العنوان ثقافة( العدد864)
الكاتب المحرر الثقافي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988
مشاهدات 53
نشر في العدد 864
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 26-أبريل-1988
صدر في باريس الشهر الماضي العدد الأول من مجلة "صوت الإسلام" باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية. وأوضحت المجلة التي تصدر كل ثلاثة أشهر مؤقتًا، في افتتاحيتها، أن هدفها هو إبراز الصورة الحقيقية للإسلام في العالم الغربي، والتصدي للتشويه الذي يسود فهم بعض الأوساط عن الدين الإسلامي. ويشارك في تحرير المجلة عدد من العلماء الفرنسيين الذين اعتنقوا الإسلام، وعدد من كبار المستشرقين الفرنسيين المختصين بشؤون الإسلام.
صدرت مؤخرًا في المغرب دورية ثقافية جديدة باسم «الحوار الأكاديمي والجامعي» تهتم بالثقافة الأدبية والتربوية. وقد تضمن عددها الأول الصادر في يناير 1988 قسمًا أدبيًا تناول قضايا اللغة والسلطة والمنظور السردي ومفهوم الصورة الشعرية وغيرها من الموضوعات اللغوية والتربوية.
تم مؤخرًا بالمركز الإسلامي لباماكو (مالي) توحيد الحروف العربية لكتابة لغتي «الفولار» و «الزرماسونغاي» السائدتين في عدد من البلدان الإفريقية الإسلامية، وفق الخطة التي وضعتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «الإيسيسكو» لإعادة استخدام الحرف العربي في كتابة لغات البلدان الإسلامية.
أصدر مركز الأبحاث للتاريخ والفن والثقافة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في إسطنبول «ببليوغرافيا» حول ترجمة معاني القرآن الكريم إلى 65 لغة عالمية، وستضم الببليوغرافيا تراجم القرآن الكريم منذ اكتشاف المطبعة حتى الوقت الحاضر.
قراءة في كتاب: الفصحى ونظرية الفكر العامي
بقلم د. محمد علي الهاشمي
تتعرض لغتنا العربية الفصحى بين حين وآخر لهجمات وغارات ودعوات تختلف قوةً وضعفًا، وشراسةً ولينًا، ولكنها جميعًا تستهدف الفصحى، لغة القرآن الكريم، وتراث الأمة العربية الإسلامية الذي أَثَّله الأجداد، وأسلموه أمانة مقدسة إلى الأحفاد.
ولم يخلُ قطر عربي من تلك الدعوات التي ذرَّ قرنها في ربوعنا العربية منذ سقطت الخلافة الإسلامية وتوزَّع المستعمرون ممتلكاتها، وتنبه الأعداء المتربصون إلى صمود العربية الفصحى وأثرها في وحدة العرب الفكرية والسياسية والاجتماعية. فتوالت دعواتهم ودعوات عملائهم إلى الكتابة بالعامية بحجة قربها من إفهام الجماهير تارة، ومن أجل الواقعية في الأدب تارة أخرى، وباسم الأدب الشعبي تارة ثالثة، وغايتهم مكشوفة بيِّنة وواضحة، هي إبعاد العرب عن لغتهم وعن قرآنهم وتفتيت وحدتهم، ومسخ أصالتهم، وجرّهم إلى التبعية الذليلة.
لقد هال هؤلاء الأعداء الحاقدين أن يروا العربية الفصحى بمنجاة من قانون تفتيت اللغات الذي أطاح باللاتينية إذ جزَّأها إلى فرنسية وإسبانية وإيطالية.. وأصبحت شعوب هذه اللغات لا تفهم تراثها المكتوب منذ قرنين، لأنه مُدوَّن باللاتينية. وكان من أماني أولئك الأعداء أن يصيب العربية الفصحى ما أصاب اللاتينية، وما كانت الفصحى لتنجو من ذلك القانون، لولا القرآن الكريم الذي وقف عاملًا جبارًا في وجه الخطوب، يدرأ عن العربية عاديات الأيام، ويذود عنها مِحَن اللغات، ويحيطها بسياج منيع من القدسية والتكريم والتعظيم. فبقيت في شتَّى العهود والعصور التي مرت بها أمتنا لغة العلم والفن والأدب، لم تمتد إليها يد بالعبث أو التغيير أو الأذى، حتى في العهود التي حكمتنا فيها سلالات غير عربية، بل بقيت صامدة شامخة نامية، لم تضِقْ عن استيعاب علم، ولم تَزْوَرَّ عن النهوض بفن، ولم يخطر على بال أحد من الحكام أو المحكومين أن يُنحِّيها عن مكانتها المقدسة، ولم يدر في خَلَد مخلوق أن يُحل محلها لغة أخرى، ولو كانت لغة الحاكم غير العربي، بل إن التاريخ ليشهد أن العلماء الأعاجم الذين أحبوا العربية، وأقبلوا على خدمتها، والتأليف فيها أكثر من أن يُحصوا.
