; تونس..(العلمانيون يعلنون النفير العام!! | مجلة المجتمع

العنوان تونس..(العلمانيون يعلنون النفير العام!!

الكاتب عبدالقادر عبار

تاريخ النشر الثلاثاء 17-يوليو-1990

مشاهدات 72

نشر في العدد 974

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 17-يوليو-1990

      • الهلع والفزع يسيطر على العلمانيين لنجاح الظاهرة الجزائرية
      • العلمانيون يستنفرون قواهم لمواجهة المشروع الإسلامي الحضاري

      كل الدلائل تشير بما لا يدع مجالًا للشك بأن العلمانيين بتونس قد أعلنوا النفير العام، على طريقتهم وبأساليبهم الخاصة، على أكثر من مستوى وبأكثر من صيغة ضد النهضة، ضد مشروع الإسلام السياسي... ضد الإسلام! ويمكن رصد هذا النفير ومعاينة هذا التواصي بالهجوم والكيد من خلال الصيغ التالية:


      مليون توقيع وتجمع شعبي... دفاعًا عن المجتمع المدني!

      فقد فاجأتنا إحدى الصحف اليومية «الصباح» في عدد يوم الخميس 28 ذو القعدة 1410 هـ، بعنوان بارز على صدر صفحتها الأولى نصه «محاولة الحصول على مليون توقيع للائحة مدنية ديمقراطية». وعندما نقرأ الخبر مفصلًا بالصفحة الثانية نجده يقول: أصدرت عناصر ديمقراطية من حساسيات مختلفة اللائحة المدنية الديمقراطية التالية، إيمانًا منها بحتمية تعبئة الرأي العام الشعبي ضد خطر الاستبداد وضد أشكال الاحتواء السلفي، وتطمح اللائحة إلى تجميع مليون توقيع، وإقامة تجمع شعبي علني بالعاصمة دفاعًا عن أسس الدولة المدنية!

      وأما نص هذه اللائحة فيقول: نطمح ونعمل معًا من أجل تنمية وعي شعبي عريض فاعل تحصينًا للمقومات المدنية والديمقراطية لمجتمعنا:

      • مصدر الشرعية هو الدستور التونسي وقوانين البلاد والإرادة الشعبية.
      • الدولة المدنية الديمقراطية والعصرية التي نعمل على تعزيز أركانها والدفاع من أجلها تتناقض كليًّا مع مشروع الدولة الدينية والكيانية.
      • المجتمع الديمقراطي لا يستقيم دون مساواة فعلية بين الجنسين والدفاع عن مكاسب المرأة التونسية وتطويرها.
      • التعليم الديمقراطي العقلاني والعصري مقوم أساسي من مقومات المجتمع المدني.

      وتختم اللائحة بقولهم: نطمح ونعمل معًا من أجل:

      • عريضة المليون تونسية وتونسي.
      • تجمع شعبي سلمي بالعاصمة.
      • المجتمع المدني الديمقراطي في تونس يقظ، يدافع عن نفسه.

      بعث جمعية ثقافية

      وهذه صيغة أخرى تترجم النفير العلماني المرصود؛ لصد بروز وتنامي التيار الإسلامي والتشويش على مشروعه السياسي والحضاري: فقد تكونت مؤخرًا جمعية ثقافية تدعى دراسات حضارية، تهدف إلى المساهمة بالعمل الفكري في تنمية أسس المجتمع المدني وقيمه ومفاهيمه.... وتنظيم لقاءات فكرية وربط علاقات تعاون مع الجمعيات الثقافية العاملة في نفس الاتجاه -العلماني- وهذه الجمعية مفتوحة أمام كل الموقعين على لائحة الألف التي ردت على بلاغ 3 أكتوبر «الذي أصدرته النهضة بإمضاء الشيخ عبد الفتاح مورو، والذي انتقد السياسة التعليمية، وطالب فيه بإقالة وزير التربية». ومفتوحة كذلك أمام كل المدافعين عن المجتمع المدني والتقدم والديمقراطية وحقوق الإنسان!


