; جاء السفاح، ماذا بعد؟ | مجلة المجتمع

العنوان جاء السفاح، ماذا بعد؟

الكاتب إبراهيم الكندري

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-2001

مشاهدات 60

نشر في العدد 1438

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 13-فبراير-2001

  •     لا معنى لسياسة «انتظار ما سيقدمه شارون» فتلك أفضل هدية نقدمها له

  • «حكومة» المفاوضات العبثية والتهويش بالحرب

  • ٤ خيارات أمام الحكومة الصهيونية الجديدة.. أحلاها مر

المعلم الأهم لتقلبات الرأي العام داخل الكيان الصهيوني منذ مقتل رابين وحتى الآن: «أنه لا يعرف ماذا يريد؟ ولا يثق في ذات الوقت بمن يريد» تحليل هذه المسألة بسيط، فباراك جاء بعد تذمر عام من نتنياهو، ثم جاءت استطلاعات الرأي ترفض باراك وتريد شارون ونتنياهو وبيريز.

المسالة إذن مركبة وقد تتعلق بطبيعة «التجريب» لدى الرأي العام الذي أخرج نتنياهو ثم أخرج باراك ثم يريد الآن تجريب شارون أو ربما بيريز.

هناك جملة من الأزمات دون شك تلتقي عند محور واحد هو «التسوية» أو الثمن المطلوب لها أو في كيفية التعامل معها.

من خلال ذلك ندرك أن فهم أو ثمن التسوية يتراوح بين مدرستين لكلا الأطراف:

الأولى: «مثالية» وتعتقد بإنجاز التسوية، لهذا تراها تتقدم بقوة لنقاش الملفات النهائية، وعندما ينزلون إلى واقع المسألة يدركون صعوبة المسألة، فيرتدون إلى زاوية عكسية كما حصل مع باراك ونتنياهو على سبيل المثال.

الثانية «واقعية» تعتقد بإنجاز التسوية المرحلية فقط، ولهذا تتحدث عن اتفاقات انتقالية جديدة، لعل الزمن أو الأجيال القادمة تحل المسألة، ولعل شارون وبيرز هما من يعبر عن هذا الفهم.

التركيب: طبعًا لا يكفي الحديث عن اتجاهات التفكير فثمة عاملان يتفاعلان ويؤديان إلى بقاء أو تطوير الأزمة السياسية وهما:

  1. نظام الانتخابات المباشرة لرئاسة الوزراء الذي يعزز الشخصية والفردانية لرئيس الوزراء، بينما يعزز المصلحة للأحزاب والاتجاهات الصهيونية.

٢- تركيبة الكنيست الحالية متساوية القوة بين اليمين واليسار، وهي المسؤولة عمليًا عن إسقاط نتنياهو وباراك وغدًا ربما شارون.

الفراغ والصدمة: جاءت انتفاضة الأقصى كرد على النهج المتبع أمريكيًا وصهيونيًا في إنجاز التسوية، والأهم أنها وضعت الرأي العام الصهيوني والفلسطيني على حد سواء بحدود التسوية وآفاقها، وبالتالي أدرك الفريقان أنه لابد من تجريب خيار الانتفاضة والمقاومة من جانب الفلسطينيين، وخيار العنف من جانب الصهاينة كبديل عن «فراغ» عميق حدث في التسوية، أو لعله محاولة تجريب «الصدمة» لكي يدرك الطرفان إمكان المقبول أو المعقول من التسوية بعد دورة «الصدمة» ولكن دورة الصدمة كما هو متوقع خرجت عن المطلوب ضبطه رسميًا وانتقلت الآن لكي يعبر الشعب الفلسطيني عن خياره بالمقاومة، والإتيان بشارون هو تعبير شعبي صهيوني عن عدم تحمله للصدمة، لعل وعسى يأتي بالحل السحري أو الأمن.

