; ثقب واحد صغير.. لا يكفي | مجلة المجتمع

العنوان ثقب واحد صغير.. لا يكفي

الكاتب أحمد عز الدين

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005

مشاهدات 65

نشر في العدد 1647

نشر في الصفحة 30

السبت 16-أبريل-2005

إذا كان «الرئيس» لم يتخذ بعد قرار الترشح وجمال مبارك ينفي أنه مرشح.. فمن إذن مرشح الحزب الحاكم؟

● فتح ثقب صغير في الجدار الذي يحول دون دخول نسيم الحرية لا يكفي.. المطلوب هدم الجدار حتى يستطيع أكثر من ٧٠ مليون مصري تنسم هواء الحرية.

● لو كانت كل خطوة للإصلاح تحتاج عشرين سنة لإتمامها فإن تعديل باقي مواد الدستور يحتاج إلى قرون تنشأ خلالها متغيرات جديدة وتظل الأجيال المتتالية تنادي بالمطلب نفسه!

تساءل صديقي بعد أن قرأ مقال «عالم الضباب» الذي كتبته الأسبوع الماضي: أراك تتجاهل أهم التغيرات التي تشهدها المنطقة العربية، وهي المتعلقة بما يحدث في مصر كيف لا تكتب عما تمور به نفوس المصريين، وما تحمله الأحداث كل يوم؟

قلت: إن ما تقوله صحيح، وسبب عدم الكتابة هو ما ذكرته في مقدمة ذلك المقال من أن أكثر ما يعاني منه المنشغلون بالشأن السياسي، في محيطنا العربي، غياب المعلومات الدقيقة التي يبنون عليها تحليلهم للوضع القائم، أو يضعون على أساسها توقعاتهم للمستقبل. وهل يكفي أن أرصد بعض ما يجري مما لا يعبر عن كامل الصورة، ولا عن بعضها أحيانًا، بل ربما كان دخانًا من غير نار، ثم أطرح بعض التساؤلات التي قد تزيد الغموض عند القارئ؟ صحيح أن رصد الأحداث هو من أولى مراحل عملية التحليل السياسي، ولكن لا يصح أن نقف عندها ولا نتجاوزها لمراحل الفهم والتفسير والتنبؤ.

قال الصديق لا تجعل ذلك عائقًا يحول دون الكتابة، كما لا ينبغي للقارئ أن يتوقع أن يأتي الغد بكل ما تكتب، فنسبة الخطأ في التوقعات في الحالة التي سبق أن وصفتها مرتفعة جدًا، تزيد على ما نرى في تنبؤات الأحوال الجوية، وتوقعات الأطباء بشأن نجاح عملياتهم الجراحية. وفي كل يوم تقع أخطاء في التنبؤ الجوي وفي غرف العمليات، دون أن يحول ذلك دون تكرار عمليات التنبؤ وتكرار إجراء العمليات الجراحية واستمرار كل في عمله.

قلت: إذن سنكتفي بالحديث عن ماذا حدث دون أن نعد بتقديم إجابة وافية عن السؤالين المهمين: كيف ولماذا؟ وربما نحتار في محاولة توصيف ما حدث بسبب الضباب الذي يحيط بالأحداث، خاصة مع استعراض تسلسل الأحداث، ومحاولة تحديد علاقة الارتباط بينها:

  1. فلقرابة عشرين عامًا كانت هناك مطالب متكررة لتعديل الدستور المصري الصادر عام ۱۹۷۱م، لأسباب جوهرية تتعلق بالتغير الذي شهدته مصر خلال تلك الفترة, وقبلها - على الصعيدين السياسي والاقتصادي, وكان الرفض المتكرر هو الإجابة الرسمية عن تلك المطالب. 

وقبل أسابيع وصف الرئيس مبارك الدعوة لتعديل الدستور بأنها دعوة باطلة، واجتهد كثير من مؤيدي النظام في سرد الحجج التي تجعل فتح باب تعديل الدستور وكأنه فتح لأبواب جهنم واعتبر آخرون - ومنهم د. عبد المنعم سعيد رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية والعضو في لجنة السياسات بالحزب الحاكم - أن قضايا مثل تعديل الدستور أو إطلاق حرية تشكيل الأحزاب والعمل السياسي هي مطالب نخبوية ولو أنها كانت مطالب شعبية لوجدت جماهير تتبناها وتتظاهر من أجلها (بي بي سي أون لاین ۲۹ سبتمبر ۲۰۰۳).

٢- قرر الرئيس فجأة إجراء تعديل بسيط في الدستور يتعلق بمادة واحدة فيه, تخص طريقة اختيار رئيس الجمهورية ليصبح بالانتخاب، وهي خطوة على طريق الألف ميل. لا تكفي وحدها للقول بأن الإصلاح يسير بمعدلات مرضية، فلو كانت كل خطوة تحتاج أكثر من عشرين سنة لإتمامها فإن تعديل باقي مواد الدستور المطلوب تعديلها سيحتاج إلى قرون من الزمان، تنشأ خلالها متغيرات جديدة، وتظل الأجيال المتتالية تنادي بالمطلب نفسه. إن فتح ثقب صغير في الجدار الذي يحول دون دخول نسيم الحرية لا يكفي والمطلوب هو هدم الجدار حتى يستطيع أكثر من ٧٠ مليون مصري تنسم هواء الحرية.

٣- في شهر سبتمبر ۲۰۰۳ وفي ختام المؤتمر السنوي للحزب الوطني الحاكم قدم الرئيس مبارك حزمة من الوعود اعتبرها البعض أنذاك مقدمة لعملية إصلاح وتحديث لم تعرفها مصر منذ عقود, وتطرق خطاب الرئيس إلى قضايا مثل تعديل قانوني الأحزاب السياسية ومباشرة الحقوق السياسية, إلا أنه بعد مرور أكثر من عام ونصف العام، ورغم قرب موعد الانتخابات البرلمانية التي من المفترض أن تتم وفق التعديلات الجديدة، فإن شيئًا لم يتم بشأنها, وقد صرح وزير العدل مؤخرًا (صحيفة الأخبار ٨ أبريل) بأنه تم تكليف لجنة التشريع بالوزارة بأعداد أربعة قوانين لممارسة الحقوق السياسية ومجلسي الشعب والشورى والأحزاب وقال إن اللجنة تبدأ عملها بعد دراسة نتائج لجنة الحوار الوطني التي تشارك فيها جميع الأحزاب!.

٤- رغم فجائية طلب التعديل الدستوري، إلا أننا نقرأ أن الأمر لم يكن وليد اللحظة، فقد نقلت (صحيفة لو فيجارو الفرنسية ٢٥ مارس) عن الرئيس مبارك قوله عما إذا كان قد خضع في هذا السياق لضغوط أمريكية: إن ما يتردد في هذا الشأن غير صحيح، موضحًا أن تعديل الدستور جاء بعد دراسة استمرت عامين، وأنه كان عازمًا على الإعلان عنه في فبراير من العام الماضي... ولم يكشف الرئيس لماذا تأجل الإعلان لمدة عام. 

كما أعلن د. أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس (صحيفة الأهرام ١٥ مارس) أن مبادرة الرئيس بالدعوة إلى تغيير الدستور ثم التفكير فيها منذ فترة، وأعلنت في الوقت المناسب بعد استشارة الجهات المختصة، دون توضيح تلك الجهات، والتي لم يكن من بينها مجلس الشعب الذي فوجئ أعضاؤه بالطلب، ولا الأحزاب السياسية التي انتابها اليأس فقررت إرجاء مطلب تعديل الدستور لما بعد الاستفتاء على رئيس الجمهورية «قبل التحول للانتخاب» فمن يا ترى تلك الجهات المختصة إن لم تكن مجلس الشعب ولا الأحزاب؟

٥- رغم ضيق الوقت المتبقي على موعد الاستحقاق الرئاسي «6 شهور»، ودخول فصل الصيف وإجازة البرلمان، الذي قاربت، فترته على الانتهاء، يصرح د. الباز بأن هناك دراسة تجري حاليًا لانتخاب نائب لرئيس الجمهورية، ليكون الرئيس ونائبه على وفاق من أجل خدمة المصلحة العليا للبلاد،  إلا أن مصادر أخرى قالت إنه تم استبعاد النظر في أي نصوص دستورية تتعلق بطريقة اختيار نائب الرئيس نظرًا لخلو طلب التعديل الذي قدمه الرئيس مبارك من هذا النص، ولو كانت هناك نية للتعديل لشملت هذه المادة أيضًا، وهو ما يعني الإبقاء على سلطة رئيس الجمهورية مطلقة في اختيار نائب له.

● التعديل الدستوري.. عملية معقدة

وما يتم الإعداد له حاليًا بشأن التعديل الدستوري لا يتضمن أي تغيير في المادة الخاصة بمدة الرئاسة ست سنوات، أو في جواز التجديد لمدد أخرى, والتغيير الوحيد هو تحويل الاستفتاء إلى انتخاب وإذا أخذنا في الاعتبار أن عملية التعديل الدستوري تمر بمراحل معقدة فإنه من الصعب الحديث عن تعديلات دستورية أخرى قبل الانتخابات المقبلة، ما لم تكن هناك إرادة صارمة لذلك بحيث تصدر الأوامر، بتسريع الإجراءات وساعتها يمكن لكل شيء أن يتم, ولنقرأ تصريحات د. فتحي سرور رئيس مجلس الشعب عن تعديل مادة واحدة من الدستور (الأهرام ٢٦ مارس) فقد صرح بأنه بعد انقضاء شهر من تاريخ موافقة المجلس على مبدأ تعديل الدستور، ستبدأ اللجنة التشريعية في المجلس بحث مضمون التعديل الدستوري، وقال سرور إن اللجنة ستعقد جلسات استماع للسادة رؤساء الأحزاب الممثلة بالمجلس وبعض أساتذة القانون، وبعض الشخصيات العامة للاستنارة بآرائهم في تحديد مضمون التعديل الدستوري، وذلك إلى جانب أخذ آراء أعضاء اللجنة، ومن يريد الإدلاء برأيه من أعضاء المجلس من خارج أعضاء اللجنة.

وسوف تعد اللجنة، في ضوء حصيلة المناقشات، تقريرًا يتضمن صياغة المادة ٧٦، وسيتم عرض التقرير على مجلس الشورى، وفي ضوء رأي مجلس الشورى سوف تبدأ اللجنة في إعداد تقريرها النهائي الذي يتضمن صياغة المادة ٧٦ من الدستور المعدلة، وسيجري عرض هذا التقرير على مجلس الشعب في جلسة عامة لمناقشته، وإقراره تمهيدًا لعرضه على الاستفتاء العام الذي من المنتظر إجراؤه في مايو المقبل. فهل يعقل بعد ذلك أن يتكرر السيناريو نفسه بخصوص مواد أخرى؟ وكم يستغرق ذلك من الوقت والجهد؟

● وهنا لابد من ملاحظة

تنصب معظم التعليقات على الشروط التي سيضعها ترزية القوانين، لتفريغ التعديل الدستوري من مضمونه، لكن الترزية - كما هي طبيعة عملهم - إنما يفصلون على حسب رغبة صاحب الشأن، وترزية القوانين إنما يفصلون على حسب طلب السلطة. 

٦-  لم يعلن الحزب الحاكم حتى الآن اسم مرشحه لرئاسة الجمهورية، يقول الرئيس مبارك «إنه سيقبل التكليف إذا طلب منه الاستمرار، فيما صرح جمال مبارك في ٢٣ مارس بأن والده لم يتخذ بعد قرارًا بشأن ما إذا كان سيرشح نفسه في الانتخابات المقبلة» علمًا بأن تحديد شخصية المرشح أمر مهم للغاية إذا كان المطلوب إجراء منافسة حرة ونزيهة حتى تستعد مختلف الأطراف وتعرف من ستواجه، وإذا استمر سريان القوانين الحالية لممارسة الحقوق السياسية بما تحمله من نواقص وعيوب وغياب لضمانات الانتخاب «أو أجري تعديل شكلي على تلك القوانين»، وإذا استمرت سيطرة الحزب الحاكم على وسائل الإعلام فإن إجراء الانتخابات في هذه الأجواء والظروف يصبح غير ذي معنى.

7-  كان جمال مبارك طوال الفترة الماضية محور «التكهنات» بأنه سيخلف والده, وإن اختلف المتكهنون في تحديد كيف يتم ذلك؛ فمن قائل إن الولاية المقبلة هي من نصيب الوالد وليس الابن، ومن قائل إن هناك من يرغب في أن يتولى الابن الرئاسة في حياة والده، وهناك من شطح إلى القول بأن الرئيس وابنه سيخوضان المنافسة التي ستكون لصالح الابن، وهي وسيلة ديمقراطية على كل حال يصل بها الابن إلى السلطة، ومن قائل إن الرئيس المقبل هو عمر سليمان رئيس المخابرات على أن يكون جمال مبارك نائبًا له، وهناك من يضيف بأن ذلك سيكون أمرًا مؤقتًا يتبعه تولي جمال مبارك الرئاسة.

وعلى هذا المنوال نسج معظم من تطرق إلى تحديد شخصية الرئيس المقبل في مصر مستشهدين بتصريح من هذا الطرف أو ذاك. فإذا كان الرئيس مبارك لم يتخذ بعد قرار الترشح للانتخابات المقبلة وإذا كان جمال مبارك ينفي أنه مرشح فمن إذن مرشح الحزب الحاكم؟ ولماذا يتأخر الإعلان عنه؟

● ظاهرة صحية أم مرضية؟

قد يعلق البعض على كل ما سبق بأنه دليل على حيوية عملية اتخاذ القرار، وتعدد المراكز التي تكون مهمتها إنضاج القرارات.. وتترك اتخاذ القرارات لصاحب السلطة، وليت الأمر يكون كذلك، ولكن ما نراه يعكس حالة من تعدد مراكز جذب القرار، كل طرف يجذب في اتجاه، وهو ما حاول البعض تفسيره بطريقة تحفظ للسلطة مكانتها فأشاروا إلى وجود تيارين داخل الحزب الحاكم الأول ليبرالي يرغب في تبني الإصلاحات حتى منتهاها، وآخر بيروقراطي قد يتوقف أمام الكثير منها، بينما لم يتورع البعض الآخر عن القول بأن النظام يتصرف بطريقة مرتبكة، وأن الخطوة المفاجئة بتعديل الدستور مجرد محاولة لإعطاء إيحاء بالتنازل للمطالب الشعبية، وأن الإصلاح في مصر سيتأخر لأنه يأتي من الداخل، بينما الإصلاح الذي يريده النظام هو الإصلاح الشكلي المفروض من الخارج.

الرابط المختصر :