العنوان ثقب الأوزون:
الكاتب أشرف السيد سالم
تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993
مشاهدات 72
نشر في العدد 1052
نشر في الصفحة 52
الأربعاء 02-يونيو-1993
طرفة تهكمية: استعراض شامل للساحة
العربية
1. السخرية من إلصاق التهم بالمتطرفين
طرفة تهكمية أطلقها بعض الساخرين من إلصاق كل تهمة، وعزو كل مصيبة
تحدث في العالم الإسلامي لمن يسميهم الإعلام «الجماعات الأصولية المتطرفة» تقول:
«صرح مصدر أمني مسؤول في بلد عربي كبير أن تحريات أجهزته أثبتت ضلوع الجماعات
الأصولية المتطرفة في المسؤولية عن ثقب طبقة الأوزون التي تحمي الكرة الأرضية من
الأشعة فوق البنفسجية، وتم القبض على قائد الجناح الفضائي بالتنظيم المتطرف
وأعوانه، وبحوزتهم الأسلحة الفتاكة المستخدمة في الهجوم الآثم، ويجري الآن
استجوابهم تمهيدًا لمحاكمتهم عسكرياً».
تذكرت هذه الطرفة وأنا أقرأ مقالًا مطولًا عن حقوق الإنسان في العالم
العربي والتي عقد لها مؤخرًا مؤتمر غير حكومي بالقاهرة، والذي أعنيه من هذا المقال
الفقرات التي خصصها كاتبه للحديث عن التطرف والإرهاب، والتي كانت خلاصتها أن
التطرف الديني والإرهاب يعوقان مسيرة حقوق الإنسان في العالم العربي، كما يعرقلان
مسيرة التنمية والديمقراطية، بل ومسيرة استرداد الأرض العربية السليبة.
2. مناقشة الطروحات المغلوطة
وحتى لا نتعرض لخلط الأوراق المعتاد فلسنا بصدد الدفاع أو التقييم أو
حتى المناقشة للظاهرة التي اصطلح على تسميتها بالتطرف والإرهاب، بل الهدف هو
المناقشة الموضوعية لهذه الطروحات المغلوطة، والتي قد تصبح -بمضي الوقت ومع
التزييف الإعلامي المعتاد- مسلمات جرياً على عادتنا؛ حيث نكذب الكذبة، ثم نكون أول
من يصدقها.
فإن هذه الكلمات الرنانة عن المسيرات الضخمة للتنمية والديمقراطية
والتحرير وحقوق الإنسان، والتي لا يعوق تقدمها الملموس سوى الهجمة الرجعية
المتخلفة والمتمثلة في الردة الأصولية، إن هذه المقولات التي توحي بأن عالمنا كان
لولا الأصولية واحة غناء للحرية السياسية والرفاهية الاقتصادية والعدالة
الاجتماعية - هي الزيف بعينه، بل الدجل الصراح، فإن هذه القيم المزعومة ظلت
دهورًا، بل ومازالت تمثل للإنسان العربي سرابًا عابرًا في صحراء قاحلة، وهو يتحرق
ظمأ إليها وأحلام نوم ويقظة يسحقها واقع القهر والفساد والاستبداد، هذا الواقع
المرير الذي يسود معظم بلاد المسلمين، وفي العراق، والصومال خير مثال.
3. من المسؤول عن تعويق الحقوق والديمقراطية؟
فإذا كانت الأصولية مسؤولة عن تعويق مسيرة حقوق الإنسان العربي فمن
الذي حرم هذا الإنسان العربي من حقوقه على مدار ما يقرب من نصف قرن في الفترة بين
رحيل المستعمر وظهور الجماعات الأصولية؟ أم أنه كان متمتعًا بها منعمًا فيها حتى
ظهرت تلك الجماعات لتسلبها منه وتحرمه من ثمارها؟
ثم أين هي هذه الديمقراطية في عالم تتسلط على معظم بلاده أنظمة قمعية
تليدة تحكمها بتوجهات شمولية مرقعة من نظریات بائدة، لا تعرف التعددية، ولا تعترف
بالرأي الآخر، وتستدعي من شعوبها البيعة الأبدية عن طريق الوثائق الموقعة بالدم،
واستفتاءات التسعة والتسعين بالمائة، وهتافات المنافقين «بالروح والدم نفديك يا
فلان» فهل هذه هي المسيرة الديمقراطية التي عوقتها الأصولية؟
وأين هي مسيرة التنمية في دول جعلتها حكوماتها المتعاقبة حقل تجارب
لجميع الأفكار الاقتصادية والإدارية والقانونية في التاريخ عمدًا وتسهيلًا؛ لأن
يتحكم في مواردها ثلة من المنتفعين والطفيليين الذين خربوها واستولوا على معظم
خيراتها، بعدما أثقلوها بالديون وما فاض عن خزائنهم أنفق على تدعيم أجهزة القمع
لضمان الأمن والأمان للحكام والأعوان، ثم ألقي للشعوب المطحونة الفتات، ولا بأس من
إغراقهم بالتصريحات الاقتصادية بدلًا من الإصلاحات الاقتصادية، فهل هذه هي مسيرة
التنمية التي عوقتها الأصولية؟
4. تحرير الأرض والسبب الرئيسي للانهزام
أما مسيرة تحرير الأرض العربية السليبة فليت كاتبنا لم يتطرق إليها
حتى لا ينكأ علينا الجراح، أهذه المسيرة أيضًا -يا سيدي- كانت طائرة هادرة تطوي
الأرض، وتمخر عباب البحر، وهي تحمل الشعارات الصادقة بحرق نصف إسرائيل، ثم إلقائها
في البحر، وتقسم ألا تعود إلا بعد أن تبلغ الهدف، وقد كادت تحقق الأمل، وتحرر
الأرض حتى تصدى لها المعوقون الأصوليون فأوقفوا زحفها؟
سادتي، قليلًا من المنطقية ولا يجرمنَّكم كراهيتكم للإسلام
والإسلاميين على التهريف والهرطقة اعتمادًا على ضعف ذاكرة شعوبنا التي نجحتم في
تحويلها إلى مسوخ ببغاوية شائهة، إلا من رحم ربي ممن يوقنون جيدًا أن سبب الواقع
الانهزامي الأليم الذي تعيشه أمتنا إنما يرجع لمن تولوا مقاليد الحكم فيها من
الانقلابيين العملاء الذين ساموا الشعوب أشد صنوف الخسف والعذاب، ثم لمن شايعوهم
وساروا في ركابهم مطبلين ومزمرين من أدعياء الثقافة، ومزيفي الإعلام، وقبل ذلك كله
فإن السبب الرئيسي لما تعانيه الأمة من خزي وهوان هو الصبر الجبان لشعوبها على
هؤلاء وأولئك؛ حتى أصبحوا ألعوبة في أيديهما، وأصبح من السهل إقناعهم بأن
الأصوليين هم سبب حالهم المزري، وأنهم هم الذين سرقوا الونش، وباعوا الترام،
وخرقوا ثقب الأوزون.
اقرأ أيضا:
الاستبداد مظاهره ومواجهته
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل