العنوان ثلاث خطوات رئيسة لفتح الأندلس في رمضان
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2013
مشاهدات 69
نشر في العدد 2062
نشر في الصفحة 30
السبت 20-يوليو-2013
- تم فتح الأندلس صلحاً خلال بضع سنوات واستقرت الحياة الإسلامية هناك حتى غدا المسلمون نحو ٩٥ من المجتمع أكثرهم من أهل البلاد
- طارق بن زياد بربري مجاهد يعشق ايمانه ويتمنى إعلاء راياته
- في رمضان كان عبور موسى بن نصير الإسناد طارق في إتمام الفتح وقد التقيا قرب طليطلة
- جميع الحملات الفتح أتمت مهامها في شهر رمضان
ذكرنا أن موسى بن نصير وجه حملة استكشافية بقيادة طريف بن مالك، مكونة من خمسمائة جندي رحلوا من مدينة سبتة عبر مضيق جبل طارق ليرسو بسفنه في رأس أرضي ناتي في المحيط الأطلسي عرف باسمه Tarifa، وعاد إلى موسى بالأخبار السارة، في رمضان سنة ٩١هـ (۷۱۰م).
وعلى ضوء المعلومات التي جاءت بها حملة طريف بدأ التجهيز الفعلي للحملة الحاسمة، تلاحظ أن ترتيبات الحملة كانت فيها عجائب كل منها تحمل من المدلولات ما له أهمية كبرى ومضامين تفصح عن نوعية البناء الإسلامي قد لا تحتاج إلى شروح منها:
- أن هذه الحملة الفاصلة تاريخياً انطلقت مثل سابقتها من مدينة سبتة التي لم تكن محررة ( مفتوحة)، حيث كان يحكمها يليان Julian من قبل القوط، بينما طنجةTange ، الواقعة على فم المضيق من جهة المحيط الأطلسي... سبق فتحها من قبل عقبة بن نافع (٦٣هـ / ٦٨٣م) قبل نحو ثلاثين عاما .
- أن جميع الحملات التي انطلقت للقيام وإتمام الفتح العظيم، أتمت مهماتها في رمضان، فهل كان ذلك محسوباً ابتداء تبركا وإظهارا لمعانيه ومقامه وأيامه واستنزالا لعون الله تعالى فيه استكثارا للأجر واحتفاء واقترانا ؟
- كانت حملات الفتح الثلاث من الحكمة والإحكام والإعداد والإبرام وحسن الترتيب كأنها حبات في عقد كريم، زاه بالقيم العليا والهمم المثلى والإرادة الأملى تثير العجب والإعجاب بهذا الإقدام الذي حبب إليهم الفداء يتسابقون فيه إلى الاستشهاد من كل باب.
هكذا تبدأ التحضيرات لعمليات الفتح جالب الأنوار لهذه الديار ..كانت حملة طارق بعد الحملة الاستكشافية.. جرى التحضير لها بكل الخبرة والدقة وعلو الهمة، حيث تقرر إرسال الأفواج المتتابعة من سبتة لتنزل في جبل طارق، وكان آخرها الفوج الذي فيه طارق بن زياد لعله بين رجب وشعبان، وطارق بربري شهم مجاهد شجاع مغوار، يعشق إيمانه، ويتمنى إعلاء راياته.
وتثبيت أعلامه حيث استطاع.. كان أمير الحامية الإسلامية في طنجة وعمره ثمانية. وعشرون عاما، خبره الوالي الأمير موسى بن نصير في فتوحات المغرب.. لم يكن تعيينه من قبل الخلافة، رغم ما كان من توافر غيره من المسلمين الآخرين (العرب) أهل الخبرة والسابقة والفقه والمواقف والمشاركات الكثيرة والسن العالية والأدوار البانية، لا بد أنه كانت هناك معان به قدمه الأمير، لم يعترض أحد على ذلك أبدا.
هكذا كان عبور هذه الأفواج التي لا أعرف عددها ولا شيئا مما يتعلق بها، وكيف كانت تنزل في الجانب الإسباني؟ وكيف كانت تواجه وتواجه؟ لا أملك من أخبار ذلك إلا أقل من القليل.
رؤيا طارق بن زیاد
أتصور تخيلاً لطارق فاره الطول أبيض مثل ثيابه أشقر الشعر، أزرق العينين يلبس العمامة بذا بتها فوق ظهره.. انظروا وقرروا : من ياترى إذا هؤلاء الذين كانوا في رؤيا رسول الله ﷺ الثانية؟ يؤكد ابن حزم أنهم فاتحو الأندلس.. حدث ما حدث وقت عبوره المضيق، ذلك أنه لدى عبور طارق مع آخر الأفواج في حملته تلك (٥ رجب سنة ٩٢هـ / ۷۱۱م) أو تكون قد بدأ التحضير لها وجرى لها ما جرى فكانت بين رجب وشعبان (1)، حين أخذته غفوة - خلال عبوره المضيق الذي سمي والجبل باسمه مضيق Giblartar جبل طارق رأى الرسول في رؤيا يوصيه بمن معه والرفق بأهل البلاد، ورأى الصحابة يمشون على الماء تصديقاً للرؤيا الأولى.. كانوا في عبورهم ملوكا على الأسرة، في ثقتهم وتمكنهم.. كان انتصارا عظيما .. كانت المعركة في شهر رمضان من ذاك العام.
في رمضان كذلك كان عبور موسى معاونة لطارق في إتمام الفتح، حيث التقيا قرب طليطلة العاصمة يومها بعد استراحة دراسة لوضع بقية ترتيبات الفتح، انطلقا بجيشهما لإتمام فتح شبه الجزيرة، يستقر الحال لتغدو الأندلس بلدا مسلما بدخول غالبية أهله الإسلام باختيارهم ويصبحون جزءا من أمته الخيرية يبنون حياتهم على شريعته، ويقيمون أكبر وأروع وأرحم حضارة عرفتها البشرية مشاركة مع أجزاء العالم الإسلامي الأخرى، أورثت الحياة الحاضرة ما لديها اليوم مما تنعم به من الخيرات المباركة، التي أساءت أحياناً استعمالها بابتعادها عن منابعها ومنابتها ومحاضنها.
كان ذلك الفتح العظيم في رمضان المبارك معركة قامت عليها القلة القليلة بقيادة طارق، تلتها بعدها بسنة في رمضانها كذلك، حملة قادها موسى بن نصير الترسو سفن حملته في الجزيرة الخضراء Algeciras.
إذا كانت من بركات رمضان سنة (91 هـ / 710م) في الحملة الاستكشافية بقيادة طريف بن مالك، تلك المنجزات التي حملت الأخبار السارة التي جلبت الفتح: فتح القلوب لشرع الله المبين، وحملة طارق التي أنجزت الفصل الأول منه في النصر الكبير في رمضانه سنة ٩٢هـ (نحو ۷۱۱/۷/۲۰م) التالي الذي أسس لما يليه، كانت حملة موسى بن نصير الرمضانية سنة (٩٣هـ / 712م)، كأنها احتفال بهذا النصر الذي تقوم بإتمامه بالتعاون مع السابقات، لتحتفل ببناء أول مسجد في إسبانيا لعله تم في رمضان من نفس العام، إشهارا بإسلاميتها يا وإعلانا وإعلاء بالنداء الخالد من على مئذنة مسجده: مسجد الرايات في الجزيرة الخضراء، دليلا على أن كل ذلك يتم نشرا الهداية الإنسان تلك هي مهمة الفتوحات من أكبر الطرائف واللطائف أنه كان مع الجيش الفاتح واحد من الصحابة، يسمونه المنيذر الأفريقي ومجموعة غير قليلة من التابعين منهم موسى بن نصير نفسه.
آثار وثمار واعتبار: يجري توقف قليل الإلقاء نظرة تكاد تكون ملازمة لهذا الحدث الكبير، فيما كان له من آثار كبار وثمار ة واعتبار أراد الله سبحانه وتعالى أن تتم م لتحدث تغييراً فريداً في العالم ومستقبله ي وكرائمه الحضارية الإنسانية البارة، بمدلولات باهرة جاهرة تقتضي حسن النظر في أبعادها حين تعرض سليمة علمية الوجهة متأنية الأحكام عالية التوثيق، بذلك يمكن أن ترى منجزات هذا الدين بمنهجه الرباني القرآني الفريد ينثر خيره على الإنسان حتى وهو عنه بعيد بل وعنيد، خيره دائم على العالمين .... فكيف حين يأخذ ويحيا به منهجا لحياته إيمانا واحتساباً قائماً بذاته.
صورة ممهورة، ذات طابع مرقوم له أهمية ممتدة عالية المقام في نظرة شاملة لترابط عقود التاريخ الإسلامي والأندلسي.. يجري ذلك بكل ما فيه من مضامين مهندية متماسكة الأطراف، وإن اختلفت طُعُومُها، تُسْقَى بماء واحد
يتخللها رمضان الكريم، يطل عليها ببركاته الربانية التي ما برحت تحفه بمعانيها ونفحاتها المتضوعة بالعبق الميمون الذي لا ينضب.
