العنوان ثلاث مفاجآت في عملية السلام في السودن
الكاتب حاتم حسن مبروك
تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003
مشاهدات 54
نشر في العدد 1580
نشر في الصفحة 28
السبت 13-ديسمبر-2003
حفلت الأيام الماضية بوقوع ثلاثة أحداث مهمة ومفاجئة للرأي العام بخصوص تحقيق السلام في السودان، اثنتان منها إيجابيتان والثالثة سلبية -إن صح التعبير- ولم يتكهن بوقوعها أحد في الوسط السياسي.
المفاجأة الأولى: كانت في مدينة «جدة» السعودية حيث وقعت الحكومة السودانية ومثلها النائب الأول للرئيس علي عثمان طه، وزعيم التجمع الوطني المعارض ومثله محمد عثمان الميرغني يوم 4 ديسمبر على «اتفاق إطاري» لتحقيق الأمن والاستقرار في السودان.
وطوال السنوات الماضية لم يكن تحقيق مثل هذا الاتفاق في متناول اليد لكثرة الخلافات وبعد الشقة بين الحكومة والتجمع الوطني المعارض في الخارج بقيادة زعيم الحزب، الذي ظل الزعيم الحزبي الوحيد الذي لم يحضر إلى السودان أو يتحالف مع الحكومة منذ 13 عامًا، على خلاف ما حدث من زعيم حزب الأمة الصادق المهدي، أو مبارك الفاضل، أو أحمد الميرغني شقيق محمد الميرغني، وكذلك عودة الشيخ عمر محمد الأمين العام لتنظيم «البجا» في شرق السودان وآخرين غيرهم.
وقد أكد الطرفان في الاتفاق على عدة أمور منها دعم اتفاق «مشاكوس» الموقع بين الحكومة وحركة قرنق، ووحدة السودان، وحق تقرير المصير للجنوب وعلاقة الدين بالدولة، وتكوين حكومة قومية، وحرية العمل السياسي الجماهيري في إطار تعددية حزبية، ونبذ العنف، والتداول السلمي للسلطة، وقومية القوات المسلحة، واستقلال لجنة الانتخابات ولجان مراجعة الدستور، وعدم التفرقة بين المواطنين على أساس الدين أو العرق واستقلال القضاء، وإيجاد آلية للحوار بين الحكومة والتجمع الوطني المعارض.
وفي مؤتمر صحفي مشترك أكد علي عثمان طه على جدية حكومته وصدقها في العمل على إسعاد الشعب السوداني وجمع الصف وتوحيد الكلمة، وأن المرحلة المقبلة ستسع الجميع وليس الحكومة والحركة الشعبية فقط، وقال إن هذا الاتفاق هدية الحكومة في العيد للسودانيين، من جهته وصف الميرغني الحوار مع الحكومة بأنه «سوداني خالص»، موضحًا أن الاتفاق خطوة أولى في طريق العودة للسودان، وأن التجمع المعارض ينظر للأمور وفقًا لمصلحة الوطن والمواطن دون نظرة ذاتية أو هوى شخصي.
المفاجاة الثانية: كانت في إرسال الحركة الشعبية لتحرير السودان وفدًا يمثلها لزيارة الخرطوم لأول مرة منذ بداية التمرد قبل عشرين عامًا في الجنوب، في إشارة صريحة لقرب توقيع اتفاق سلام بين الحكومة والحركة ينهي سنوات طويلة من الحرب والدمار وعدم الثقة بين الطرفين.
وقد وصل الوفد إلى مطار الخرطوم بطائرة ليبية يوم 5 ديسمبر وسط استقبال شعبي ورسمي كبيرين، قاده باقان أموم وعبد العزيز الحلو وياسر عرمان الناطق باسم الحركة وبعض القيادات داخل الحركة. وقال جون قرنق زعيم الحركة في بيان له إن زيارة الوفد للخرطوم جاء بمبادرة من الحركة لتأكيد التزامها بالسلام والتحول الديمقراطي بإشراك كافة القوى السياسية عبر الإجماع الوطني، وستنظر الحركة في فتح مكتب لها في الخرطوم.
وقال باقان أموم القائد بالحركة عقب وصوله الخرطوم إن الوفد جاء حاملًا رسالة السلام للشعب السوداني، وأنه حان الأوان لفتح صفحة جديدة تنهي إشكال التهميش والاضطهاد والاحتراب بين السودانيين كافة والتوجه كليًّا نحو السلام والاستقرار عبر تحول ديمقراطي.
من جهتها رحبت الحكومة السودانية بهذه الزيارة وأعطت الضمانات الكافية لأعضائها بحرية الزيارة وعقد اللقاءات الرسمية والشعبية في الخرطوم، وقال د. مصطفى عثمان وزير الخارجية في تصريحات صحفية: إن نظرة الحكومة لهذه الزيارة نظرة إستراتيجية لما يمكن أن تسهم به في بناء الثقة والدفع بعملية السلام، موضحًا أن أعضاء وفد الحركة لم يزوروا السودان منذ عشرين عامًا، وهذه الزيارة فرصة للتعرف على الخرطوم ولإدارة حوار مباشر مع القوى السياسية والاجتماعية لتعزيز فرص التقارب وبما يؤسس لتحقيق الوحدة الوطنية. كما رحب الأمين العام للحزب الحاكم بروفيسور إبراهيم أحمد عمر بالوفد وقال إنهم سعيدون بحضور إخوانهم، وقد استقبلهم الشعب بترحاب وحرارة.
استئناف المفاوضات
من جهة أخرى استأنفت يوم 5 ديسمبر الاجتماعات بين الحكومة السودانية ويمثلها علي عثمان والحركة الشعبية ويمثلها جون قرنق في آخر جولات التفاوض بين الطرفين في كينيا لتحقيق السلام، وسيقوم الطرفان بحسم بقية الملفات المتبقية بينهما وهي تبعية المناطق الثلاث (أبيي- النيل الأزرق وجبال النوبة) للشمال أم الجنوب، وقسمة الثروة والسلطة.
وفي ذات الاتجاه أكد رئيس الوفد علي عثمان طه حرص حكومته وإلتزامها بتحقيق السلام الشامل والعادل باعتباره خيارًا استراتيجيًّا، موضحًا أن الحكومة تدخل الجولة الحالية لتقرير مصلحة أهل السودان جميعًا وليس بذهنية اقتسام الغنائم، وبشر بتحقيق السلام قبل نهاية هذا العام إذا توافر المزيد من الاقتراب الموضوعي من الحقائق دون طمع، وتأسيس الاتفاق القادم على حقائق تعطي كل ذي حق حقه.
المفاجاة الثالثة: كانت إقالة د. غازي صلاح الدين القيادي والمفكر الإسلامي في الحزب الحاكم وأحد أعمدته الذي كان يعمل مستشارًا لرئيس الجمهورية لشئون السلام من موقعه ذلك بمرسوم جمهوري في وقت بدأت بذور جهوده خلال السنوات الماضية لتحقيق السلام في النضوج واقتطاف الثمار، وفي وقت تحتاج إليه الحكومة لدعم وفدها المفاوض.
وقد جاءت توضیحات بیان رئاسة الجمهورية أن د. غازي طلب إقالته من منصبه حسب رغبته، ولكن أحاديث المراقبين تقول بغير ذلك؛ فقد نشرت عدة صحف توضيحات أهمها أن د. غازي عقد لقاء مع د. حسن الترابي زعيم المؤتمر الشعبي المعارض الذي أطلق سراحه قبل فترة قريبة من أجل إعادة بناء الصف الوطني لمواجهة التحديات الماثلة، الأمر الذي جلب عليه سخط قيادات عليا لا ترغب في حدوث أي تقارب بين الحزب الحاكم وحزب الترابي بعد القطيعة والانفصال الشهير بين الطرفين قبل ثلاثة أعوام.
وقد أكد النائب الأول لرئيس الجمهورية على عثمان طه عدم رغبتهم في حدوث تقارب بين الحزب الحاكم وحزب الترابي في لقاء مع قيادات صحفية وإعلامية بالخرطوم بقوله: «أما العلاقة بين المؤتمرين الوطني والشعبي والحديث عنها إنما هو ضرب من الحرث في البحر».
واتهم النائب الأول حزب د. الترابي بأنه لا يدخر وسعًا لإذكاء أوار الفتنة في ولايات دارفور في غرب السودان، ودعاه إلى مراجعة موقفه إن أراد الحفاظ على وجوده في الساحة السياسية لأنهم -الحكومة- لن يسمحوا بأي تحرك يضر بالمصلحة العليا للبلاد، موضحًا أن الاتجاهين متعاكسان ولكن هذا لا يمنع التواصل معهم في إطار قضية السلام.
من جانبه أعلن د. غازي صلاح الدين أنه تقدم باستقالته في وقت سابق إلى رئيس الجمهورية لأسباب كان ولا يزال يراها جوهرية، وتم تجميد الاستقالة بواسطة الأمين العام -السابق- للحزب الحاكم د. إبراهيم أحمد عمر بهدف حماية جهود السلام، موضحًا أنه يتمنى ألا تتأثر محادثات السلام باستقالته، وذكر أنه باق في موقعه داخل الحزب الحاكم.
عملية السلام السودانية بدأت في الاقتراب من الجولة النهائية، مع وجود رغبات أكيدة من الطرفين (الحكومة والحركة) للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الطويلة بعد أن بلغ السيل الزبى بالشعب السوداني الذي ظل يدفع فاتورة الحرب من قوته وأولاده وثرواته والأمل كبير في أن يعطي هذا الاتفاق كل ذي حق حقه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل