العنوان جاهلية من جديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
مشاهدات 69
نشر في العدد 463
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 18-ديسمبر-1979
أعلن مؤخرًا عن تكوين جبهة ترعاها ليبيا من أجل تحرير ما دعي بالشعوب البربرية في دول شمال وغرب إفريقيا.
هذه المحاولات وأشباهها ليست غريبة ولا جديدة على المنطقة، فقد كان السبق في إذكائها للاستعمار الفرنسي منذ الثلاثينات تجلى ذلك في مراكز التبشير المسيحي التي أسست في جبال الأطلس بتونس والجزائر والمغرب، وفي جبال تبشي بالتشاد، وصحارى موريتانيا والنيجر والسنغال.
هذه المراكز التي واكبت وصول الاستعمار إلى المنطقة، وكانت برامجها تعتمد فقط على أربعة أقانيم:
1- تبني اللقطاء والأيتام إلى أن يبلغوا سن الزواج وينهوا دراساتهم وينشبوا في الأجهزة الرسمية.
2- تنصيرهم.
3- في تعليمهم ومخاطبتهم على اللغة الفرنسية واللهجة البربرية.
4- وضع قواعد نحوية ولغوية للهجات البربرية وتوحيدها، ثم توجهها -هذه المخططات- باستصدار «الظهير البربرية» بالمغرب، والذي يقضي بتأسيس نوعي من المحاكم:
1- محاكم شرعية خاصة بالعرب.
2- محاكم عرفية خاصة بالبربر بدعوى أن الإسلام «دين العرب» المستعمرين، وأن للبربر أعرافًا خاصة في التقاضي يجب أن يتحاكموا إليها.
لكن هذه المحاولات الماكرة لتفتيت أمة الإسلام باءت كلها بالفشل أمام صمود المسلمين وتشبثهم بدينهم.
بعد حصول المنطقة على الاستقلال أنشئت أحزاب مصطنعة للدعوة البربرية من أجل الوقوف في وجه بعض التيارات السياسية المعادية لحكومات المنطقة ولكنها عجزت عن القيام بما أسست من أجله.
وإنها نجحت في شيء واحد هو إحياء النعرة العرقية، وفتح أبواب المنطقة للاستعمار الجديد، والتعاون مع قدماء خريجي مراكز التبشير المسيحي من الذين نزحوا إلى أوروبا والعمل تحت إشرافهم، وبذلك نستطيع أن نؤكد أن هذه الدعوى البربرية ما هي إلا مطية للاستعمار الجديد والتبشير المسيحي الصليبي بالمنطقة.
هذا كله ليس بالجديد.. ولا بالغريب.
إنما الجديد والغريب هو أن تتوج هذه الدعوة الخطيرة. أعلن عنه من تكوين «جبهة التحرير البربرية» تحت إشراف الجمهورية الليبية وبتمويل منها.
ونحن نعي أن إشراف الجمهورية الليبية على هذه الحركة الدعية قد يضع في يدها وسيلة للضغط على دول المنطقة وتسييرها تبعًا للخط الليبي ومصالحه.. لكن هذه المصلحة العرقية البراجماتية تتعارض مع المصالح العليا لدول المنطقة ومع وجود المسلمين.. ومع المبادئ والشعارات التي ترفعها ليبيا نفسها.
إن الدعوة…إسلاميًا: مرفوضة.. دعوها فإنها منتنة. «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى».
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾.
وعربيًا: إثارة النعرات العرقية تمزيق لوحدة العالم العربي الذي يدعي النظام الليبي أنه يحرص على وحدته.
إثارة النعرات العرقية مضر بقضية العرب الأولى «فلسطين».
إثارة النعرات العرقية وضع العالم العربي بين ثلاث عصبيات: عصبية بربرية في المغرب العربي، وعصبية فارسية في المشرق العربي، وعصبية تركية في الشمال.. وهذا ليس في صالح النظام الليبي الداعي إلى «العروبة»، ولا في مصلحة العرب.
سياسيًا: هذه «البهلوانيات» السياسية لا تساعد في تصفية الجو السياسي عربيًا ولا إسلاميًا، ولا يساعد النظام الليبي نفسه على مواجهة مشاكله الداخلية والخارجية، فهل يعني القائمون على شئون الجمهورية الليبية هذا ويصححوا مسيرتهم على ضوئه؟ ذلك ما نرجوه.. وندعو له.