أوجه الأزمة

إذن أسباب استمرار الأزمة السياسية والانتخابية تتعلق بالتالي:-

  1. أن الصهاينة لا يعرفون ماذا يريدون ولا يثقون بمن يريدون؟ لأنهم غير قادرين على الوثوق أو وضع أوراقهم جميعًا في سلة شارون أو باراك، وربما خيار «حكومة وحدة» سيحل المشكلة ليس على مستوى التسوية بل في إطالة عمر الحكومة فقط.

  2. اصطدام مثالية التسوية بالواقعية السياسية المعبر عنها بالمقاومة الفلسطينية والشارونية الصهيونية.

  3. انقسام وتشرذم الشعب الصهيوني سواء لاعتبارات مصلحية أو حزبية أو طائفية أو أمنية أو حتى اقتصادية، وهو المعبر عنه بتركيبة الكنيست وزاد في كشفها طريقة الانتخاب الشخصية.

  4. أن وصفة الصدمة في محاولة من أطراف التسوية لإقناع الرأي العام في ضرورة التسوية أو تقبل الحلول الناقصة، أدت إلى مفعول عكسي، ولهذا ليس بعيدًا أن يتطور مستوى الصدمة في ظل حالة الفراغ السياسي إلى حرب محدودة أو مقاومة متطورة أو عنف شديد من قبل شارون.

  5. أن الصهاينة يعانون من التعب الأمني، وقد عبروا عن ذلك في اختيار باراك کمخلص من الوحل اللبناني، وجاءت انتفاضة الأقصى الآن لكي تعجل في كشف هشاشة المجتمع الصهيوني، لهذا جاء اختيار شارون كلجوء من الضعيف والمتعب إلى شخص يعتقد أنه قوي وقادر على جلب الأمن، فالمشكلة ليست بمدى تنازل «باراك» للفلسطينيين بقدر ما تعبر أكثر عن الخوف والهلع الذي ينتاب الصهاينة.

٦ – فلسطينيو ٤٨: فالمظهر هنا يتجلى بالمقاطعة الصريحة والواضحة من قبلهم، والأهمية هنا أن تعاظم شعور «الفلسطنة» مترافق مع سقوط شرك «الأسرلة» لديهم وقد ساهم في ذلك:

  1. الخداع اليساري عن أحلام الوطن الواحد والتعايش المشترك الذي كشفه باراك في انتفاضة الجليل المترافقة مع انتفاضة الأقصى عندما قتل أكثر من ۱۳ فلسطينيًا بدم بارد واعتقل المئات. 

ب – تصاعد التيار الإسلامي والقومي في تأصيل «الفلسطنة».

ج- انكشاف التسوية ووصول حدودها للحظة الحقيقة، وبالتالي شعورهم -أي فلسطينيي «٤٨»- بمدى الفاجعة والكارثة مما خلق لديهم صحوة.

د- وزاد في ذلك ممارسات اليمين الصهيوني ضد الفلسطينيين، سواء بالتصريح أو بالسياسات أو بالإجراءات ضد أصل الوجود الفلسطيني والتشكيك بذلك الدور.

هـ- ممارسات اللامساواة والتمييز المستمر على مدى تاريخ الكيان الصهيوني.

اختبار الموقف الفلسطيني والعربي الرسمي

عبرت مجمل هذه المواقف عن الخوف من قدوم شارون، رغم أننا نلحظ تراجعًا لدى بعضهم عن ذلك، بالحديث تارة عن احترام استحقاقات اللعبة السياسية، أو تارة بالحديث عن انتظار حكم شارون ومن ثم الحكم عليه، وأزمة المواقف «هنا» لا تعبر فقط عن التردد وعدم المعرفة في كيفية التعامل بل إن الخلل الأهم يتلخص بالتالي: 

  1. استعداد العرب الرسميين لانتظار ما سيقدمه شارون حتى يبنوا على أساسه خططهم، وهذا منطق خطير يعطي شارون الفرصة للدفاع عن نفسه أمام المجتمع الدولي. 

  2. تسارع خطوات التسوية في عهد باراك لتثبيت ما قدمه باراك خوفًا من الغول شارون، فتحت هذا الزعم يجري تثبيت خطوط وهمية لحدود المقبول من التسوية تحت سقف المقترحات الأمريكية ، فالخشية القادمة أن تصبح هذه المقترحات أو الخطوط ملزمة لنا وتستخدمها السلطة لإحراج شارون.

  3. الدعوة الصريحة لفلسطينيي «٤٨» من أجل التصويت لصالح باراك تحت سيف الهلع من شارون، والخطورة لا تكمن في التدخل في اللعبة الصهيونية، بل إنها كامنة بطبيعة تسويقنا لباراك الذي لا تزال يداه ملطختين بدمائنا، ناهيك عن أنه لم يقدم شيئًا حقيقيًا لصالح التسوية، كما أن مشروع شارون يتحدث صراحة عن تكريس نظام الفصل العنصري، هذا التسويق الرسمي المفترق مع الموقف الشعبي يزيد من الشكوك حول طبيعة وحقيقة المواقف، وبالتالي مقدرة الموقف الرسمي العربي على الصمود أو الاستمرار بالمقاومة.

من مجمل ذلك نستطيع القول إن الموقف العربي والفلسطيني الرسمي لايزال يعاني من أزمة تتعلق بالارتهان والانتظار للعطاء اليساري الصهيوني، وبالعجز أو عدم الثقة -من الآن- بمقومات الذات وقدرتنا على إحقاق حقوقنا بأنفسنا، وهذه النفسية خطيرة على الحقوق وخطيرة على المقاومة، ولكن ربما خوف شارون قد يعزز شيئًا آخر فيها سواء تحت ضغط الخوف أو تحت ضغط العدوان وبالتالي تحت ضغط الشعوب.

خيارات شارون

فوز شارون سيعزز السيناريوهات والخيارات التالية:

الأول: التقدم نحو الحرب الشاملة ولكن هذا السيناريو ضعيف على الرغم من خلفية شارون العسكرية لثلاثة أسباب مهمة:

  1. عدم توافر بيئة دولية مؤيدة وتحديداً عدم وجود موافقة أمريكية.

  2. عدم استعداد الصهاينة لهذا الخيار، كما أن الكيان الصهيوني لا يمتلك القوة العسكرية للانتصار والحسم، وحتى الكنيست المشرذم لا يستطيع تحمل أو حسم مثل هذه المسألة.

الثاني: التقدم نحو التسوية الشاملة وهذا السيناريو أيضًا ضعيف كون ذلك يتعارض بداهة مع:-

  1. طبيعة تفكير ودعاية شارون وبرنامجه الحزبي الذي أتى على أساسه. 

  2. أن شارون لا يستطيع التقدم أو الموافقة أو فتح الملفات النهائية كما جرى في كامب ديفيد وطابا مؤخرًا. 

    1. السعي لإقامة علاقات عامة مع السلطة والعرب لتحسين صورته وسد الفراغ.

ج- إن أراد شارون التقدم نحو التسوية فائتلافه لن يحرز له ذلك ناهيك عن الكنيست المشرذم.

الثالث: خيار حكومة وحدة صهيونية قد تقوم حكومة وحدة بين اليمين واليسار، ولكن من المشكوك فيه أن تستمر بسبب تشرذم الكنيست بين فئات تعتبر نفسها «وسط» بين اليمين واليسار وأخرى لها مصالح محددة ولكن قيام هذه الحكومة سيخدم باراك كشخص بعدما تدهورت وضعيته داخل حزبه كما يخدم خوف اليسار من حرب قادمة، لهذا يريدون وضع كوابح لشارون عمومًا فإن حكومة الوحدة رهن بأسباب قائمة وزائلة أي ليست ثابتة كما أنه من المشكوك جدًا أن تتقدم هذه الحكومة نحو التسوية بل هي أقرب للحرب الباردة أو المحدودة.

