظل الدولة العثمانية.

في الواقع وجدت هذه الوثيقة ترجمتها في إعلان وعد بلفور وفي اتفاقيات سايكس بيكو ثم في قرار تقسيم فلسطين لعام ١٩٤٧، ويكاد المرء يقول إن ما جرى على أرض الواقع منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى في المنطقة حمل كل بصمات هذه الاستراتيجية التي تتمثل بتجزئتها إلى دول ذات حدود راسخة عالية لا تزال، وبإقامة دولة إسرائيل التي تحولت إلى سيف بتار مصْلتٌ على رقاب الدول العربية. هذا فضلًا عن تجسيدها بنشر التغريب والعداء للإسلام والعروبة وإحكام السيطرة السياسية والاقتصادية والعسكرية إحكامًا دائمًا ومستمرًا لا يهون.

وبالفعل أثبت تاريخ عشرات السنين الماضية منذ الحرب العالمية الأولى أن التجزئة إلى دول -ولاسيما في مرحلة الاستقلال التي تلت الحرب العالمية الثانية- كانت أخطر عوامل الضعف في الوضع العربي. وقد لعبت دورًا خاصًا في نجاح مشروع قيام الدولة الإسرائيلية التي راحت بدورها ترد له الجميل: مزيدًا من تكريس التجزئة سواء أكان بالوجود الموضوعي الذي يفصل المشرق العربي عن مصر والسودان والصومال والمغرب العربي، أم بالتهديد العسكري لضرب أية محاولة وحدةٍ أو تقاربٍ بين دولتين عربيتين، كما حدث مع وحدة مصر وسوريا، أو محاولات وحدة سوريا مع العراق.

بيد أن هذه التجزئة لم تمنع من القيام بعدة محاولات نهضوية ووحدوية وتضامنية هنا وهناك، ولم تمنع من فرض العزلة على دولة الكيان الصهيوني في المنطقة؛ الأمر الذي كان يكلف الغرب كثيرًا حتى يتمكن في نهاية المطاف من احتواء تلك المحاولات وإجهاضها. وكانت التجزئة تلعب دورًا مهمًا بصورة مباشرة وغير مباشرة في عزل تلك المحاولات والاستفراد بها.

ولعل هذا ما أعاد إحياء المشروع الصهيوني الغربي القديم الذي راح يطمح بتجزئة أعمق وأشد من تجزئة سايكس بيكو؛ فالكل يذكر أن فرنسا كانت قد فكرت بتجزئة المغرب الأقصى وسوريا إلى عدة دول.

والكل يذكر أن بريطانيا كانت تحمل مشاريع تجزيئية للسعودية والعراق والسودان. ولكن هذه المشاريع طويت في الأدراج لأسباب تتعلق بالظروف السياسية في حينه؛ أما ما هو أهم من ذلك فيتمثل بالمقولات الصهيونية التي طالما شددت على أن البلاد العربية إن هي إلا منطقة «فسيفساء».

لقد كان هناك إصرار من قبل الغرب والكيان الإسرائيلي على تسمية البلاد العربية بمنطقة الشرق الأوسط، وهي تسمية تحمل في طياتها المعنى النقيض لوجود وطن واحد لأمة واحدة، أو وجود هوية مشتركة للبلاد العربية عدا الانتماء إلى منطقة جغرافية هي الشرق الأوسط.

ومن هنا يمكن القول: إن تجربة عشرات السنين الماضية ومخططات أمريكا والغرب والصهيونية للمستقبل في هذه المنطقة، وضعف ميزان القوى العالمي الجديد، أخذ يدفع باتجاه السعي للمزيد من التمزيق والتجزئة؛ وصولًا إلى كيانات الفسيفساء التي لا هوية مشتركة توحدها ولا إسلام ولا عروبة ولا تاريخ ولا مصالح عليا.

ولعل المدخل إلى ذلك يكمن في إعادة إحياء الكيانات الطائفية والقومية والجهوية داخل دولة التجزئة؛ إما لتصبح دولًا داخل الدولة تشل بعضها شلًا، وإما تصبح دولًا شتى فعلًا وقانونًا.

ويمكن لمن يتابع ما يجري في كثير من البلاد العربية من المحيط إلى الخليج أن يلحظ نمو تيارات -بعضها تحت السطح وبعضها أخذ يطفو عليه- أخذت تتمثل بشن حملات مركزة ضد الإسلام تحت شعار محاربة الأصولية، وبعضها تغريبي علماني، وبعضها ديني غير إسلامي، وهنالك حملات مركزة ضد العلاقة بالعرب والعروبة، بعضها من موقع قومي غير عربي وبعضها من موقع قطري ضيق.

وهنالك حملات لإثارة إشكالية المظالم التي لحقت ببعض الطوائف أو المذاهب «شيعية وسنية» أو الأقليات من أجل الترويج لكيانات مستقلة أو شبه مستقلة تحت دعوى العدل واسترداد الحقوق أو حماية المذهب أو الطائفة، ووصلت هذه العدوى حتى إلى بعض الفئات داخل الشعب الفلسطيني الذي هو إسلامي وعروبي بالضرورة، فأخذنا نسمع بحملات ضد البلاد العربية والإسلامية التي فعلت كيت وكيت بالفلسطينيين؛ وذلك من أجل التسويغ لكيانية مرتبطة بأمريكا والصهيونية.

ما كانت هذه التيارات لتتشكل الآن ويعلو صوت بعضها لولا الأضواء الخضراء التي أخذت تغمز لها من واشنطن والعواصم الغربية؛ مما يدل دلالة واضحة على أن ما يسمى بالنظام الدولي الجديد بزعامة أمريكا يحمل في جعبته مشاريع لإعادة صياغة الأوضاع في البلاد العربية، ومن ضمنها مشاريع إحياء الكيانات الصغيرة في داخل دولة تجزئة «سايكس-بيكو» لتكون بمثابة الألغام الداخلية القابلة للانفجار في أية لحظة، أو لتكون بمثابة الأثقال المتقابلة التي تختزل بعضها بعضًا وصولًا إلى معادلة الشلل وانعدام الوزن. وبهذا تفقد دولة تجزئة «سايكس-بيكو» حتى القدرة على محاولة النهوض ناهيك عن الوحدة، بل ناهيك حتى عن التضامن.

على أن هذه الكيانية المغلقة، والمتعادية مع محيطها، ستكون أرضًا خصبة للصراع فيما بين الدول الكبرى، وربما أصبح بعضها أرضًا خصبة للنفوذ الصهيوني، ولاسيما إذا ما نجح مشروع المصالحة والتطبيع في ظل ما يسمى السلام والتسوية. بل يمكن أن نلاحظ هنا أن الصراع فيما بين الدول الغربية الكبرى (أوروبا وروسيا وأمريكا) راح يترجم نفسه في موضوع إحياء الكيانية كما لحظنا ذلك في العراق مؤخرًا على سبيل المثال؛ فمشروع الجيب الكردي الشمالي بدأ مشروعًا أوروبيًا، ثم راحت أمريكا تسعى لاحتوائه، وكذلك أخذت الأحداث تتطور بالنسبة إلى مشروع الجيب الشيعي في جنوبي العراق.

بكلمات أخرى: إن مشاريع التجزئة الكيانية -سواء أكانت باتجاه الانفصال التام القانوني أم كانت باتجاه الانفصال الواقعي مع بقاء دولة مركزية اسمية- ستأتي عبر عمليات الصراع على مناطق النفوذ فيما بين الدول الكبرى، كما ستتحول إلى حالات جذب لذلك النفوذ، وبعضها قد يصبح أرضًا خصبة للصهينة.

وبهذا يمكن أن نخلص إلى القول: إن مشاريع تجزئة جديدة تنتظر البلاد العربية خصوصًا والإسلامية عمومًا، في مرحلة النظام الدولي الجديد.. إننا أمام «سايكس-بيكو» الثانية.

أقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 3

296

الثلاثاء 31-مارس-1970

مشاريع كثيرة، ولكن !!

نشر في العدد 17

187

الثلاثاء 07-يوليو-1970

هذا الأسبوع - العدد 17

نشر في العدد 18

146

الثلاثاء 14-يوليو-1970

الترقب والانتظار!