العنوان تونس والمغرب تناسي الخلافات مؤقتًا لمراقبة الأوضاع بالجزائر
الكاتب إبراهيم الخشباني
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أبريل-1999
مشاهدات 55
نشر في العدد 1344
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 06-أبريل-1999
الانتخابات الرئاسية في الجزائر
الزيارة الأولى لـ «بن علي» إلى الرباط منذ 7 سنوات
تونس والمغرب: تناسي الخلافات مؤقتًا لمراقبة الأوضاع بالجزائر!
الرباط: إبراهيم الخشباني
* اتفاق على التعاون الاقتصادي.. واختلاف في القضايا السياسية.
كان طبيعيًا أن تكتسي الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي للمغرب في منتصف شهر مارس أهمية خاصة، فبالنسبة لرئيس الدولة التونسية الذي سبق له أن أقام بالمغرب خلال عقد السبعينيات حين كان يعمل ملحقًا عسكريًا في سفارة تونس بالرباط، فإن الزيارة كانت بمثابة نوع من الرجوع إلى النبع، وبالنسبة للحسن الثاني العاهل المغربي- الذي لم يلتق الرئيس التونسي منذ ما يزيد على سبع سنوات- كانت الزيارة مناسبة لاستئناف الحوار المغربي- التونسي، وتدشين عهد جديد من العلاقات المغاربية على العموم.
لكن هل مجرد صدفة أم توقيت مقصود ومخطط له أن يأتي تجديد التلاقي التونسي- المغربي قبل شهر بالضبط من الانتخابات الرئاسية في الجزائر؟
على كل حال فإنها زيارة من شأنها أن تمكن رئيسي الدولتين المغاربيتين من ضبط الإيقاع وفق ما قد يأتي به المعطى الجزائري الجديد، فالأول الذي تمكن إلى حد كبير من القضاء على كل معارضة في بلاده، وخصوصًا منها الإسلامية التي جفف منابعها وألقى بمن لم يتمكن من أعضائها من الهرب في غياهب السجون، أو في القبور، يجد عدة مبررات للتخوف من صعود رئيس إسلامي في الجزائر مثل محفوظ نحناح «الزيارة برمجت قبل تنحية محفوظ نحناح من سباق الرئاسة»، أو رئيس يدفع في اتجاه توافق مع التيار الإسلامي مثل أحمد طالب الإبراهيمي، في الوقت الذي يتعثر فيه مسلسل الاستفتاء في الصحراء.
أما الثاني فلديه ما يبرر تخوفه من صعود رئيس قريب من العسكر، مما يعني زيادة تصلب وتصعيد في الموقف الجزائري تجاه المغرب في قضيته الوطنية، وهناك سبب آخر لتخوفات رئيسي الدولتين وهو تجمد مسلسل استكمال مشروع اتحاد المغرب العربي.
وهكذا فتونس والرباط اللتان تعانيان معًا من علاقات ليست على ما يرام من جارهما الجزائري تجدان أنه من مصلحتهما تجاوز أو على الأقل تناسي خلافاتهما القديمة، وتوحيد جهودهما على كل هذه المشكلات مجتمعة التي عليها يتوقف الاستقرار في بلديهما، والسلم في المنطقة.
لقد سبق لكل من بن علي، والحسن الثاني أن التقى الآخر خمس مرات خلال لقاءات قمة اتحاد المغرب العربي- «زرالدة» بالجزائر في يونيو 1988م، ومراكش في فبراير 1989م، وتون يناير 1990م، والجزائر يوليو 1990م، والدار البيضاء سبتمبر 1991م، غير أنه كان يبدو على الرجلين خلال كل هذه اللقاءات ميول كل منهما إلى اعتزال الآخر، فهل يرجع الأمر إلى اختلافهما في الطباع، أم إلى اختلاف في مناهج الحكم؟
أسباب الخلاف
لقد كان اللقاء الأخير مناسبة لإحداث بعض التقارب، وفي الوقت نفسه لإرجاع العلاقات إلى مجاريها التي لم تكن قط على ما يرام، بدليل أن ملك المغرب لم يستجب لدعوة حضور مؤتمر القمة المغاربي في تونس في أبريل 1994م، وتبعًا لذلك وفي محاولة لرأب الصدع، وتطمين «الإخوة المغاربة» فإن التونسيين عند احتضان بلادهم للمؤتمر الثلاثين لمنظمة الوحدة الإفريقية لم يخصصوا أي استقبال رسمي لقادة البوليساريو مع أن هذا الأخير عضو في منظمة الوحدة الإفريقية، بل إنهم عملوا على ألا يتناول هؤلاء الكلمة، وألا يتم استقبالهم من طرف الرئيس بن علي، غير أن هذه المحاولة باءت بالفشل بما أن المغرب رأى في مجرد تواجد قادة البوليساريو على التراب التونسي شكلًا من أشكال الاعتراف بهذه المنظمة في الوقت الذي كان الكثير من الدول الإفريقية قد أخذ يسحب اعترافاته بها.
وفي أغسطس 1991م قامت مجموعة إرهابية قادمة من فرنسا بهجوم على فندق أطلس- أسنى بمدينة مراكش مما تسبب في مقتل سائحين إسبانيين، وعلى إثر ثبوت وقوف المخابرات الجزائرية وراء العملية، قررت الحكومة المغربية فرض نظام التأشيرة على الرعايا الجزائريين الراغبين في دخول المغرب، وردت السلطات الجزائرية على ذلك بأكبر منه إذ أغلقت حدودها نهائيًا مع جارها المغربي، مما أجبر المغاربة العاملين في ليبيا أو في غيرها من الدول المشرقية على المرور عبر تونس التي لم تكن مرتاحة لهذا التزايد لأعداد الأجانب في وضعية غير قانونية على ترابها، وبفعل هاجس التخوف من انتقال العنف الجزائري إليها، واحتمال حدوث عمليات إرهابية على أرضها نظمت حملات إجلاء جماعية لآلاف العمال المغاربة، هذا العمل لم يرق للرباط التي لم تتأخر في التعبير عدم رضاها.
وفي سنة 1995م لم يكن التنافس الشديد على احتضان مقر منظمة الشرق الأوسط والأبيض المتوسط للسفر والسياحة «M.E.M.T.T.A» الذي حازته في الأخير تونس ليهدئ من التوتر السائد آنذاك، وكذلك ازداد الطين بلة بسبب الانتقادات الشديدة المتبادلة بين صحافة البلدين في موضوع حقوق الإنسان.
وفي بداية صيف عام 1996م كان لمشاركة معارضين تونسيين في ندوة نظمت في دار المغرب بباريس وقع صب الزيت على نار العلاقات شبه المتوترة.
كل هذا يفسر لماذا يوجد باستمرار تشنج حذر يعطل لكل مسعى للتقارب والحوار بين البلدين.
مساعي الوفاق
يقول سفير المغرب في تونس عبد القادر بن سليمان مفسرًا: «ليس هناك بين تونس والرباط خلافات كبيرة، فقط مشكلات بسيطة في التواصل».
عبد القادر بن سليمان الذي بادر منذ توليه مهامه في فبراير 1995م إلى بذلك كل ما في وسعه لإعادة مد الجسور المعطلة بين البلدين، وكذلك فإن «منجي بوسنينة» و«صالح بكاري» الذي خلفه في سفارة توسن بالرباط لم يدخرا جهدًا في العمل على تهدئة الخواطر، ولم تتأخر النتائج كثيرًاك فقد مكنت زيارة الوزير الأول التونسي حامد القروي إلى الرباط البلدين من إعادة فتح المجال للتلاقي والتواصل، وبادر الملك الحسن عند استقباله للوزير الأول التونسي بالصغيرات «25كم جنوب الرباط» في 5 سبتمبر 1996م إلى الإعلان عن إرادته في إعادة الدفء إلى العلاقات الباردة بين البلدين، فكان أن انعقدت بعد ذلك بشهرين في نوفمبر من السنة نفسها الدورة الخامسة للجنة العليا المشتركة بين البلدين في الرباط، وهي الدورة التي اتسمت بكونها مثمرة أكثر من سابقاتها، وكان مفترضًا أن تنعقد الدورة السادسة خلال سنة 1997م، إلا أن تعدد الاستحقاقات الانتخابية في المغرب تسبب في تأخيرها شهورًا عدة.
وفي 14 يوليو 1998م حطت طائرة وزير مغربي جديد هو عبد الرحمن اليوسفي في مطار تونس- قرطاج في أول زيارة رسمية له لبلد عربي وإفريقي، وكان على رأس وفد مهم ضم تسعة وزراء، وكاتبي دولة، وخمسة وعشرين موظفًا ساميًا، بالإضافة إلى مجموعة من رجال الأعمال المغاربة على رأسهم عبد الرحمن الحجوجي- رئيس الكونفدرالية العامة للمقاولين المغاربة.
لقد بث ذلك اللقاء كثيرًا من الدفء في العلاقات بين البلدين على الرغم من الحذر المتبادل بين الطرفين، خصوصًا أن الرئيس بن علي والوزير الأول اليوسفي لم يسبق لهما أن التقيا من قبل، فقد دام لقاؤهما الأول ثلاثة أرباع الساعة، الوزير الأول المغربي اليساري الانتماء، والذي تربطه علاقات تاريخية مع كثير من المعارضين التونسيين الذين لا يزال النزاع يسود علاقاتهم بنظام بلادهم تجنب خلال هذا اللقاء التطرق إلى وضعية أصدقائه هؤلاء مغلبًا دواعي مصلحة الدولة على الاعتبارات الأيديولوجية والعاطفية، الشيء الذي ثمنه الحكام التونسيون جيدًا، فكان من نتائج ذلك أن انتهت أشغال الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة بين البلدين إلى سلسلة من الاتفاقات تهدف إلى إخراج العلاقات بينهما من فتورها.
يقول مسؤول مغربي: «أوجه التشابه بين تونس والمغرب معروفة: الليبرالية اقتصاديًا، الاعتدال سياسيًا، الانفتاح على أوروبا، الالتزام بمخطط التسوية في الشرق الأوسط... إلخ، ولكن يبقى مع ذلك على نخب البلدين بذل جهد أكبر للتعارف أكثر فيما بينهم، والتسليم بالاختلاف الموجود بينهم».
علامة أخرى من علامات بدء سريان الدفء في العلاقات بين تونس والرباط، هو تمثيل إثنى عشر شخصية سياسية مغربية تنتمى إثنى عشر شخصية سياسية مغربية تنتمي إلى أحزاب مختلفة «الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال، الأحرار، الحركة الشعبية، الحركة الوطنية الشعبية، حزب التقدم والاشتراكية» المغرب في المؤتمر الثالث لـ «التجمع الدستوري الديمقراطي» الحزب الحاكم في تونس، الذي انعقد في العاصمة التونسية من 30 يوليو إلى 2 أغسطس 1998م، إذ إن حضور محمد اليازغي- الرجل الثاني في الإتحاد الاشتراكي، والساعد الأيمن لليوسفي- بنفسه أشغال المؤتمر لم يمر دون اعتبار من التونسيين.
وفي السابع من نوفمبر 1998م شاركت شخصيات مغربية عدة تمثل حساسيات سياسية مختلفة في الندوة الدولية التي نظمها الحزب التونسي الحاكم بمناسبة الذكرى الحادية عشرة لوصول بن علي إلى سدة الحكم، إذ استقبل عباس الفاسي- الأمين العام لحزب الاستقلال، والذي سبق أن كان سفيرًا للمغرب في تونس- في قصر قرطاج من طرف الرئيس التونسي، وتوالت بعد ذلك الزيارات من الطرفين، ففي ظرف شهور قليلة زار المغرب أربعة وزراء تونسيين، وزار تونس وزيران من حكومة اليوسفي، هذا دون أن ننسى زيارة الأمين العام للحزب التونسي الحاكم عبد العزيز بن داهية للرباط، إذ استقبل من طرف وزير الداخلية إدريس البصري.
ولكونهما قد وقعا معًا على اتفاق مشاركة مع الإتحاد الأوروبي فإن تونس والمغرب يعرفان جيدًا أن اندماجهما في منطقة التبادل الحر الأوروبية- المتوسطية، يمر قبل كل شيء بحد أدنى من الاندماج الاقتصادي أفقيًا على مستوى المغرب العربي وكذلك العالم العربي، ومن أجل ذلك عليهما تطوير علاقاتها الاقتصادية والتجارية على المستوى الثاني على الأقل.
الاتحاد المغاربي.. والتعاون الاقتصادي
وطبعًا فإن مشروع اتحاد المغرب العربي الذي يواجه منذ عام 1992م إكراهات الأزمة الداخلية الجزائرية، وكذلك الحصار الذي تتعرض له ليبيا بسبب مشكلات «لوكربي» وكذلك تعثرات ملف الصحراء- كان المشروع طبعًا على جدول أعمال القمة المغربية- التونسية، بل إن رئيسي الدولتين اعتبرا أن مهامهما الأساسية إعادة بث الروح في جسد هذا الإتحاد المتجمد منذ مدة، فقد أعرب الرئيس التونسي عن اعتقاده بأن المغرب وتونس على قناعة تامة بضرورة العمل سويًا على تخطي كل العقبات والمعوقات التي تحول دون استئناف المسار الوحدوي المغاربي الذي باتت الحاجة غليه أكثر إلحاحًا من ذي قبل، خاصة مع تنامي ظاهرة التجمعات الإقليمية والتكتلات الاقتصادية في زمن العولمة، وما تطرحه من رهانات جديدة يتطلب كسبها تضافر الجهود وتكاتف القدرات والإمكانات.
وقد توجت الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي إلى المغرب بتوقيع الطرفين على اتفاقية لإنشاء «منطقة التبادل الحر» المنصوص عليها في إطار «الاتفاقية التجارية والتعريفية» التي أبرمت بين البلدين في 28 نوفمبر 1996م بمناسبة اجتماع اللجنة العليا المشتركة المغربية- التونسية على أن تقام هذه المنطقة خلال أجل أقصاه 31 ديسمبر 2007م، وأن يتم الإعفاء الفوري بالنسبة لنحو ألفي سلعة تطبق عليها رسوم جمركية مخفضة بين البلدين مع تبادل تنازلات تعريفية تفوق تلك الممنوحة للاتحاد الأوروبي.
وقد أقدم البلدان على هذه الخطوة المتميزة دونما إغفال للالتزامات المترتبة على اتفاق المشاركة الذي يجمعها- كل على حدة- بالاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يستدعي تبادل تفضيلات بينهما توازي- على الأقل- تلك الممنوحة لهذا الأخير، وأيضًا ضرورة مواءمة الإطار القانوني لمبادلاتهما التجارية مع اتفاق المنظمة العالمية للتجارة «الجات»، وكذا التناسق مع اتفاقية التيسير، وتنمية التبادل التجاري بين الدول العربية.وبالنظر إلى كون مسألة إعادة الدفء إلى معاهدة مراكش التي أنشئ بمقتضاها، «اتحاد المغرب العربي»، وبالتالي تفعيل مؤسسات هذا الأخير تشكل هاجسًا مشتركًا يسكن مسؤولي وشعوب المنطقة ككل، فقد كان من الطبيعي البحث في إمكان جعل منطقة التبادل الحر المزمع إنشاؤها أنموذجا للاحتذاء مستقبلًا في مسلسل الاندماج الجهوي على المستوى المغاربي.والواقع أن شعوب المغرب العربي بدأ يغلب اليأس على آمالها في أن ترى تقدمًا ما في بناء الإتحاد المؤجل منذ ما قبل الاستقلالات، وعلى الرغم من أن بن علي والحسن الثاني لا يملكان بمفردهما كل مفاتيح السير قدمًا بالمشروع الوحدوي، فقد جعلا من واجبهما العمل على تحريك الأمور.ويبقى أن أهم ما أخذ على التغطية الإعلامية لزيارة الرئيس التونسي هو سكوت المنابر الإعلامية المغربية تمامًا عن انتهاكات النظام التونسي لحقوق الإنسان، وعن الأذى البالغ الذي يصيب المعارضين التونسيين وحتى عائلاتهم، وربما كان ذلك من باب أن الصحف الأكثر انتشارا في المغرب تنتمي إلى أحزاب المعارضة السابقة التي أصبحت اليوم في الحكومة، لذلك تنبت إثارة الموضوع تفاديًا للإحراج، غير أن هذا لم يكن كافيًا لإعفاء الأحزاب المغربية التي لوحت دائمًا بقضية حقوق الإنسان من إثارة وضعية مكونات المجتمع المدني التونسي ومعاناتها، فمواكبة وسائل الإعلام الفرنسية والألمانية مثلًا لزيارة الرئيس التونسي لبدليهما في وقت سابق لم تمنعهما من إثارة ملف حقوق الإنسان في تونس، وأن تبلغ لضيفها التونسي خطابًا مفاده أن صرح التنمية لا يمكن تشييده على ركيزة الاقتصاد وحدها، بل لابد من احترام حقوق الإنسان معها، وانتهاج الديمقراطية في الحكم.ومع مظاهر نجاح هذه الزيارة في إذابة الجليد الذي ظل متراكمًا بين البلدين يؤكد مسؤول تونسي قائلًا: «العلاقات بين تونس والرباط لم يسبق لها أبدًا أن كانت جيدة»، ويضيف قائلًا: «يجب تجنب أن تتلاشى فرحة اللقاء بسرعة، كما كان الحال دائمًا في الماضي».