; ثورة الإيمان (1295) | مجلة المجتمع

العنوان ثورة الإيمان (1295)

الكاتب كولن تورنر

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1998

مشاهدات 64

نشر في العدد 1295

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 07-أبريل-1998

استعرض الكاتب في الحلقة السابقة تجربته مع «رسائل النور» لبديع الزمان النورسي، وفي هذه الحلقة يعود ليطرح السؤال مجددًا: ماذا نستطيع نحن المسلمين أن نقدم للغرب)؟

والجواب: كل شيء.. أو لا شيء.. فنحن نملك الإيمان والإسلام وهما كل شيء، ونحن نملك فهما وتفسيرًا معينًا للإسلام الذي هو في كثير من الأحيان لا يسمن ولا يغني من جوع.

أما بالنسبة للكتب التي عرفتني بالإسلام، ولا سيما الكتب التي كتبت مع أخذ الغرب بنظر الاعتبار فهي ليست إلا نوعًا من التبادل الثقافي البريء، ولكن القضية المركزية الثابتة للإيمان إما أهملت تمامًا أو ذكرت هامشيًا.

تكررت كلمة «الله تعالى» في القرآن الكريم 2500 مرة بينما تكررت فيه كلمة الإسلام، أقل من عشر مرات غير أننا نرى أن هذه النسبة عكست في الكتب الإسلامية المعاصرة، ففي القرآن نرى أن النسبة بين الإيمان والإسلام هي (5) إلى (1)، وذلك لصالح الإيمان، بينما نرى أن النسبة بين الإيمان والإسلام في عناوين الكتب الإسلامية المكتوبة باللغة العربية حتى أواخر القرن التاسع عشر في (۳) إلى (٢) لصالح الإسلام، ونرى أن هذه النسبة أصبحت في ستينيات هذا القرن (۱۳) إلى (۱) أي ثلاثة عشر كتابًا يبحث عن الإسلام مقابل كتاب واحد يبحث عن الإيمان، ولاشك أن هذه النسبة زادت في هذه الأيام، والنتيجة الحتمية لهذا هي أن التوجه نحو الغرب تركز في تقديم الإسلام له كنظام وكبديل أيديولوجي، وتم هذا التقديم في الغائب دون الإشارة إلى حقائق الإيمان.

والسبب الآخر في عدم نجاحنا من الاقتراب نصر الغرب هو أننا أسأنا فهم الغرب، فالغرب ليس مجرد وجود سياسي وجغرافي Geopolit ical entity، بل هو أيضًا معني ومجاز Metaphor لأن الغرب كان من الناحية الجغرافية أول بلد شهد عصيانًا وتمردًا ضد الألوهية، وحسب علمنا فالمدنية الغربية المعاصرة هي المدنية الوحيدة التي لا تملك أي عقيدة دينية ظاهرية في قلبها، وهكذا فالغرب معنى ومجاز أو رمز لكسوف شمس العقيدة وخسوف الإيمان رمز لإقصاء الإله.

وبما أن هذا الإقصاء والكسوف لم يعد منحصرًا في الغرب كموقع جغرافي، فإن الإنسان يستطيع أن يقول إنه أينما أقصيت حقائق الإيمان فالغرب موجود هناك لذا يجب النظر إلى الغرب كحالة ذهنية خاصة، وكمرض وكانحراف ويشير بديع الزمان إلى أن السبب الأصلي والجذري لهذا هو «الأنانية»، وعيادة النفس، فمنذ عصر النهضة الأوروبية جعل إنسان الغرب نفسه المرجع والمصدر الوحيد له، والمركز الوحيد للكون حواليه. أي جعل نفسه القسطاس والميزان الوحيد لحياته البائسة.

إن الإنسان الغربي الذي لا يتقبل فكرة أن وظيفته تنحصر في التحليل على الصفات الإلهية باسم الخالق وحسب إرادته ورضاه سبحانه وتعالى. بدلًا من هذا نراه يرغب في إعلان هذه الصفات وكأنها ملك له، ويصرف حياته كلها في محاولة إدخالها ضمن ملكيته المتخيلة المزعومة، وفي أثناء حياته بجره بحثه عن اللانهائي إلى منافسة حادة مبل مدينة في أحيان كثيرة مع أبناء جنسه.

ومما يزيد من ضرام الرغبات اللانهائية للإنسان معرفته بأنه محدود وعاجز ومرتبط أي غير مستقل، وأنه سيضطر في يوم من الأيام إلى تسليم كل شيء حسبه وتخيله ملكًا له، وأنه سيواجه الفناء والزوال، وبدلًا من أن تقوده محدوديته ونقصه إلى تذكيره بعجزه وبفقره المطلق، فإنه يحاول التهرب والاختباء من هذه الحقيقة، وذلك بتنويم نفسه تقويمًا مغناطيسيًا.