الرابع: خيار الفصل العنصري يدور في فكر شارون وباراك، تطبيق هذا الخيار لجلب الاستقرار المؤقت، أو خلق بديل عن حالة الفراغ وبالتالي عن حالة جمود التسوية، هذا الخيار سعى باراك والآن شارون لتحقيقه عبر الاتفاق مع الفلسطينيين أو فرضه على الفلسطينيين والخطورة أن يقع الفلسطينيون في أهون الشرين.

إذن نستطيع القول إن خيارات شارون في ضوء الصورة السابقة هي:

  1. الضغط على الفلسطينيين عسكريًا للتراجع عن أعمال المقاومة والضغط سياسيًا للقبول بالتبادلية الأمنية أو العلاقات السياسية أو المفاوضات العبثية.

  2. القيام بحرب محدودة سواء داخل أراضي السلطة أو في لبنان أو عند سورية إذا تطورت الأحداث بطريقة دراماتيكية وسريعة.

  3. محاولة الحصول على موافقة السلطة لخطة الفصل مقابل السماح للسلطة بإعلان الدولة، وفي حالة الرفض سينفذ ذلك وحده.

إن قصر أو طول مدة حكومة شارون يحددها نجاحه أو فشله في إقامة علاقات عامة مع السلطة أو فرض حرب على الكيان الصهيوني أو قيام حكومة وحدة وطنية ولكن عمومًا من المشكوك فيه استمرار حكومة شارون نتيجة التفاعلات المعقدة آنفة الذكر.

المطلوب فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا

  1. فترة شارون فرصة ذهبية لتعزيز المقاومة الفلسطينية ومدها بكل أسباب الحياة والقوة والأهم أن يكون هناك تشريع رسمي لكل أشكالها، لأن المقاومة هي الكفيلة باستمرار التراجع الصهيوني والتعجيل بخروجه من الأرض الفلسطينية.

  2. فترة شارون فرصة ذهبية أخرى للعرب والفلسطينيين للانقلاب على قواعد أوسلو القائمة على موازين القوى والأحادية الأمريكية، واستغلال هذا الزمن مهم لصالح إحقاق الحقوق الفلسطينية فبعد سبع سنوات من أوسلو انكشفت حدود التسوية، وعلى العرب التحضير سياسيًا وعسكريًا لمرحلة ما بعد أوسلو.

  3. الحذر من الانسياق في لعبة شارون في المفاوضات العبثية أو اللقاءات المجانية أو إعطاء الفرصة لتحسين صورته بل على الجميع أن يقوم إعلاميًا بالتذكير بمواقفه وتسجيل كل تصريحاته وإشاراته.

  4. الحذر من الانسياق وراء إتمام لعبة باراك في عهد شارون من خلال القبول بالمقترحات الأمريكية أو محادثات كامب ديفيد وطابا الأخيرة، أو اعتبارهما مرجعية التسوية أو سقفها أو أساسها.

  5. ثمة حذر يجب أن يترافق من إمكان وجود ضغط أمريكي على الفلسطينيين والعرب لمجاراة شارون في لعبته نتاج الخوف الأمريكي من تدهور التسوية إلى مفترق حقيقي يكون أوجها حرب محدودة تتطور إلى شاملة.

  6. على الفلسطينيين والعرب التصرف على أساس ما هو أسوأ من شارون، وإعداد الخطط والاستراتيجيات بناء على ذلك، وليس انتظار ما سيأتي به أو سينتج عنه.

  7. على العرب استغلال فترة شارون لتعزيز أعلى درجات التنسيق بينهم وعلى المستوى الشعبي أن يدفع المستوى الرسمي للتقاطع مع آماله عبر ضغط الجماهير في الشارع ضد الاحتلال ومع مساندة قوية للانتفاضة الفلسطينية، وعلى المستوى الرسمي التفكير جديًا هذه المرة باستخدام الأسلحة المتاحة بالقمة القادمة.

  8. على السلطة الفلسطينية -وهذا هو المهم- القيام بتعزيز حقيقي للوحدة الوطنية، والقيام بإصلاح داخلي جذري وفوري، لأنه المقياس الحقيقي على مدى الوعي بمرحلة شارون.

الرابط المختصر :