هالت الأعداء هذه الحقيقة التاريخية الخالدة، وهي نجاة اللغة العربية الفصحى من قانون تفتيت اللغات الذي فتَّت اللاتينية إلى اللغات الأوروبية السالف ذكرها. فعمدوا إلى تنويع أساليب دعواتهم إلى العامية، لإبعاد العرب والمسلمين عن فصحاهم، وبإبعادهم عن الفصحى إبعادٌ لهم عن القرآن الكريم، وهذا ما يعمل له خصوم الإسلام -ليل نهار- دونما كلل أو ملل.
لقد رأوا فشو اللهجات العامية التخاطبية في كل قطر عربي، وهذا شيء طبيعي، فطمعوا في أن يستقل كل قطر بلهجته العامية التخاطبية. ولا يتحقق ذلك الاستقلال إلا بالاهتمام بتلك اللهجات العامية، وإحلالها محل الفصحى، ومع مرور الأيام تتسع الفروق بين اللهجات، حتى تصبح كل لهجة لغة مستقلة برأسها، لها مفرداتها وقواعدها وأصولها. ويصبح لجزيرة العرب لغة، ولبلاد الشام لغة، وللعراق لغة، ولمصر لغة، ولبلاد المغرب العربي لغة. وبذلك يفرح الأعداء المخططون المتربصون بالعربية الفصحى، ويهللون طربًا معلنين أنه قد أصاب العربية ما أصاب اللاتينية من تفتيت يتبعه تفتيت وحدة العرب والمسلمين.
إنه ليغيظهم أن يروا كل شعب من شعوب الأقطار العربية من المحيط إلى الخليج يتكلم بلهجته العامية التخاطبية التي يبعد بعضها حتى لا يكاد شعب عربي يفهم لهجة شقيقه، فإذا ما جدَّ الجد، واعتلى أحد المنبر، لينشئ خطبة، أو يلقي قصيدة، أو يذيع بيانًا، تدفق لسانه باللغة العربية الفصحى التي يفهمها العرب جميعًا من المحيط إلى الخليج، وهي هي اللغة التي نظم بها امرؤ القيس وزهير وطرفة والنابغة وغيرهم، ونزل بها الوحي الأمين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمفرداتها وقواعدها وأصولها، لم تتغير ولم تتبدل.
إن هذه الحقيقة لتسوء أعداء العربية والإسلام، ومن ثم استمرت محاولاتهم ضرب الفصحى، وستستمر.. ولن تنقطع ما دامت العربية تتناثر دُررًا من فوق المنابر، وتُشْنِف الأسماع عذوبة وسحرًا في دنيا القريض، وتتلقفها الأسماع والقلوب من المحيط إلى الخليج، فتهتز لبيانها المشرق، وتطرب لإيقاع نظمها الجميل.
ولقد وقف القادة الأباة من الغيارى على الفصحى في وجه تلك المحاولات منذ ذرَّ قرنها في ديارنا، فسفهوا دعاوى المبطلين من الأعداء، وجلّوا وجه العربية المشرق الأزهر الآلاء، وسودوا في سبيل ذلك آلاف الصفحات وأراقوا كثيرًا من المداد.
ومن تلك الصيحات الغيورة الجريئة الصادقة «كتاب الفصحى ونظرية الفكر العامي» للدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك وكيل كلية الآداب بجامعة الملك سعود، الذي نال جائزة مكتب التربية العربي لدول الخليج.
فلقد أتيحت لي مطالعة هذا الكتاب القيم، إذ أُحيل إلى عميدة كلية الآداب للبنات بالرياض لقراءته وتقويمه، فألفيته كتابًا ينبض بالغيرة الصادقة على العربية الفصحى، والحرص على الأصالة العربية الإسلامية، والحفاظ على ثقافة الأمة وتراثها.
ولم تستبد بالمؤلف عاطفة الحب للعربية، فتصرفه عن الموضوعية في البحث، بل حرص على أن يبني دراسته لهذه القضية على نصوص قاطعة، فكان بعيدًا فيما وصل إليه من نتائج عن الهوى أو الظن أو الميل.
