; ثورة تونس: كيف أفشل الشعب التونسي مؤامرة الإضراب العام؟ | مجلة المجتمع

العنوان ثورة تونس: كيف أفشل الشعب التونسي مؤامرة الإضراب العام؟

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 22-ديسمبر-2012

مشاهدات 50

نشر في العدد 2032

نشر في الصفحة 14

السبت 22-ديسمبر-2012

أصدرت نقابة الصحفيين في تونس بيانا تدعو فيه إلى الانخراط في الإضراب ضاربة عرض الحائط بأسس العمل الصحفي المهني.

قام المواطنون ورجال «رابطة حماية الثورة» بدور كبير في توضيح أخطار الإضراب العام على الوضع الاقتصادي وأخطار انهياره.

أدركت قيادات الاتحاد أنها تخوض معركة خاسرة بعد أن أكدت جميع استطلاعات الرأي أن أغلبية الشعب ضد الإضراب.

حققت تونس يوم ١٣ ديسمبر نصرًا مؤزرًا على «الفلول» وأعداء الثورة بمختلف أيديولوجياتهم، ولا سيما الذين لا يعترفون بالثورة، إلى درجة يسبون فيها الشعب ويشعرون بالقرف من أنفسهم (بتعبير بعضهم)، ووصلت بهم الهستيريا إلى درجة إنكار وجود الشعب ذاته بتعبير إحدى وصيفات زوجة المخلوع التي قالت: «ما زلت أضيع وقتي في الكتابة عن شعب غير موجود أصلًا»!

حيث أفشل الشعب مؤامرة الإضراب العام الذي كاد أن يكبد تونس خسائر تزيد على ٧٠٠ مليون دينار (٣٥٠ مليون يورو، وليس ٣٥٠ مليارا كما ورد في نص سابق)، إضافة للصورة السيئة عن تونس التي كانت ستترك آثارها السياسية والاقتصادية والأمنية السلبية على البلاد، ومن بينها أن التونسيين غير مؤهلين للعيش في نظام ديمقراطي، وأن الاستبداد والدكتاتورية مبرران في البلاد العربية، وأن البلاد غير مؤهلة لاستقبال الاستثمارات الدولية؛ مما يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي، وزيادة حدة البطالة والفقر والحرمان.. وكان هذا من أهداف المتآمرين من خلال الإضراب العام الذي كان الحلقة الأخطر في سلسلة التآمر على الشعب، منذ ١٤ يناير ٢٠١١م، والذي هدف إلى حل «رابطة حماية الثورة» بعد كيدهم للسلفيين، ومتاجرتهم بالأوضاع الاجتماعية لفئات واسعة من الشعب، وما يقال عن محاولة إحداث حالة فلتان أمني فاشلة يوم ٢٣ أكتوبر الماضي، بيد أن الشعب كان وفيا لبلاده، وخضع المتآمرون في الأخير لمنطق الثورة.

تحالف الفاسدين:

اصطفت الأحزاب اليسارية و«فلول» النظام المنهار، ممثلة بالخصوص في حزب «نداء تونس» الذي يترأسه الباجي قايد السبسي (من أصول صقلية)، وبعض النقابات مثل نقابة الصحفيين التي أصدرت بيانا تدعو فيه إلى الانخراط في هذا الإضراب العام والعمل على إنجاحه، من خلال تكثيف التغطية الإعلامية لفعالياته وتخصيص النشرات الإخبارية والفضاءات الحوارية لمتابعة تطوراته، ضاربة عرض الحائط بأسس العمل الصحفي، وهو البعد عن الحزبية والتأثير على العاملين في المجال الإعلامي ومحاولة توجيههم، فالصحفي من حقه الإضراب، ومن حقه تغطية الأحداث، ولكنه غير مطالب مهنيًا وقانونيًا بإنجاح أهداف ذلك الحدث؛ لأنه يفترض ألا يكون طرفًا. 

وهناك أطراف نقابية، هددت كل من يعمل يوم الخميس ١٣ ديسمبر بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتزامن ذلك مع الإعلان عن مقتل ضابط في الأمن التونسي على يد مجهولين على الحدود التونسية الجزائرية في مواجهات مع مسلحين لا تزال المعلومات الواردة بخصوص هويتهم شحيحة، وكذلك تهويل إعلامي لحادثة العثور على صندوق في حافلة بولاية القيروان، قدم على أنه قنبلة بينما كان صندوقا لطالب ثانوي كان جزءا من برنامجه الدراسي. 

إلى جانب ذلك، كان هناك ممن يسمون أنفسهم محللين اقتصاديين، من اعتبر الإضراب مفيدا للاقتصاد التونسي -هكذا- ومن اعتبر مبلغ الـ ۷۰۰ مليون دينار زهيدة مقارنة بحجم الإيذاء الذي ستتلقاه الحكومة بزعمهم، في حين رفض الشعب التونسي في معظمه الإضراب، وأعرب الكثير من العاملين في مختلف القطاعات عن تمسكهم بحقهم بالعمل يوم الخميس ١٣ ديسمبر.

كيف فشل الإضراب؟

أولًا: قام رجال «رابطة حماية الثورة بزيارة التجار في أسواقهم والعمال في مصانعهم، وأعلنوا وقوفهم إلى جانبهم، وتعهدوا بحمايتهم إذا ما حاولت أي مليشيات الاعتداء عليهم أو إجبارهم على الإضراب بالقوة، وسلموا لهم أرقام هواتف للاتصال عند الضرورة. 