فرقان.. وفرقان
يتمتع شهر رمضان بمكانة عظيمة في الحياة الإسلامية وحضارتها وتاريخها، ينتصب متصدرا فيها بدله ودلاله ودلالته وقوامته وأحداثه وشعائره التي تلف كامل الحياة الإسلامية ومجرياتها، اعتباراً سامياً كبيرا منحه الله تعالى إياه، فيه كان نزول القرآن العظيم الذي يمثل أكبر الأحداث الأرضية في حياة الأمة المسلمة وعموم البشرية، لأهل الأرض أجمعين..
إذ أوحاه الله إلى الرسول الكريم ابتداء يوم الإثنين السابع عشر من رمضان السنة الأولى للبعثة و﴿ شهرُ رَمَضَانُ الذي أنزل فيه الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتِ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانَ ﴾(البقرة: ۱۸۵)... فرض الله تعالى الصيام في شعبان السنة الثانية للهجرة، قبل غزوة بدر الكبرى بنحو شهر .. كانت معركة بدر صباح سابع عشر رمضان السنة الثانية للهجرة (نحو ٦٢٤/٤/١٨م).. تعتبر بدر معركة فاصلة في مجمل التاريخ الإنساني فضلا عن التاريخ الإسلامي كله، ماضيه وحاضره ومستقبله، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. الانتصار فيها انتصار الإسلام الكبير المفتوح له ما بعده لعل توافق الفرقان تاريخ أول نزول القرآن الكريم مع الفرقان، في بدر الكبري.. ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانَ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾ (الأنفال)، له مدلوله المتعانق.. بذلك سار رمضان مع الإسلام حيث سار، تقبل عليه الأمم والشعوب إذ رأت معاني هذا الدين في أهله.. أقبل عليه أهل المغرب وحملوه مع إخوانهم إلى الأندلس، عُبَرُوا مضيق جبل طارق، كان الفتح العظيم.. حيث نجد هنا شهر رمضان بنكهته الأندلسية الذكية المتميزة.
الأندلس لم يُحرم من هذا الاقتران في فتوحاته المتنوعة وباكورتها الفتح الأندلسي العظيم، بين المسلمين بقيادة طارق بن زياد وإمارة موسى بن نصير وبين القوط الغربيين: الأمة العسكرية التي لم تعرف الهزيمة من قبل.. سبقتها قبل عام حملة استكشافية بقيادة مالك بن طريف في رمضان سنة 11هـ .. في السنة التالية، تم اللقاء الحاسم في المعركة الأولىالكبرى، حول مدينة شنونة (Medina Sidonia)استمرت في الثامن والعشرين من رمضان سنة ٩٢هـ. (۷۱۱/۷/۱۷ام)، حيث: كانت الملاقاة يوم الأحد لليلتين بقينا من شهر رمضان.. اتصلت الحرب بينهم إلى يوم الأحد لخمس خلون من شوال بعد تتمة ثمانية أيام، ثم هزم الله المشركين..
كان هذا الانتصار له ما بعده، جعله الله تعالى العمر من أكثر من أسبوع، ابتدأت ريض الغربي بداية مباركة من بركات الشهر الكريم، انتصار له مذاقه وأهميته وآثاره الشاملة أراده الله سبحانه وهيا أسبابه ..كان الفتح الأندلسي المبارك متنوع الثمار على العالم، مسلمه وغير مسلمه..به كانت بداية إقامة حضارة إنسانية عظمي ما تزال البشرية تنعم بآثارها .. هكذا يمكن رؤية هذا الاقتران المبارك بوضوح كامل.
استمر الأمر حتى فتحت شبه الجزيرة الإيبيرية، صلحا، خلال بضع سنوات. مما جعل بعض الدارسين الإسبان يصف هذا الفتح التحرري التحريري الإنقاذي الحضاري الإنساني بأنواع النعوت ثناء عليه، حيث يمكن القول: إن المسلمين الأولين لم ينقلوا الإسلام إلى الأمم، ولكن نقلوا الأمم إلى الإسلام، إن الأمم أقبلت على اعتناق الإسلام اقتناعاً.
بذلك استقرت الحياة الإسلامية في الأندلس، حتى غدت مسلمة الأندلس تكون نحو ٩٥% من المجتمع، أكثرهم من أهل البلاد.
الهامش:
(1) التاريخ الأندلسي (×)، ص ٥١ وللأحداث تفاصيل ليس هنا موضع شرحها.