; ثلاثة مسامير في نعش نبيه بري | مجلة المجتمع

العنوان ثلاثة مسامير في نعش نبيه بري

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 772

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 24-يونيو-1986

  • التنسيق مع يهود، والخضوع لمخابرات سوريا، وحرب المخيمات.

في مطلع شهر أبريل «نيسان» الماضي كشف راديو العدو الصهيوني في نشرته العبرية أن سفينتين من سلاح البحرية الإسرائيلي قامتا بتفريغ أطنان من الأسلحة والمعدات العسكرية على شواطئ الأوزاعي وذلك على مدار ثلاثة أيام متتالية، وقامت جماعات «أمل» بنقل المُعدات والأسلحة الإسرائيلية أثناء الليل ووضعت في مستودعاتها العسكرية في ضواحي بيروت، من هذه الأسلحة مدافع رشاشة ثقيلة ومتوسطة وسيارات جيب وأجهزة اتصال ومدافع هاون عيار ۱۲۰ و160 ملم ومدافع 106 ملم محمولة وكمية كبيرة من الذخائر.

وكشفت التقارير أن اليهود عرضوا على نبيه بري تزويده بأربع طائرات عمودية هجومية مع كميات كبيرة من صواريخ جو - أرض وقنابل النابالم إلا أنه رفض العرض حتى لا ينكشف أمره، وطلب من اليهود بدلًا من ذلك أن يزودوه بقذائف مدفعية من النوع الفوسفوري الذي تنتجه شركة «سولتان» الإسرائيلية، وكذلك صواريخ مضادة للدروع. 

وكشفت التقارير كذلك أن مسئولًا عسكريًّا إسرائيليًّا كبيرًا زار بيروت سرًّا بعد ذلك برفقته مسئولو حركة أمل في جنوب لبنان؛ حيث عقد مع كبار مسئولي حركة «أمل» ثلاثة اجتماعات، دار البحث فيها حول الصراع العسكري بين «أمل» والمنظمات الفلسطينية، وقد سلم المسئول الإسرائيلي رسالة هامة لبري من وزير الحرب الإسرائيلي إسحاق رابين.

بعد ذلك أعلنت حركة «أمل» إنها ألقت القبض على مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين قُرب مدينة صور، وهي المجموعة التي أطلقت عدة صواريخ كاتيوشا على مستوطنة كريات شمونة قبل إلقاء القبض عليهم بيوم واحد. 

وفي يوم 22/4/1986 أي بعد عشرة أيام أذاع راديو العدو الصهيوني باللغة العبرية أن عدد هؤلاء المقاتلين الفلسطينيين أربعة من حركة «فتح»، سلمتهم قيادة حركة «أمل» في جنوب لبنان إلى قيادة المنطقة الشمالية الإسرائيلية، وأن مسئولي حركة أمل قاموا بتسليم الأسلحة الشخصية الخاصة بالمقاتلين الأربعة لقائد المنطقة الشمالية «أوري أور». وأضاف الراديو أن هذه ليست المرة الأولى التي يقدم فيها قادة ومسئولو حركة «أمل» في جنوب لبنان على تسليم مقاتلين فلسطينيين إلى السُّلطات العسكرية الإسرائيلية في الشمال، فمنذ اندلاع الحرب اللبنانية عام ١٩٨٢ «يقصد الغزو الإسرائيل للبنان» سلمت «أمل» لإسرائيل عشرات المقاتلين الفلسطينيين من مختلف المنظمات الفلسطينية.

وفي باريس ذكرت مصادر دبلوماسية أمريكية في منتصف شهر يونيو «حزيران» الجاري أن الخارجية الأمريكية تلقت تقريرًا من «إسرائيل» يشير إلى بدء اتصالات ومفاوضات سرية بين الجيش الإسرائيلي برئاسة الجنرال يوسفي بيليد قائد المنطقة الشمالية وبين حركة «أمل» تهدف إلى وضع مناطق الجنوب اللبناني من الحزام الأمني جنوبًا إلى صيدًا شمالًا تحت سيطرة قوات «أمل».

وأضافت المصادر أن الاتصالات والمفاوضات السرية هذه كانت قد بدأت قبل حوالي سنة، لكنها توقفت الفترة بعد شروط حركة «أمل» بحل «جيش لبنان الجنوبي»، واعتبار حركة «أمل» القوة العسكرية الرئيسية والوحيدة في المنطقة.

وكان قادة حركة أمل في جنوب لبنان قد طلبوا بأن يبادر الجيش الإسرائيلي بدفع رواتب مالية شهرية لأفراد «أمل» العاملين في مناطق الجنوب أُسوة بجنود «جيش لبنان الجنوبي»، على اعتبار أن قوات «أمل» بمثابة جيش دفاع ثانٍ لحماية الحدود والمستوطنات الإسرائيلية! وأوضح التقرير أن جهات قوية وافقت على سيطرة قوات «أمل» على مناطق الجنوب اللبناني حسبما تريد «إسرائيل». 

وفي نفس الوقت أي في منتصف هذا الشهر بثت وكالة «رويتر» مقابلة أجراها «أنطوان لحد» مع راديو العدو قال فيها:

إن «جيش لبنان الجنوبي» سيكون مستعدًا لتسليم زمام السيطرة على «المنطقة الأمنية» إلى ميليشيات «أمل» إذا توصلت «أمل» إلى اتفاق أمني مع «إسرائيل».

وكان وزير الدفاع الإسرائيلي إسحاق رابين قد قال: إن «إسرائيل» يمكن أن تسحب بعضًا من قواتها الباقية، وتقدر بحوالي ٨٠٠ جندي ورجل أمن من جنوب لبنان، إذا وافقت حركة «أمل» على تحمل مسؤولية منع وقوع أي هجمات عبر الحدود. 

وفي مقابلة أجراها صحفيون أجانب يتخذون من الكيان الصهيوني مقرًا لهم قال «داود داود» المسئول السياسي لميليشيا «أمل» في جنوب لبنان ومعه «عبد المجيد صالح» أحد مسئولي «أمل» في الجنوب: إنهما لن يقبلا العودة إلى أوضاع ما قبل ۱۹۸۲ عندما كان لمنظمة التحرير الفلسطينية وحدات مدفعية كبيرة في جنوب لبنان. 

وفي نظر «داود» إنه من الأفضل عقد اتفاق مع تل أبيب على غرار اتفاقية سيناء الأولى، أو على غرار اتفاق فك الاشتباك الذي تم توقيعه مع دمشق وتل أبيب عام ١٩٧٤ برعاية هنري كيسنجر.

  • هل يتمرد مقاتلو أمل على بري؟

كل هذه الوقائع والاجتماعات والتصريحات والمقابلات جرت قبيل حرب المخيمات الثانية وأثناءها وبعدها، لها علاقة دون أدنى شك بحرب المخيمات التي كان «نبيه بري» واجهتها المكشوفة، ولكن المحركين من وراء ستارهم أقوى بكثير من نبيه بري، ولكن هذه الأداة الطبيعة أثبتت فشلها حتى الآن، وللمرة الثانية في تحقيق المُهمات الموكلة إليها، وبدلًا من أن يبسط نبيه بري سيطرته على غرب بيروت وعلى الجنوب اللبناني معًا تمهيدًا لقيام دويلات الطوائف المتحالفة مع الكيان اليهودي في فلسطين، والخاضعة لنفوذه والمدمرة لكل أمل في تحرير فلسطين أو وحدة العرب أو نهضة المسلمين أو تطبيق شرع الله في الأرض.

ولكن.. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)، فحرب المخيمات الأولى، وحرب المخيمات الثانية كانت من عوامل التشقق داخل حركة «أمل» فقد ابتعد الكثيرون من أتباع نبيه بري بسبب هذه الحرب ضد الفلسطينيين وبسبب خدماته التي لا يكن إخفاؤها للكيان اليهودي في فلسطين، وبسبب الهيمنة التي لا تُطاق للمخابرات السورية، وبسبب حربه على المسلمين باسم الطائفية المقيتة أو الوطنية الزائفة. 

وهكذا ظهرت كوادر وعناصر من داخل «أمل» ترفض إطلاق النار على الفلسطينيين، وتسهل وصول أسلحتهم وعناصرهم إلى لبنان وإلى المخيمات المحاصرة. كما ظهرت كوادر وعناصر ترفض تقديم الخدمات للكيان الإسرائيلي وتصر على مقاتلة اليهود ليس فقط داخل الأراضي اللبنانية وإنما داخل فلسطين ذاتها، وحتى يتم تحريرها. وظهرت كوادر وعناصر ترفض الخيار السوري المتناقض في لبنان الذي تحالف مع كافة الفئات وضرب كافة الفئات. 

ومن يمر بمطار بيروت يرى بوضوح كيف يسيطر المقدم أحمد حلوم من الاستخبارات السورية على مسئول «أمل» في المطار غسان سبلاني.

ولقد برز التناقض واضحًا داخل حركة «أمل» بعد عودة مسئولي «أمل» و «حزب الله» من زيارة لإیران أواخر شهر فبراير «شباط» الماضي. فالمعلومات تتحدث عن توتر العلاقة بين نبيه بري وداود داود الذي تحدث في احتفال تأبيني أُقيم في «طورا» بالجنوب عن «حمى الاستيزار والاستنواب بحيث إن الجميع كانوا يقولون بسورية الأسد، والأسد العربي، وإلى ما هنالك من ألقاب» ثم يقول بأسلوب ساخر ومليء بالمرارة: «على سورية أن تكون معنا لا أن تكون معها».

ويقول العقيد عاكف حيدر رئيس المكتب السياسي لحركة «أمل» أمام الخاصة من رجاله: «إن نبيه بري صنيع الفُرص في دخوله طرفًا في الصراعات المذهبية والإقليمية، وجعل أزمة أمل جزءًا من أزمة السياسة السورية في علاقاتها باللبنانيين. وإذا استمرت هذه السياسة فإن ذلك سيعني انفجارًا كبيرًا لن يكون أقل من ذلك الذي شهدته ميليشيا «القوات اللبنانية».

وإذا كان نبيه بري قد ظهر فجأة وسلطت عليه الأضواء، فانبهرت به بعض العيون، فلقد آن لهذا الدعي أن يسقط بعد أن تحالف مع كل أعداء الإسلام ولبنان وفلسطين في آنٍ واحد، وكان آخر هؤلاء الحُلفاء إيلي حبيقه «بطل» مجازر صبرا وشاتيلا الأولى الذي سقط.

إن الأحداث على الساحة اللبنانية تتفاعل، وحرب المخيمات مظهر من مظاهر هذا التفاعل، ومع كل المآسي التي يلاقيها الفلسطينيون واللبنانيون على أرض لبنان وعلى أرض فلسطين، فإن هنالك بوارق أمل تلوح من هنا وهناك، تعلن عن بروز تيار جهادي إسلامي يشق طريقه بين المسلمين من أبناء لبنان وفلسطين، ولذلك تتسارع المؤامرة وتتغير أدوات التنفيذ، ولكن ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (الصف: 8).

الرابط المختصر :