العنوان جبل أحد .. وتقدير دروس الماضي
الكاتب علاء سعد حسن
تاريخ النشر السبت 22-نوفمبر-2003
مشاهدات 54
نشر في العدد 1578
نشر في الصفحة 52
السبت 22-نوفمبر-2003
في يوم السبت السابع عشر من شوال في العام الثالث للهجرة وقعت غزوة أحد وهي واحدة من أهم الغزوات والمعارك في التاريخ الإسلامي لما احتوته من نتائج ودروس تربوية وعملية عميقة الأثر بعيدة الجذور، غير أننا نركز في هذه السطور على واحد من أعظم هذه الدروس في بعدها النفسي والتربوي في تكوين الشخصية المسلمة.
فقد جرت عادة الناس أن ينسوا أو يتناسوا أخطاء الماضي وأن يتجاهلوا عورات أنفسهم إن بدت لهم، محاولين طمس معالم الخطأ والإنسان الذي يسقط في مرحلة من مراحل حياته في خطأ ما، أو يرسب في اختبار ما من اختبارات الحياة يتجنب ذكر هذه المرحلة وهذه العثرة ويحاول أن يمحوها من ذاكرته، ويكره تذكرها ويكره المواقف والأشخاص التي تذكره بها لما تتركه في النفس من ألم وغصة.
ورغم كون غزوة أحد أو نتيجتها التي أسفرت عنها مصيبة فاجعة، نزلت بالمسلمين كما سماها المولى عز وجل: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا ﴾ (آل عمران: 165) ، وقرح وألم كما وصفها تعالى في قوله: ﴿مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ ﴾ ( آل عمران: 172)، وأن هذه المصيبة قد حلت بالمسلمين نتيجة لمجموعة من الأخطاء ارتكبتها فئة من المسلمين أراد الله تعالى أن يعلمهم من خلال ﴿ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ﴾ (آل عمران: 165)، ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ ۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۚ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 152)
إلا أن الرسول ﷺ كان يحتفي بجبل أحد ويتذكره في كثير من المناسبات، تذكر حب وإجلال حتى قال ﷺ: «أحد جبل يحينا وتحبه»[1]، وقال: «أحد ركن من أركان الجنة»[2]، وقال: «أحد جبل يحبنا ونحبه، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه»[3]،
ويضرب به المثل في المواقف المختلفة ومنها «... ولو كان لك مثل أحد ذهبًا أو مثل جبل أحد ذهبًا تنفقه في سبيل الله ما قبله منك حتى تؤمن بالقدر كله فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطاك لم يكن ليصيبك..»[4].
وقال ﷺ: «من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا، وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط»[5] (٥).
والأحاديث التي ذكرت جبل أحد كثيرة جدًّا، ولقد صعده الرسول ﷺ في مواقف منها أنه صعده ومعه أبو بكر وعمر وعثمان فاهتز بهم فقال ﷺ: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان..» من كل هذه الحفاوة بأحد نستشعر تقدير الرسول ﷺ لدروس الماضي وعبره ومحاولته تذكير أصحابه ما كان فيه من مواطن التربية والتصويب، وهو نفس المسلك الذي سلكه الله مع عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه عندما كان يلقاه مختفيًا فيقول: «أهلًا بمن عاتبني فيه ربي»، وهو نوع من التقدير يتعدى الاعتراف بالخطأ والإذعان للحق إلى الحفاوة والحب للتصحيح والنصح والتوجيه.. فالدرس عند المسلمين تصحيح المسار وانطلاق جديد نحو الهدف والخطأ عندهم ليس نهاية المطاف ولا يحكم من خلاله على فئة ما بالضلال والانحراف، فكل بن آدم خطاء، والخطأ عنده وارد ومقبول بشرط مراجعة النفس ومحاسبتها لتبين الخطأ من الصواب ثم الأوبة إلى هذا الصواب «وخير الخطائين التوابون»، وكذلك تخطئ الجماعات والمجتمعات.
وتصويب الخطأ ومراجعة الذات والاستفادة من الدروس والعبر والعظات عين الصواب، ولذا سجل الله تعالى أخطاء المسلمين يوم أحد، وأعلمهم أن المصيبة هي من عند أنفسهم، ثم صوبهم ووضع لهم قواعد العودة إلى الحق بالتربية والتوجيه، ثم يقرر بأنه تعالى قد غفر لهم وعفا عنهم لأن ما حدث لم يكن نهاية الفئة المسلمة فيقول تعالى: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ۖ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ۗ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 152)، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 155)
فما أحوجنا في مسيرة العمل الإسلامي أن نعي هذا الدرس فنراجع الذات ونقوم الأداء ونرحب بالنصح والتصحيح، ونعود بين فترة وأخرى من السير لنعرض المواقف والأحداث على كتاب الله وسيرة الرسول ﷺ
ومواقف التاريخ لنصوب ما قد يكون اعترانا من أخطاء في الممارسة والتطبيق، وعلينا أن نعي دروس التاريخ بنفس النفسية المحبة المحتفية التي لمسناها في شعور رسول الله نحو جبل أحد، فلا نزور الحقائق أو الوقائع ونجعلها أمام أنفسنا لنهرب من مواجهة الخلل أو تصويب الأخطاء، ولا عيب ولا فضيحة، وها هو القرآن الكريم يتنزل ليصوب ممارسة البشر هم سادة البشر عبر طائفة من التاريخ البشري كله تصويبًا علنيًّا دقيقًا رقيقًا رفيقًا لا يجامل ولا يتحامل، فيبين العلل ويوضح الدواء ثم يشملهم جميعًا بعفوه ومغفرته في قرآن يقرأ، حتى تقوم الساعة دون أن يكون هذا التصويب العلني فضيحة أو انتقاصًا من قدرهم رضي الله عنهم جميعًا.
[1] - رواه أحمد وإسناده حسن.
[2] - رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير.
[3] - في الصحيح باختصار، مجمع الزوائد ج 1/ ص ١٣
[4] - الحديث.. سنن ابن ماجه ج١/ ص ۲۹.
[5] - رواه مسلم.