; ثورة الإيمان | مجلة المجتمع

العنوان ثورة الإيمان

الكاتب كولن تورنر

تاريخ النشر الثلاثاء 31-مارس-1998

مشاهدات 83

نشر في العدد 1294

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 31-مارس-1998

  • السؤال الذي كشف عجزي ..ومن الإجابة عليه بدأت رحلتي للبحث عن الإسلام.

  • اكتشفت في رسائل الشيخ  سعيد النورسي خطوات محددة يجب على الإنسان اتباعها حتى يكون مسلمًا حقًا

كثيرًا ما أسأل كشخص ولد وترعرع في بريطانيا هذا السؤال:

 ماذا تستطيعون باعتباركم مسلمين. أن تقدموا للغرب؟

 ولكن قبل الإجابة عن هذا السؤال أود أن أسأل سؤالاً:

 أنحن مسلمون لأننا نؤمن بالله تعالى أم نحن نؤمن بالله تعالى لأننا مسلمون؟

لقد خطر ببالي هذا السؤال قبل سنوات خلال اشتراكي في مظاهرة طافت شوارع «لندن» للتنديد بالاحتلال الروسي لأفغانستان، كنت قد اعتنقت الإسلام رسميًّا قبل هذا بسنوات عديدة، ولم تكن هذه هي المظاهرة الأولى التي أشترك فيها.

كانت المظاهرة تردد هتافات: «اخرجي يا روسيا»... «الموت لبريجنيف» «يحيا مسلمو أفغانستان»، وكنا نهتف بهتافاتنا الإسلامية: «الله أكبر» «لا إله إلا الله»

 وعندما اقتربت المظاهرة من نهايتها تقدم نحوي شاب قدم نفسه إلىّ كشخص مهتم بالإسلام... قال لي:.

  • عفوًاً ولكن ما معنى «لا إله إلا الله»؟ 

ودون أي تردد أجبته:

- معناه أنه لا يوجد إله إلا الله 

قال لي:

-أنا لا أسألك أن تترجم الجملة لي... ولكني أود أن أسألك: ماذا تعني هذه الجملة حقاً؟

 وعندما تبين عجزي كان هناك صمت طويل ومحرج.

في تلك الليلة فكرت مليًّا حول جهلي.. ولم يكن يعزيني أن الأغلبية تشاركني في مثل هذا الجهل، بل زاد ذلك من ضيقي

 إذًا فكيف أصبحت مسلمًا؟

 لاشك أنكم سمعتم إحدى نوادر «نصر الدين خوجا» وهي أن صديقًا له مر عليه يومًا فوجده جالسًا وأمامه سلة كبيرة مملوءة بالفلفل الأحمر، وقد احمرت عيناه وانتفختا والماء يسيل من أنفه، والدموع من عينيه. ولكنه وجده -على الرغم من هذا كله -مستمرًا في تناول الفلفل الأحمر، فقال له: -لماذا تعذب نفسك هكذا يا صديقي؟

 أجابه «نصر الدين خوجا» وهو يأكل فلفلة أخرى: 

-لأنني آمل أن أعثر في السلة على فلفلة حلوة.

 لقد كنت في الموقف نفسه.. لم تكن هناك أي أيديولوجية أو أي طراز من طرز المعيشة التي جربتها يمكن أن يكون مشبعًا أو متجاوبًا مع الحاجة الداخلية للإنسان، الحاجة والرغبة في العثور على شيء أفضل، على شيء يستحق أن نعيش من أجله، ولكننا لم نستطع العثور على هذا الشيء... هذا الشيء الذي يتملص من بين أيدينا ويحيرنا، والذي كنا نتوقع أنه في متناول يدنا وقريب منا.

 ولكي أتخلص من أوهام كل مظهر من مظاهر حياتي فقد تركت لندن وتوجهت إلى الشرق الأوسط، لم يكن هذا عملًا اختياريًّا شعوريًّا ولكني استطعت هناك أن أعثر على الفلفل الأحمر الحلو.

 رأيت أن الإسلام يقدم معنى بشكل لا يشبهه أي شيء آخر، فهو يحتوي قوانين لإدارة الدولة، وله نظام اقتصادي، وقواعد تشمل كل منحى من مناحي الحياة اليومية، وهو يخاطب جميع العناصر والشعوب على قدم المساواة، وهو سهل الفهم وواضح.... وعلاوة على ذلك فله إله، إله واحد لا شريك له. هذا الإله الذي كنت أؤمن به من قبل بشكل غامض ومبهم، وهذا ما كنت أريده، لذا فقد قلت: «لا إله إلا الله»، وأصبحت عضوًا في هذا المجتمع، ولأول مرة في حياتي ذقت طعم الانتماء. 

وعادة ما يكون المهتدون متحمسين جدًا لمعرفة كل ما يمكنهم معرفته حول دينهم الجديد وفي أقصر مدة ممكنة، لذا فبعد بضع سنوات من اهتدائي توسعت مكتبتي بسرعة، فقد كان هناك الكثير لأتعلمه، وكانت هناك كتب عديدة مستعدة لتعليمي. كتب حول التاريخ الإسلامي، وحول النظام الاقتصادي للإسلام، وحول مفهوم الدولة في الإسلام، وكتب وكراسات حول القوانين الإسلامية «النظام القانوني في الإسلام»، وعندما رجعت إلى بريطانيا في أوائل عام ۱۹۷۹م لمتابعة دروسي في الجامعة كنت متهيئًا لتقديم الإسلام إلى الغرب والتبشير به.

 رجعت إلى هذه الكتب للعثور على جواب حول السؤال:

 ما معنى لا إله إلا الله؟، ولكني أصبت بخيبة أمل، كانت هذه الكتب حول «الإسلام»، وليس حول «الله»، كان في هذه الكتب كل ما يخطر على بال الإنسان من مواضيع... ولكن الموضوع الأهم لم يكن موجودًا. تقدمت بالسؤال إلى إمام مسجد الجامعة، ولكنه قدم لي عذرًا وتركني ومضى، ولكن أخًا سمع حديثي مع الإمام تقدم مني وقال:

-عندي تفسير ل«لا إله إلا الله»، ونستطيع - إن أحببت- أن نقرأه معًا، وقد تصورت أن هذا التفسير سيكون حوالي عشر أو عشرين صفحة في الأكثر، فإذا به يجاوز خمسة آلاف صفحة، وكما تتوقعون فقد كان مجموعة «رسائل النور» للأستاذ سعيد النورسي.

 كنت أتصور أن رسائل النور ليست إلا رسائل في التصوف، لذا فقد أهملتها، ولكن صديقي هذا قال لي:

-إن رد فعلك هذا نحو رسائل النور ليس إلا نتيجة نظرة ضيقة.

 ومن دون العكازات الفكرية التي كانت كتبي القديمة تقدمها لي، كنت أحس بالضياع وبالجهل، ولكني وجدت في رسائل النور لغة جديدة تمامًا ،ونظرة جديدة.

وعندما لاحظ صديقي اضطرابي وقلقي قال لي:

- لا تقلق إن الكتب التي قرأتها سابقًا، كل له مكانته وفائدته. إنها مثل الجلد، ولكن هذا -وأشار إلى رسالة «الآية الكبرى»- يعد بمثابة الثمرة

 وبدأنا معًا بقراءتها.

 في هذه المرة بدأ كل شيء- بفضل من الله- يستقر في مكانه الصحيح.

كل منا يولد جاهلًا تمام الجهل، ولكن الرغبة في معرفة أنفسنا ومعرفة العالم المحيط بنا رغبة فطرية؛ لذا فإن كلًا منا يجيب بطريقته الخاصة عن أسئلة عديدة أمثال: من أنا؟... ما المكان الذي وجدت نفسي فيه؟... ما وظيفتي هنا؟... من المسؤول عن إيجادي؟.

يجيب عن هذه الأسئلة إما من خلال ملاحظاته ومشاهداته، أو من خلال التقبل للأجوبة المقدمة إليه من قِبل غيره، وعلى ضوء هذه الأجوبة يعين الإنسان طراز عيشه تمامًا في هذه الدنيا، وتتحدد لديه المعايير التي يلتزم بها ويتحرك ضمنها، وما رسالة «الآية الكبرى»، إلا سياحة في هذا الكون برفقة مرشد، وهذا السائح يفتش عن أجوبة لهذه الأسئلة.

 ولا تقدم «الآية الكبرى» الإيمان بالله كبديهية منذ البداية، بل تسير من المخلوق، إلى الخالق، وهي تقرر وتبرهن على أن أي شخص يبحث

بإخلاص عن جواب لهذه الأسئلة.

وينظر إلى الكون المخلوق كما هو وليس كما يرغب فيه أو يتخيله... مثل هذا الشخص سيصل حتمًا إلى نتيجة «لا إله إلا الله»، ذلك لأنه سيرى نظامًا وتناغمًا... جمالًا وتوازنًا... عدالة ورحمة.... ربوبية ورحمة... وسيدرك أن هذه الصفات لا يمكن أن تُعزى إلى المخلوقات نفسها، بل إلى الحق الذي هو مصدر هذا الوجود والكمال، وسيرى أن هذا العالم المخلوق ليس إلا كتاباً لأسمائه الحسنى، وفهرسًا يخبر ويشير إلى خالقه وإلى صاحبه.

وفي رسالة «الطبيعة»، يتوسع بديع الزمان في تفسير« لا إله إلا الله».

إذ يتناول موضوع «السببية» التي هي حجر الأساس للمادية، والعمود الذي شيدت عليه العلوم الحديثة، إن الإيمان بالأسباب أو بالسببية يؤدي إلى تصريحات أو أقوال عديدة مثل: «إنها طبيعية» أو «الطبيعة خلقتها» أو «حدثت صدفة»  إلخ، وضمن حوار ومناقشة يفجِّر سعيد النورسي ويهدم أسطورة السببية، ويكشف بكل وضوح أن المتمسكين بهذه العقيدة ينظرون إلى الكون لا كما يبدو في الحقيقة وفي الواقع، بل كما يحبون هم أن يظهرو أن يبدو حسب تفكيرهم ومزاجهم. 

إن ما يظهره كل مخلوق من العجز وسرعة الزوال والوجود الطارئ، واعتماده الكلي على عوامل موجودة خارج كيانه ليدل دلالة واضحة لا تقبل الشك أو الجدل أنه من المستحيل أن يكون هذا المخلوق هو صاحب ومالك هذه الصفات الظاهرة فيه، فإذا كان الأمر هكذا فهو أعجز من أن يهب الصفات الكاملة والزينة والجمال لمخلوقات مثله أو لمخلوقات أكبر منه.

ولكن الماديين ينظرون إلى هذه الأمور نفسها نظرة مختلفة ومن زاوية مختلفة، ومع أنهم لا ينكرون النظام والدقة والتناغم في هذا الكون،

 إلا أنهم يريدون منا أن نؤمن أنه نشأ من حالة فوضى وتشوش نتيجة صدقة عشوائية، وهم يطلبون منا أيضاً أن نؤمن أن الكون قائم على التفاعلات الميكانيكية للأسباب، ولكن هذه الأسباب التي لا يعرف الماديون ماهيتها بشكل قاطع هي نفسها مخلوقة وعاجزة وجاهلة وزائلة ودون هدف.

والماديون يرون أن هذه الأسباب هي التي أنتجت -وذلك من خلال القوانين التي ظهرت من العدم-  كل مظاهر الدقة والتناغم والتوازن والنظام والجمال التي نراها من حوالينا.

قام بديع الزمان بتحطيم هذه الأساطير والخرافات، فهو لا يني يذكر أنه مادامت جميع الأشياء مرتبطة بعضها مع البعض الآخر فإن هذا يعني أن من أوجد البذرة هو الذي أوجد الزهرة وأنشأها، وبما أن أحدهما مرتبط بالآخر بعلاقات متداخلة، فإن من أوجد الزهرة لابد أنه هو الذي أوجد الشجرة وأنشأها، ونظرًاً لوجود علاقات متداخلة فإن من أوجد الشجرة لابد أنه هو الذي أوجد الغابة وأنشأها... هكذا.

إذًا فإن القادر على خلق ذرة واحدة يجب أن يكون قادرًا على خلق الكون بأجمعه، وهذا ما تعجز الأسباب عن القيام به ولا تطوله أبدًا، ذلكلأن الأسباب عمياء وعاجزة وزائلة ومحتاجة وليس لها أي علم بحاجاتنا.

ويومًا بعد يوم بدأ العديد من العلماء يدركون أن مسايرة النظريات الميكانيكية القديمة لم يعد ممكناً، ذلك لأنه أمام هذا الجمال والروعة، وهذا النظام والتناغم والاتساق وأمام هذا التناظر والغاية فإن محاولة تفسير الخلق استنادًا إلى فكرة الصدفة والسببية أصبحت -وبتسارع كبير- شيئًا لا يمكن الدفاع عنه إلى درجة أن نوبات الهستيريا بدأت تنتاب بعض العلماء الذين بلغ بهم الحنق درجة كبيرة وهم يشاهدون تهاوي وتحطم آلهتهم القديمة.

يقول أحد علماء علم الحياة «البيولوجيا» والبيولوجيا لا يزال من أكثر فروع العلم ميكانيكية:« أليس من الغريب أنني كلما اكتشفت جمالاً أكثر، وتناسقًا أفضل في الكون ازددت قناعة بعبثيته؟

لا يدرك هذا الرجل المسكين أنه إن كان كل شيء عبثًا ودون معنى فإنه -وحياته أيضًا- دون أي معنى.

ويؤكد أيضًا عالم آخر مشهور -هل لي- أن أقول عنه إنه سيئ السمعة -وهو بيولوجي أيضاً أن وجود الكائنات ولاسيما ظاهرة الشكل Phe‏ ‏nomenon of form لا يمكن عزوها أو إرجاعها إلى الحركة العشوائية للأسباب العاجزة والعمياء التي لا تملك شيئًا من العلم ومن المعرفة، وهو ليس العالم الوحيد الذي يفكر على هذا النحو، ولكنه أول عالم مشهور في العالم الغربي يصرح عن رأيه بكل صراحة.

إن النظرية الميكانيكية اليوم قوية ومسيطرة ومتنفذة في التفكير الغربي -ولاسيما في العلوم البيولوجية- إلى درجة أن جميع العلماء يجب أن ينحنوا أمامها ويستسلموا لها إن كانوا راغبين في الاحتفاظ بوظائفهم، وهم مضطرون إلى إعلان ولائهم وإخلاصهم لهذه النظرية أمام الملأ، بينما يهمسون بأرائهم الحقيقية في مجالسهم الخاصة، أي يضطرون إلى إدامة هذه التمثيلية وهذه اللعبة.

إن وجود مثل هذه الآراء المختلفة حول سريان أو عدم سريان نظرية الأسباب وحول صحة هذه النظرية يشير بوضوح إلى أن عزو قوة الخلق

 إلى الطبيعة، أو إلى القوانين الطبيعية ليس نتيجة حتمية وضرورية  للبحث العلمي الموضوعي، بل هو نظرية شخصية لا أكثر ولا أقل.

ونظير هذا، فإن إنكار خالق الكون-  الذي وضع الأسباب الظاهرة، وجعلها ستارًا ليد قدرته- ليس نتيجة منطقية وعقلية، بل هو ميل ورغبة نفسية، والخلاصة أن إسناد الخلق للأسباب - أي النظرية السببية – ليس إلا لعبة وحيلة ماكرة وفجة أراد بها الإنسان أن يوزع ملك الخالق بين المخلوقين لعله يبقى المالك المطلق والحاكم لكل ما يملكه، والمالك المطلق لذاته.

وهكذا ترينا رسائل النور أن هناك خطوات وعمليات محددة يجب إنجازها لكي يكون الإنسان مسلمًا بكل ما في هذه الكلمة من معنى... فمن التأمل إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى التصديق، ومن التصديق إلى الإيمان أو إلى الاعتقاد، ومن الاعتقاد إلى التسليم، ومادامت كل دقيقة جديدة وكل يوم جديد يرينا جوانب جديدة وملامح جديدة من الحقيقة الإلهية فإن هذه العمليات تكون عمليات مستمرة ومتجددة، أي نستطيع القول إن المظاهر الإسلامية الخارجية أي« أشكال العبادات» ثابتة بينما الإيمان في حركة  أي يزداد أو ينقص، وذلك حسب العمليات التي سبق أن ذكرتها، لذا فإن علينا أن نركز اهتمامنا على حقيقة الإيمان، هذه الحقيقة التي ستتبعها حقيقة الإسلام.

لذا فإنني أستطيع أن أقول إنني كنت مسلمًا، ولكني لم أكن مؤمنًا، وإنما كنت أحسبه إيمانًا لم يكن في الحقيقة إلا عدم القابلية للإنكار، أي استحالة الإنكار عندي.

ومع أن بديع الزمان لم يقدم لي الإسلام.. وهذا عمل يستطيع أي شخص القيام به  -إلا أنه قدم لي الإيمان.. إيمان من خلال البحث والتمحيص وليس من خلال التقليد.

الرابط المختصر :