والإنسان الغربي الذي يحاول الهرب من الأفكار الحزينة حول مصيره النهائي نراه يروم خلق وإخماد ما وهب له وما ركز في فطرته من قابلية على معرفة وحب خالقه على الوصول إلى أنه بحد ذاته ليس بذات شيء. وأنه لا يملك شيئًا.

إن المجتمع الغربي الدنيوي المنهمك في شؤونه الذاتية فقط مصمم ومنظم في جميع مستوياته لكي يعمى الإنسان ويستغفله، ولكي يخفي حقيقة واضحة وهي أن عقيدة الأنانية فشلت في تحقيق وعودها، وأن حقيقة التثليث الدنيوية وهي التقدم بلا حدود، الحرية دون حدود، البهجة دون قيود، أصبحت دون معنى مثلها في ذلك مثل عقيدة التثليث النصرانية التي تبنت قبل قرون، وكذلك ليخفي حقيقة أن مبدأ الإنسانية الدنيوية Secular humunism الذي يشكل التقدم الاقتصادي والعلمي قاعدته وروحه قد حول الغرب إلى أرض قاحلة من ناحية الروح، وأتلف أجيالًا بعد أجيال، وخربها وأفسدها.

ومع ذلك فإن هناك من بدأ يستيقظ ويدرك أنه كان يعيش في عالم من الوهم والخداع، إذن فمن الضروري أن يحذر هؤلاء من مرض «أنا».

إن من العبث أن نقول لمن ابتلي بهذا المرض أن النظام الاقتصادي الإسلامي هو أفضل نظام أو أن نقول له إن النظام الحقوقي والقانوني للإسلام هو أعدل نظام لأنك لا تستطيع أن تشفي شخصًا مصابًا بمرض السرطان بأن تعطيه سترة جديدة، ولكنه يحتاج إلى تشخيص مصائب وإلى عملية جراحية جذرية وأساسية تعقبها معالجة ومداواة مستمرة.

تتذكرون أني كنت قد صرفت النظر عن رسائل النور في السابق على أساس أنها كتب تصوف وسمعت آخرين يصفونها هكذا أيضًا، ولكن الحقيقة كانت شيئًا آخر، ذلك لأنه ما من إبهام أو غموض في الاختيار البراق والواضح تمامًا الذي يضعه سعيد النورسي أمامنا:

إما إيمان أو إنكار، إما سعادة أبدية أو شقاء أبدى، إما خلاص أو هلاك.. إما جنة أو نار وذلك في هذه الدنيا وفي الآخرة.

كما سمعت من وصف «رسائل النور»، بالثورية، وأنا مع هذا الوصف ولكن ليس بالمفهوم السياسي للكلمة، فهذا غير موجود في رسائل النور، مع أنني متأكد تمامًا أنه لو قام بديع الزمان بالدعوة إلى استعمال العنف لإسقاط الحكومات العلمانية لأصبحت رسائل النور مطلوبة للقراءة في جميع الجامعات الغربية، ولأصبح اسم بديع الزمان اسمًا أحسن أو أجمل أو أشهى في عيون الوسط الغربي من منظر ينقل إليهم من بلد بعيد الآلاف المسلمين الغاضبين الذين يصرخون الموت لأمريكا، ويطالبون بالعودة إلى الشريعة، فالغرب لم يعد بحاجة لإزعاج نفسه حول كيفية تشويه صورة الإسلام، لأننا- نحن المسلمين- تفعل ذلك لهم، ولا يبقى لهم إلا مهمة القيام بتسجيل ذلك على الفيلم بكل بساطة ثم عرضه.

وأنا أتذكر مظاهرة مماثلة شهدتها في بلد تعرف فيه أمريكا بأنها «الشيطان الأكبر»، ولكن الذي أذهلني آنذاك أن أرى أن 70% تقريبًا. من ذلك الزحام كانوا يلبسون الملابس من ماركة ليفيز Levis كما أن أعقاب السجائر التي بقيت بعد انقضاض المظاهرة كانت إما من سجائر «مارلبورو» أو «ونستون»، فكان هناك يدًا تقطع أو تتظاهر بقطع الأربطة التي تقيدنا مع الغرب، وبدأ أخرى تشد هذه الأربطة وتقويها أكثر فأكثر، ومع هذا فنحن لا نزال نقول لقد تكلمنا بما فيه الكفاية وقد حان وقت العمل.

ولكننا في الحقيقة لم نتكلم حتى الآن كل ما عملناه هو أننا عولنا وندبنا وبكينا، ولأننا لم نتكلم، ولم يحدث أحدنا الآخر حديث أخ لأخيه ومؤمن المؤمن ومسلم المسلم باسم الله وبلغة القرآن وبلغة كتاب الخلق فإننا عندما بدأنا بالعمل أخطأنا الطريق، وعملنا دون نظام ودون صلاحية ودون مقياس صحيح، أو مرجع صالح يتخذ كإطار عمل، وهذا هو السبب في أننا في النهاية ثم ننجح في الوصول إلى أي نتائج باقية ودائمة، والغرب يعلم هذا تمام العلم.

الرابط المختصر :