العنوان تونس .. ديمقراطية الرصاص
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 27-مايو-1986
مشاهدات 68
نشر في العدد 769
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 27-مايو-1986
المجتمع
ـــــــــــــــــــ*شعب تونس بكافة اتجاهاته استنكر الجريمة البشعة التي أودت بحياة مواطن تونسي بريء.
هل هي ديمقراطية من أجل القتل؟ أم أن القتل هو إحدى وسائل الديمقراطية لدى بعض الأنظمة؟ إن اغتيال أحد شباب الاتجاه الإسلامي في تونس يمثل وصمة عار في جبين بعض الديمقراطيات على الساحة العربية.. التي ما عاد بإمكانها الاستمرار في خداع الشعوب.
جريمة بشعة تلك التي وقعت عشية الجمعة 18 إبريل 1986 «بخزندار» إحدى ضواحي العاصمة التونسية فاهتز لها الرأي العام التونسي عمومًا واهتزت لها الساحة الطلابية بالخصوص. وصورة الجريمة أنه في صبيحة ذلك اليوم داهمت شرطة النظام السرية بيتا اعتاد أن يلتقي فيه بعض الإسلاميين واعتقلت أحدهم غير أنه تمكن أثناء الطريق من الإفلات من معتقليه الذين عادوا للترصد لمن يأتي إلى البيت المذكور وفي حدود الساعة الخامسة بعد الظهر قدم شاب في الخامسة والعشرين من عمره هو الطالب عثمان بن محمود الدارس بالسنة الرابعة بالمدرسة القومية للمهندسين وعندما باغته أعوان الأمن حاول الفرار على دراجته النارية فطارده هؤلاء الأعوان وأطلقوا عليه النار وأردوه قتيلًا.
وقد استاءت الأوساط الشعبية والإسلامية لهذه الجريمة النكراء وأصدرت حركة الاتجاه الإسلامي بيانًا نددت فيه بهذا العمل الإجرامي وطالبت بتقديم الجناة -مهما كانت مراكزهم- إلى العدالة لينالوا الجزاء الذي يستحقونه، كما شهر بهذه الجريمة كل من حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والتجمع الاشتراكي التقدمي وحزب الوحدة الشعبية وبقية الأحزاب الأخرى في بيان مشترك أصدروه بتاريخ 21/4/1986.
وحاولت السلطات التقليل من خطورة هذا العمل فصورته على أنه حادث أمني عابر وقتل غير مقصود وبالتالي فهو لا يكتسب صبغة سياسية ولا يجب أن ينظر إليه في إطار المواجهة بين النظام والمعارضة ولكن جاءت وثيقة الإذن بالدفن التي أصدرها حاكم التحقيق لتؤكد أن هذا العمل إنما هو جريمة قتل متعمد عن سبق إصرار وترصد.
والحقيقة التي صار يدركها الجميع هي أن النظام الذي عجز عن إيجاد حلول لعدة قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية تغلبت عليه نوازع القمع والعنف التي طالما اتهم بها الإسلاميين فرفع قبضته الحديدية في وجه كل المنادين بالتغيير دون استثناء وصار يضرب يمينًا وشمالًا في شراسة غير معهودة، حيث ألقى بالزعيم النقابي الحبيب عاشور مرة أخرى في السجن وخلخل هياكل اتحاد الشغل واعتقل أخيرًا زعماء أحزاب المعارضة وحركاتها وقدم أحدهم وهو أحمد المستيري إلى المحكمة التي حكمت عليه بأربعة أشهر سجنًا لكنه سرح سراحًا مشروطًا نتيجة ضغوطات داخلية وخارجية على ما يبدو وسلط سيف الإيقاف لمدد تطول أو تقصر على كل جريدة أو مجلة تتجرأ على توجيه أي نقد لظواهر الفساد في المجتمع التونسي وها هو الجهاز الأمني لا يتورع عن الاغتيال جهارًا نهارًا، فماذا بقي سوى إعلان حالة الطوارئ في البلاد؟
إن النظام يعي مدى الغليان الذي يسود الأوساط الإسلامية في هذه الظروف، لذلك عمد منذ أيام في محاولة للإرهاب والتخويف إلى إلحاق إدارة الشعائر الدينية «لها دور وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية» بوزارة الداخلية بعد أن كانت تتبع الوزارة الأولى وهي شبه مستقلة.
والمعلوم أن النظام استعد منذ زمن بعيد لإحكام قبضته على الشعب فطور أجهزة الأمن بوزارة الداخلية إيما تطوير وشكل ما يعرف بفرق النظام العام «B.OP» التي نمت نموًا سريعًا من حيث العدد والعدة وبعد أن كانت مقصورة على عاصمة البلاد إذا بها تنتشر في كل المدن والقرى وقد تفضلت أمريكا وألمانيا بتزويدها بأحدث ما استعدت من أدوات القمع والإرهاب ورغم كثرة أعداد هذه الفرق فإنها لم تعد تجد وقتًا تخلد فيه للراحة مثلما كانت من قبل وآخر مهماتها في العاصمة تونس، كانت محاصرة الطلاب والسيطرة عليهم في كلياتهم بما تملكته من مدرعات وكلاب وخيول وطائرات مروحية ولقد اعتقلت منهم 1500 طالب زج ب 350 منهم في الثكنات للقيام بالواجب العسكري «ليس واجبًا على الجميع!!» كنوع من العقاب.
وأخيرًا نقول هل هذه هي الديمقراطية التي طالما ادعى النظام أنه يعمل على توطيد أركانها، لعل المقصود ديمقراطية الرصاص والاغتيالات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل