العنوان ثروات الأهداف.. هل نعيشها؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 19-نوفمبر-2011
مشاهدات 69
نشر في العدد 1977
نشر في الصفحة 41
السبت 19-نوفمبر-2011
الأهداف ليست فقط ضرورية لتحفيزنا ولكنها أيضا شيء أساسي يبقينا أحياء (روبرت إتش شولر).. وإنك بتحديدك لأهدافك تربح ثروة لا تساويها مليارات الأرض كلها : لأنك تربح بذلك حياتك نفسها، وهي لا تقدر بثمن، كما تقول كيندي ... الثروة الوحيدة التي تستحق أن تجدها هي أن يكون لك هدف في الحياة .. أو كما يقول ، هاري كمب .. ليس الفقير هو من لا يمتلك مالاً، ولكن الفقير هو من لا يمتلك حلما .. أيها المؤمن، هذه بعض الأرباح العظيمة التي تحوزها إذا قمت بتحديد أهدافك:
1- تناغم مع الكون وإلا.. اكتئب تأمل في الكون من حولك، انظر إلى مخلوقات الله تعالى الشمس القمر النجوم.. كل هذه الإبداعات الإلهية، إنما يحكمها ناموس رباني واحد : ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (40) ﴾ (يس: 40)، فكل منها خلق المهمة وهدف واضح ومحدد يسعى إلى تحقيقه بأمر من المدبر الحكيم. يقول تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ﴾ (يس: 38)، وأما القمر ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىعَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (يس: 39)، والنجوم ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (13) (النحل: 13).. وهكذا سائر المخلوقات كل يسعى إلى هدفه الواضح المحدد، إلا الكسالى من بني الإنسان الذين يستمرنون الكسل والطعام والمنام. وما ألعن قول الخانعين:
إنما الدنيا طعام وشراب ومنام *** فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
فاربأ بنفسك أيها المؤمن أن تشذ عن هذا الكون بأن تعيش في هذه الحياة وأنت ابن يومك، لا تحدد هدفك، ولا تملك رسالة أو رؤية واضحة لحياتك وعندها تحس بالغربة والوحشة، ثم تصاب بالاكتئاب وأنت ترى الناجحين يحققون الآمال والإنجازات وأنت لا تزال تراوح مكانك.
٢- كن إنسانا: اسمح لي أن أقص عليك قصة كثير من الناس، قيل: إن حياة الإنسان تتلخص في أنه ولد ثم تربى في بيت والديه ودخل المدرسة فلما أنهى دراسته الثانوية قالوا له إن مجموعك هذا يدخلك الكلية الفلانية فدخلها، فلما تخرج فيها قالوا له: إن تقديرك هذا يتيح لك العمل في الوظيفة الفلانية، فتقدم إليها وحصل عليها فعلا، فلما استقر في عمله قالوا له: أن لك اليوم أن تتزوج، وهذه فلانة زوجة مناسبة لك، فتزوجها وأنجب منها أولادا كرر معهم نفس قصته، إلى أن رقد على فراش الموت ومات، ثم دفن ويقي أولاده ليعيشوا نفس القصة.
أيها المؤمن أليست هذه القصة تعبر عن واقع أكثر المسلمين اليوم؟ وإن المرء ليتساءل: ما الفرق بين صاحب هذه القصة وبين باقي الكائنات الحية من غير بني البشر ؟ أليست هذه قصة جميع الأنعام، بعد أن أضاع حياته في أكل وشرب ونوم؟ يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ ( محمد )، ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ (الأعراف 179)، أما الإنسان حقا فهو الذي يعطي لحياته قيمة ومعنى بتحديد رسالة وهدف له فيها .
ذل من يغبط الذليل بعيش *** رب عيش أخف منه الحمام
كل حلم أتى بغير اقتدار *** حجة لاجئ إليها الحمام
من يهن يسهل الهوان عليه *** ما لجرح بميت إيلام
٣- مفتاح النهضة في مناهج الدراسة الغربية للمرحلة الابتدائية، توجد حصة أسبوعية للأطفال تسمى حصة الهدف»، وفيها يعلم المدرسون تلاميذهم الإجابة على هذا السؤال: ما هدفك في الحياة؟ يتكرر هذا السؤال كل أسبوع، في البداية لا يستطيع الأطفال فهمه بدقة، ويعجزون عن الإجابة عنه، ولكن مع الوقت يضطر الطفل تحت إلحاح معلمه أن يجيب عنه، فيقول مثلا أريد أن أصبح أشهر طبيب لأمراض القلب، أو أشهر مهندس كمبيوتر، وبعد ذلك تأتي مرحلة اكتشاف ميول ومهارات الولد ومدى توافقها مع هدفه حتى يصلوا في النهاية إلى تحديد هدف واضح محدد لكل طفل يتوافق مع ميوله وقدراته واستعداداته، ويتطور السؤال الأسبوعي بعد ذلك إلى أن يصبح ماذا فعلت لتحقق هدفك خلال هذا الأسبوع؟ وهكذا يتم توجيه الطفل إلى خطوات عملية بسيطة يتقدم خلالها إلى هدفه، والأهم من ذلك يكبر الهدف مع الطفل ويصير حلمه في الحياة أن يحقق هذا الهدف.
وينشأ ناشئ الفتيان منا *** على ما كان عوده أبوه
وحتى في الإجازة الصيفية ترسل المدرسة إلى أسرة الطفل: إن ابنكم قد اختار هدف كذا وكذا، ومطلوب منكم أن تحاولوا إكسابه المهارات الفلانية خلال الإجازة، وأن تحاسبوه دوماً على مدى تقدمه نحو هدفه، فإذا جاء الموسم الدراسي، تتواصل المتابعة مرة أخرى، وهكذا حتى ينمو الطفل وقد امتلأ كيانه كله بالهدف، فلا يأتي عليه عام التخرج إلا وقد أصبحت لديه كل المهارات والقدرات المطلوبة لإنجاز هدفه، فيصبح تحقيقه لحلمه والذي يصب في نهضة أمته تحصيلا حاصلا.
وما سادت شعوب الأرض إلا *** بتهيئة البنين لذا الصراع
إذا لم يعن بالأشبال قوم *** فنهضة مجدهم رهن انصداع
٤- امتلاك البوصلة: هل تعرف ما البوصلة ؟ قيل: إنها ذلك الاختراع البسيط الذي يتكون من إبرة مغناطيسية تشير دوما نحو اتجاه الشمال، يستخدمها المسافر في الصحراء أو القبطان على سفينته، لتحديد الاتجاه الصحيح للسير، إن الأهداف في الحياة هي بمثابة البوصلة الذاتية لكل إنسان، فهي التي تحدد له الاتجاه الذي ينبغي عليه أن يسلكه في هذه الحياة.
وما كل برق لاح لي يستفزني *** ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
إذا قيل : هذا منهل قلت: قدارى *** ولكن نفس الحر تحتمل الظما
5- إدارة الوقت
الشخص الذي حدد أهدافه في الحياة هو الشخص الوحيد القادر على إدارة وقته بكفاءة واقتدار، بحيث يحقق أقصى استفادة قصوى منه، فإدارة الوقت لا تعني استغلاله وفقط إنما تعني الاستفادة القصوى من الوقت في تحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف، فليس المهم أن تتقدم بسرعة، بل المهم أن يكون تقدمك في الاتجاه الصحيح.
تحديد أهدافنا هو الذي يمكننا من ترتيب أولوياتنا بحيث نستطيع توزيع ما نمتلك من وقت على الأنشطة اليومية، أما الذي لا يمتلك أهدافا واضحة في حياته، فإن وقته يضيع سدى، حتى لو كان يصرفه في أنشطة نافعة مفيدة؛ لأنها لا تعمل في اتجاه أهداف محددة، وكما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله: «ليس العاقل من يعرف الخير من الشر، إنما العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين.
٦- الثقة بالنفس إن تحديدك لأهدافك وسعيك إلى تحقيقها ، سوف يعطيك الشعور بأنك تتحكم في حياتك بإذن الله، فأنت الذي تقرر ماذا تريد وأي اتجاه تسلك، ولا تترك ذلك للظروف وللآخرين يختارون لك حياتك، مما يملؤك شعوراً عارما بالثقة بالنفس والإحساس بالقوة التي أنعم الله بها عليك، كما يقول نيدو كوبين تركيز كل طاقاتك على مجموعة محددة من الأهداف هو الشيء الذي يستطيع أكثر من أي شيء آخر أن يضيف قوة إلى حياتك، وتزداد هذه الثقة عندما ترى نفسك وقد اقتربت يوما بعد يوم من تحقيق أهدافك، وعندها لن يمنعك شيء من بلوغ آمالك، وستجد في نفسك القوة على مواجهة أي عقبة تحول بينك وبينها .. فهل نعيش ذلك؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل