; ثقافتنا.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان ثقافتنا.. إلى أين؟

الكاتب أ. د. محمد عبد الستار نصار

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996

مشاهدات 80

نشر في العدد 1208

نشر في الصفحة 53

الثلاثاء 16-يوليو-1996

اللقاء من أجل دراسة «الهوية الثقافية«، لأمتنا تكرر كثيرًا في الآونة الأخيرة في أشكال مختلفة، ندوات، مؤتمرات، مقالات، بحوث، دراسات، وهذه الظاهرة في حد ذاتها إنما تعبر عن «القلق» الذي يحياه واقعنا الثقافي، وهو قلق له أسبابه ومبرراته، ذلكم لأن الشرائح الاجتماعية التي تتغذى على الثقافة تجد هناك تباينًا حادًّا في رؤانا الثقافية، وأن مبعث هذا التباين هو عدم التحديد الكافي لمنطلقاتنا وأهدافنا ولا تزال المعركة قائمة، بل حادة بين أنصار القديم والجديد، أو الأصالة والمعاصرة، في كل الألوان الثقافية: الفكر- الأدب- السياسة- الاقتصاد - الفن... إلخ، وكان كل فريق يشعر من داخله انه وحده هو الذي يملك الحقيقة وأن من سواه ليس كذلك، حتى شاع في بيئتنا ما أطلق عليه اسم التكفير السياسي، وهو مصطلح له دلالته التي يمكن أن تقال على كل تباين في وجهات النظر تجاه مكوناتنا الثقافية التي أشرنا إليها.

والحقيقة التي يمكن أن يفرزها هذا الواقع أننا أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن تظل منابرنا الفكرية والثقافية متعددة في ظل مصطلح «التكفير» المشار إليه، وبالضرورة لن نجني من وراء ذلك إلا مجموعة من التباينات الحادة التي تعمق هوة الخلاف أكثر وأكثر، بناء على ادعاء كل »منبر» أنه مَلَكَ الحقيقة وحده، ناهيك عمًا تحدثه العزة بالإثم- في معيار الحق- من غرور كل فريق تجاه الآخرين، حين يترنح في وجدانه أن تخطئة موقفه ليس إلا عزلًا له عن طريق الحياة، وفي حمية هذا الصراع يغيب عن أذهان الجميع- إلا من عصم ربي الحقيقة الباهرة التي تدل على قصور الإنسان في تصوراته لقصورِ ملكاته التي تؤديه إلى تلك التصورات والتي تقرر أن كل بني آدم خطاء وأن خير الخطائين التوابون.

 إن الكبرياء والاستعلاء، وبخاصة إذا كانًا على غير حق ليس من طبائع البشر العاديين الأسوياء إنما من طبائع الشواذ المصابين بالأمراض النفسية هل هناك أدخل في باب المرض النفسي ممن يرنو لهم الحق واضحًا صريحًا، ثم لا يذعنون له؟ إن التاريخ يحدثنا عن هؤلاء في مرارة وشماتة.

وكأنه يريد أن يقول لنا نحن البشر: هذه نتائج ضرورية لموقف هؤلاء المتعالين فاحذروها، ويمكن أن يكون «فرعون» مثلًاً لهؤلاء جميعًا، حين جاءته آيات الله تترى بأن موسى- عليه السلام- إنما يملك الحق كله فيما يدعوه إليه، غير أن كبرياءه وصلفه يحملانه إلى تلك النتيجة المحتومة التي يرددها القرآن الكريم حين قرر أنه عندما أدركه الغرق قال: «أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وهو- لا شك- شكلي، لا ينفع عند معاينة نتيجة الإعراض، من ثم رأينا القرآن الكريم يُعَقِّبُ على هذا الموقف قائلًا: "الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين".

ومن المظاهر الشاذة التي أفرزها هذا التباين الثقافي الهوة السحيقة بين من يسمون أنفسهم بالمثقفين وبين جمهور مجتمعاتنا، ومن هذا يظهر أن القضايا التي تعالجها الثقافة والفكر لا تمس صميم الحياة ومشكلاتها وما تمور به من تناقضات، بل إن شئت فقل إن ثقافتنا تعمق هذه التباينات والتناقضات، وما ذلك إلا لأنها ثقافة لا تعبر عن بيئتها كما ينبغي أن يكون التعبير، بل إنها مجموعة من التيارات المستنبتة خارج واقع أمتنا، هذا إذا استثنينا ذلك الاتجاه المعتدل الذي يتفاعل مع بيئته ويتحسس مشاعرها، ويغوص في وجدانها.

إن أيَّة ثقافةٍ إذا لم تكن معبرة ورائدة لطبيعة البيئة التي نشأت فيها، إنما تكون ثقافة قصيرة النظر، لأنها تغدو شكلًا ثقافيًا لا روح فيه ولا تأثير له، ولو قدر أن يكون لها تأثير فسيكون في القشرة الظاهرة لنفس المجتمع، لا في أعماق وجدانه ومشاعره.

 ومجتمعاتنا العربية الإسلامية هي كذلك من حيث طبيعتها وشكل وجدانها ومشاعرها، الإسلام عقيدتها، التي يتلاءم مع منطق فطرتها وفيض وجدانها وطبيعة حياتها، والعربية بمعناها الصحيح- لا العرقي ولا الجنسي- هي لغة ثقافتها والرابط الجامع بين ألسنة أبنائها، وهي من قبل ومن بعد لغة قرآنها وسنة نبيها، وأي تفسير لها يجاوز هذا التفسير ليس مقبولًا.

إن الحقيقة الغائبة عن أذهان أصحاب الثقافات التي لا تعبر عن حقيقة واقعنا العربي والإسلامي، هي أن الثقافة بمعناها الدقيق ليست من قبيل العلوم التجريبية التي تحكمها قوانين لا تعرف الحدود الزمانية والمكانية، وذلك لأن هذه العلوم تتسم بالموضوعية البحتة من حيث هي كذلك لا من حيث تطبيقاتها وتوظيفها، وإنما أؤكد على هذه النقطة، لأن العلم التجريبي من حيث هو إنما يعني القيمة الموضوعية المحايدة، وأما توظيفه إما لخدمة الإنسان أو لغير ذلك فليس راجعًا لنفس العلم، بل إلى الغاية من تطبيقه، وهذه قضية المفروض فيها أن تحكمها قوانين أخلاقية حتى لا يكون في التقدم العلمي دمار البشرية وهلاكها.

أما القوانين الثقافية- إن صح أن للثقافة قوانين- فهي محلية بيئية كما ألمحنا إلى ذلك، والنتيجة الحتمية لذلك أن محاولة الطغيان على هذه الحقيقة، وتبني ثقافة نبتت في بيئة مغايرة بدعوى عالمية الثقافة وإنسانيتها، إنما تكون محاولات على غير أساس كمن يحرث في البحر أو من يطحن في الهواء.

والتأكيد ما نحن بصدده أقول: لو ذهب أحدنا ممن تعمق في دينه عقيدة وفقها وسلوكًا، وعرف حدود ثقافته التي شكلت وجدانه ومشاعره، إلى بلد آخر ذي ثقافات وتقاليد وأعراف مخالفة، فهل يمكن أن يكون مستريح النفس مطمئن الخاطر؟ أعتقد أن الإجابة هنا ستكون بالنفي المطلق، والعلة في ذلك معروفة كما سبق أن أشرنا.

وأسوق هنا قصة واقعية حدثت لأحد أبناء أمتنا، لقد نشأ في بيئة محافظة ترعى حق الله وحق المجتمع في كل شيء، فكان نبتًا طيبًا من غرس هذه البيئة، غير أنه لم يكن قد نضج بعد عاطفيًا ووجدانيًا، حين سافر إلى إحدى بلاد الفرنجة للحصول على درجة علمية، فصادف بيئة مخالفة للبيئة التي ترعرع في أحضانها، من حيث العادات والتقاليد والأعراف والأخلاق.. إلخ، فماذا حدث له؟ لقد بدأ يتعاطف مع هذه الألوان الثقافية شيئًا فشيئًا، وكلما حلت فيه قيمة من القيم الجديدة كانت على أنقاض قيمة قديمة، وهكذا حتى انتهى به الأمر إلى أن يرى أن الحرية بالمعنى المطلق هي مظهر الوجود الحقيقي للإنسان، ومن ثم فقد أعلن تمرده على الإله، ولما عاد إلى بيئته الأولى بدأ يبشر بالقيم الجديدة التي أعتنقها، ومنها: عدم الإيمان بوجود إله وما كاد زملاؤه الذين يعرفونه من قبل، ويعرفون تدينه وأخلاقياته، يرون منه هذا حتى بدأوا مناقشته فيما يبشر به من قيم، وفي لحظة من لحظات انفعاله بالموقف قال: أقسم بالله العظيم أنه ليس هناك إله، فكان هذا منه كافيًا للدلالة على مدى سطحية ما طرأ على قيمه الأصيلة وأن الثقافة التي أحدثت لديه هذه التصورات لم تكن هي الغذاء الذي ينمي عقيدته وأخلاقه.

فلتتعدد منابرنا الثقافية، ولتختلف رؤانا الفكرية، ولكن في نفس الوقت لا بُدَّ أن تحكمنا قيمنا العليا وغاياتنا القصوى- ومنها أدب الاختلاف- كأناس لهم دينهم وعروبتهم، فإن سارت ثقافتنا في هذا الإطار، تغذي مشاعرنا ووجداناتنا بقيمنا الأصيلة في أشكال وأساليب مختلفة، فمرحبًا بها من ثقافة، ومرحبًا برموزها من مثقفين يقدرون للكلمة قيمتها، وللقلم رسالته وإلا فإلى متى سنظل نردد قيمًا ثقافية غير قيمنا ثم إلى أين سنسير وسوف نسير بأمتنا ومستقبلها الثقافي؟.

هامش:

(*) أستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر

الرابط المختصر :