ثانيًا: قام المواطنون ورجال «رابطة حماية الثورة» يوم الاتحاد من تعليق لافتات تدعو للمشاركة في الثلاثاء ١١ ديسمبر بمنع مليشيات الإضراب، وردوا على عنفهم بكل قوة.

ثالثًا: قام المواطنون ورجال «رابطة حماية الثورة» يوم الأربعاء ١٢ ديسمبر بتوزيع منشورات تدعو لعدم الإضراب حصلت «المجتمع» على نسخ منها، أوضحت ما سينجر عنه الإضراب في حال حدوثه «الإضراب العام خسارة بالمليارات.. يعمق الأزمة المالية.. يضر بالاقتصاد الوطني..».

رابعًا: أصدرت الجمعيات الشرعية، كالجمعية التونسية للأئمة والجمعية التونسية للعلوم الشرعية، وجمعية المصطفى للعلوم الشرعية والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين فرع تونس، وجمعية الخطباء والعلوم الشرعية، ووحدة فقهاء تونس بجامعة الزيتونة، يوم الأربعاء بيانا للحكم الشرعي في  الإضراب، ومما جاء فيه: قرار الإضراب تم بتأثير تيارات سياسية داخل الاتحاد وظفت هياكله لبلوغ مآربها الأيديولوجية ولو على حساب الوطن والأمة، وإن أدى ذلك إلى تدمير البلاد والعباد، وإثارة الفتنة وضرب الصالح العام وتقويض أسس الاقتصاد الوطني.. وانطلاقا من واجبنا الشرعي نعلن عدم جواز الإضراب.

وأكد البيان أن الإضراب وسيلة لا تتعارض مع القواعد العامة للشريعة الإسلامية، طالما انضبطت بالمصلحة العامة قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرَ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة:٢).

وتابع البيان: أما إذا كان الإضراب المزمع القيام به، والذي جاء كرد فعل من قيادة الاتحاد على حادثة لم يقع البت فيها قضائيًا، ولا ذنب للشعب التونسي فيها، فإنه يعتبر من الفساد في الأرض، ولا يجوز شرعا الدعوة إليه، أو الرضا به أو المشاركة فيه.. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف:٥٦).

انتصار تونس:

أدركت قيادات الاتحاد أنها تخوض معركة خاسرة، بعد أن أكدت جميع استطلاعات الرأي أن أغلبية الشعب ضد الإضراب، وأن قوة شعبية هائلة لهم بالمرصاد، ولن تترك مليشيات الاتحاد تجبر هذه المرة كما حصل في مناسبات سابقة العمال والإداريين وغيرهم على الانخراط في الإضراب بالقوة، علاوة على رفض مثقفين وشخصيات اعتبارية كأحمد بن صالح، وأحمد المستيري، وغيرهما مبدأ الإضراب العام وقاموا بواسطات في هذا الخصوص.

لقد كانت الحكومة في موقف قوة، عند المفاوضات مع الاتحاد، يوم الثلاثاء ١١ ديسمبر، فقد رفضت المطلب الرئيس للاتحاد وهو إلغاء رابطة حماية الثورة، وتساءل مستشار رئيس الوزراء لطفي زيتون إبان المحادثات لماذا يقف الاتحاد مع الحوار مع حزب السبسي، ويرفض الحوار مع رابطة حماية الثورة»؟ ولماذا يرفض قانون تحصين الثورة أو العزل السياسي لمن تولى مناصب حزبية في صلب النظام المنهار؟ ومع قوة الرد الشعبي وزخم المظاهرات الرافضة للإضراب، ووجود مطالبين بالمحاسبة من داخل الاتحاد وشبح التعدد النقابي تم إلغاء الإضراب العام يوم ۱۳ ديسمبر ۲۰۱۲م، وهو أهم حدث في تونس هذا العام، ومما جاء في الاتفاق الموقع بين الاتحاد والحكومة تؤكد الحكومة حق النشاط السياسي والمدني والنقابي، وعلى مسؤوليتها دون سواها في حماية هذه الأنشطة وتنديدها بكل مظاهر العنف مهما كانت، دوافعها، ودعت الحكومة لتشكيل لجنة مشتركة للبحث وتقصي الحقائق حول ما حصل من عنف أمام مقر الاتحاد يوم ٤ ديسمبر ۲۰۱۱م، خاصة ما نسب من دور لبعض لجان حماية الثورة، وتشكل هذه اللجنة في غضون ۱۰ أيام من تاريخ إمضاء الاتفاق على أن تنهي أشغالها في أجل لا يتجاوز الشهر، كما دعا البيان إلى التعجيل بالإجراءات القضائية لتتبع كل من تثبت إدانته وفق الإنابة العدلية التي شرعت فيها النيابة العمومية.

وقد كان الاتفاق المعلن في البيان المشترك الذي وقعه من جانب الحكومة وزير الداخلية علي العريض، ووزير الفلاحة محمد بن سالم ووزير الشؤون الاجتماعية خليل الزاوية، ووزير الصحة عبداللطيف المكي، ومستشار رئيس الوزراء، لطفي زيتون ومن جانب الاتحاد نور الدين طبوبي، وكمال سعد، ومحمد المسلمي، وبلقاسم العياري، وحفيظ حفيظ، مجرد أمور بديهية لحفظ ماء وجه قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل وقد أكدت هذه الحادثة أهمية الحضور بمعايير موازين القوى في الساحة السياسية لتغيير المسارات أو توجيهها بقوة الشارع والمسجد، وأعادت التأكيد على مقاييس الحماية والقوة عمومًا في التوجيه القرآني.

الرابط المختصر :