      عريضة

      كما أصدرت جمعية «النساء الديمقراطيات» عريضة موقعة من طرف 521 علمانيًّا وعلمانية، تعرضوا فيها بالإدانة للعنف (!) الذي تشنه الحركات السلفية في الجزائر ضد النساء وضد القوى التقدمية! وحيَّا الموقعون على العريضة القوى الديمقراطية الجزائرية المناضلة من أجل مجتمع ديمقراطي حر وعادل. وعبروا عن وقوفهم إلى جانب القوى الديمقراطية الجزائرية والوقوف ضد كل السياسات المتواطئة مع التيارات السلفية. ودعوا في البيان كل النساء إلى اليقظة ورفض التلاعب بحقوقهن وأصواتهن.


      ملف «فكر وأدب» عن الحجاب... بجريدة الصباح

      ويستغل العلمانيون مساحات الأبواب الأدبية والثقافية التي يشرفون على تحريرها ببعض أو قل: جل الجرائد لطرح ملفات حساسة، مساهمة في التشويش والاستفزاز.

      من ذلك مثلًا: إن جريدة الصباح خصصت منذ عدد الثلاثاء 26 ذو القعدة 1410 هـ، صفحتي «فكر وأدب» لملف عن الحجاب صدرته بتقديم تحت عنوان: إلى الأصوات الرافضة لاستلاب المرأة، تقول فيه: هذا الملف تتضافر فيه أصوات الانعتاق والسفور ضد الظلامية طاعون الوطن العربي والعالم الإسلامي اليوم. لقد تعمدنا استرجاع صفحات من مشوار الحرية في هذا القرن؛ لكي تدرك فتيات الغد الخطر الذي تحمله قوى التعصب والانغلاق، وآثرنا تناول قضية الحجاب ضمن أكثر من مقاربة تاريخية سوسيولوجية نفسية وسياسية. وأخيرًا أردنا طرح مشكلة الحجاب في فرنسا كونها تعطي المثال الناصع على ديماغوجية الاحتواء الأصولي واستهتار الأصوليين بمصائر الجاليتين العربية والإسلامية لغايات رخيصة. هذه البحوث لبنة متواضعة في صرح مشوار الحرية الطويل!

      وأوردت قائمة في عناوين المحاور التي سيتطرق إليها الملف منها: التاريخ الاجتماعي للحجاب – الحرية في المساواة - الحجاب والجنس والهوية – نظرة سوسيولوجية لمشكلة الحجاب في إيران – علة الحجاب – بالأمس منعوا مدارس البنات – قضية الحجاب في فرنسا – الحجاب الإسلامي والقانون القرآني.

      هذه إذن ملامح هذا النفير العلماني المضاد وبعض الصيغ المطروحة، والتي تفضح تواصي العلمانيين واليساريين بالهجوم الحاقد والكيد المدروس ضد المشروع الإسلامي! من خلال التشويش على المفاهيم والطروحات الإسلامية، وتنفير الرأي العام من البديل الإسلامي.

      أما عن الأسباب المباشرة التي كانت وراء تأجيج هذا النفير، والتي دفعت بالعلمانيين إلى إعلان حالة الطوارئ فيمكن اختصارها كالآتي:


      أ - رصيد الأمس من الغيظ

      إن سقوط البورقيبية يوم السابع من نوفمبر كان ضربة شؤم للعلمانيين الذين أحسوا بأن مرحلتهم قد انتهت بإقصاء بورقيبة عن الحكم. وأن الشعب مما ران عليه من فساد التجربة السياسية –العلمانية– السابقة وما حصد منها من آلام ومصائب وأتعاب وفجائع، نفسية ومادية اجتماعية واقتصادية دينية ومدنية، طيلة ثلاثين سنة... لن يستعد مستقبلًا للخداع، أو التفاعل مع الطروحات والسياسات التي لا تعطي للدين اعتبارًا، ولا تولي هويته وأصالته... وهمومه اهتمامًا جذريًّا وفاعلًا.... وأن المرحلة ترشح البديل الإسلامي بلا منازع، فليختفِ مرتزقة الأيديولوجيات المستوردة، ولينسحبوا مخزيين ملعونين! طبعًا لم يقل هذا الشعب بلسان المقال، وإنما ترجمه بلسان الحال يوم 2 أبريل عندما انحاز بعفويته وفطرته إلى القوائم المستقلة المدعومة من «النهضة» في الانتخابات التشريعية وهي ظاهرة أجهش لها العلمانيون واليسار عمومًا بالويل والثبور، ورأوا فيها «القاصمة» و«الحالقة». ولكن قانون اللعبة الديمقراطية –على دخنها آنذاك– فرض على الحاقدين كتمان غيظهم وتأجيل التنفيذ لكيدهم إلى حين!


      ب - الجاذبية العالمية لرمز «النهضة»

      كما أن الجاذبية العالمية والقيمة الدولية التي بات يحظى بها الرمز الأول لحركة النهضة، الأستاذ راشد الغنوشي والحفاوة التي بات يلقاها حيثما حل وارتحل، على المستوى المغاربي، والعربي والإسلامي... والعالمي كل ذلك ساهم في توتر الأعداء، وأفقدهم صوابهم... وحرضهم على الالتفاف والتحالف والمبادرة بفتح النار وإعلان التغير.


      ج - الظاهرة الجزائرية

      وكانت بادرة السلطة الجزائرية بالاعتراف القانوني بجبهة الإنقاذ الإسلامية بمثابة الكابوس النووي الذي رجَّ العلمانيين واليساريين بتونس. وتخوفهم كان مبعثه أساسًا: احتمال اقتداء السلطة التونسية بجارتها الجزائر في الاعتراف بالنهضة وإفساح المجال أمام الإسلاميين لاكتساح الساحة بالعمل العلني القانوني.

      ويمكن القول بأن هذا الخوف قد فضحوه وترجموه في حرصهم على رصد كل سيئات وزلات وأخطاء الإسلاميين في الجزائر، وإبرازها على صدر الصفحات الأولى من جرائدهم ومجلاتهم: نعم! فقد تركوا كل شيء بأيديهم وركزوا عددهم وعدتهم لمهاجمة المسار الإسلامي الحزبي في الشقيقة الجزائر، يعدون عليه نقائصه، ويبرزون عيوبه، وينفخون في خصومه، وينادون بالويل والثبور، ويندبون ويبكون ويستبكون على ضياع الجزائر بلد المليون ونصف المليون شهيد... حتى إنه لا يكاد يخلو عدد من جرائدنا اليومية والأسبوعية إلا وهو مشحون بأخبار عن عباس مدني، أو الجبهة الإسلامية.

      ثم كان لنبأ الفوز الساحق لجبهة الإنقاذ في انتخابات 12 يونيو 1990 وقعه الصاعق والمنغص لنفوسهم المروعة والملتاعة، من ذلك ما جاء مثلًا على لسان التجمع الاشتراكي التقدمي في تعليقه على النصر السياسي للإسلاميين في هذه الانتخابات: مع احترامنا للنتائج الحاصلة وبدون تدخل في الشؤون الداخلية لأشقائنا الجزائريين، فإننا نعتبر أن خطر الإسلاميين والنظام الاجتماعي والسياسي الذي يدعون إليه، يطرح على القوى الديمقراطية في المغرب العربي التوحد وتجاوز الحساسيات والحسابات الضيقة؛ لتكوين سد منيع قادر على حماية التجارب التعددية التي ما زالت هشة!

      هذه إذن أهم الأسباب المباشرة التي – يبدو – أنها كانت وراء حدة هذا النفير العلماني المضاد ووراء إذكاء هذا التواصي بالهجوم والكيد.

      وخير ما نختم به هذه السطور مقولة حفظناها عن الداعية الشيخ محمد الغزالي يقول فيها: إن الباطل المتحرك لا يوقفه إلا حق متحرك.

       

الرابط المختصر :