فقد عرض الاتجاهات المشبوهة نحو العامية في العالم العربي، ووقف عند التنظير للفكر العامي في الجزيرة العربية ودول الخليج، مهد العربية والإسلام، وحذّر من تزايد الاهتمام بالشعر النبطي العامي، وما يترتب على المغالاة فيه من انصراف عن منهل العربية العذب الصافي إلى منهل العامية الأجاج الكدر. وبين فئات محبِّي العامية، والدوافع التي تدفعهم إلى تبنِّي العامية وفكرها وشعرها، مؤكدًا النتائج الضارة لانتشار العامية في البلد الواحد، ومن تلك المضار ما عانته بعض مناطق الجزيرة العربية قبل توحيد المملكة وانتشار التعليم والثقافة فيها، إذ ساءت في تلك المناطق اللهجات العامية واستفحل أمرها، وباعدت بين سكان تلك المناطق، حتى غدا أهل هذه اللهجات لا يفهم بعضهم بعضًا إلا بالإشارة، وهم أبناء بلد واحد فكيف يكون الحال إن سادت العامية في الأقطار المتباعدة؟
والمؤلف لا يأخذ على أحد أحب أن يعبر عن خلجات نفسه بالشعر العامي، ما دام ذلك في حدود التجربة الذاتية والعمل المفرد، أما أن يتزايد الاهتمام بالأدب الشعبي إلى درجة التنظير والتأصيل له، فهذه نُذر الخطر التي ينبغي التنبه لها والحذر منها. وهذا ما نبه إليه المؤلف، وبخاصة اتجاه بعض المثقفين وأصحاب الشهادات العليا من غير الشعراء إلى تمجيد الشعر العامي، والاهتمام بالتنظير للفكر العامي، والتأصيل لعملية الإبداع باللغة العامية، وتحبيذ فكرها.
ذلك أن النظم باللغة العامية على سبيل التفكه والتسلية والتظرف والإطراب شيء، والنظم بها على أنها البديل عن الفصحى شيء آخر، فما نستبدل بأدبنا الفصيح أدبًا شعبيًّا عاميًّا إلا إذا هانت علينا شخصيتنا التراثية العريقة الأصيلة، ورضينا بالشخصية المحلية الضيقة. وإنه لانتكاس ما بعده انتكاس أن يعزف شعب عن ماضيه وتراثه وأصالته، ويتقوقع في حاضره وطارفه وحداثته. فالأمم والشعوب العريقة تعيش بحاضرها وماضيها، وطارفها وتليدها، بما أَثَّله الأجداد وما أبدعه الأحفاد، فلا العكوف على الماضي وحده بمغنٍّ عن الإبداع في الحاضر، ولا الافتتان بالحاضر وحده بهادٍ للأجيال عن ضلالاتها وتخبطاتها وضياعها، ولا بد من الاستهداء بأشعة الماضي الكاشفة المضيئة دروب الحاضر المظلمة الملتوية المليئة بالأشواك، وملاك أمر هذه الأمة، وصلاحها في دينها ودنياها، هو في إحكام التوازن بين الحاضر والماضي، بحيث تنطلق طاقات الإبداع والتجديد في إطار شخصية الأمة وتراثها الأصيل. وهذا ما أكده المؤلف في أكثر فقرات كتابه.
ولم يفت المؤلف أن يلفت الأنظار إلى خصوصية الاتجاه إلى العامية في الجزيرة العربية ودول الخليج، وما تخفي وراءها من مخاطر، تهدد العربية الفصحى والثقافة الإسلامية في قلب بلاد العروبة والإسلام بعد أن أخفقت محاولات الهدَّامين الداعين إلى العامية في الدول العربية الأخرى.
فتحية لمؤلف هذا الكتاب وتحية لمكتب التربية العربي لدول الخليج، الذي منح المؤلف جائزته تقديرًا منه لمضمون الكتاب القيم، وستبقى العربية الفصحى في سياج منيع بفضل الله وحمايته، وبفضل أولئك الذادة عن حياضها من أمثال الدكتور مرزوق بن صنيتان بن تنباك، مؤلف هذا الكتاب، كلما شنَّت عليها غارة، وكلما ذرَّ لدعاة العامية في ديارها قرن.
إعلان
تعلن إدارة معرض الكتاب الإسلامي الرابع عشر في جمعية الإصلاح الاجتماعي عن تمديد استقبال المعرض للزوار يومًا إضافيًّا، بحيث يصبح يوم الأربعاء العاشر من رمضان هو آخر أيام المعرض بدلًا من يوم الثلاثاء.