; جدة.. دورة قرآنية | مجلة المجتمع

العنوان جدة.. دورة قرآنية

الكاتب سلمان فهد العودة

تاريخ النشر السبت 10-ديسمبر-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1980

نشر في الصفحة 56

السبت 10-ديسمبر-2011

جدة... مدينتي الفاضلة، أجد فيها روحي منذ زمن بعيد، لا أعني الفاضلة بالمعيار الأفلاطوني، بل بمعياري العاطفي البحت الذي لا يرى العيوب ولا يرى إلا المحاسن. قضيت فيها الأسبوع كله في عزلة علمية وتدارس قرآني، اقتربت أكثر من هداية القرآن ودلالاته ومعانيه عبر تفسير جزء الأحقاف... واقتربت - أيضًا - من أصدقائي الشباب الجديد: زملاء «تويتر»، و«فيسبوك» الذين وجدتهم جنبا إلى جنب مع أصدقائي السابقين من طلبة العلم والأساتذة والمربين.

كنت سعيدًا بشباب ناهض في ريعانه يغادر مدرسته المتوسطة أو الثانوية أو الجامعة، ثم يرتاح قليلا، ويتهيأ لحضور دورة تفسير تفصلها عنه أميال طويلة تقام في مسجد خادم الحرمين الشريفين.. بعد صلاة المغرب.

كنت سعيدًا بعيون تلاحقني بوعي وانتباه فأستمد منها طاقة جديدة.

وجدت أني أجدد تأهيل نفسي، وأحاول الحفاظ على لياقتي في الإعداد والتحضير والإلقاء واستقبال الشباب، والوقوف لبعض الوقت لإجابة سائل أو الرد على محتاج.

هي الدورة الخامسة، ولست متأكدًا من أن نظام الإلقاء واختيار المعاني والإشراقات متناسق بما يصلح أن يكون منهجا مطردا ولكني مغتبط - بفضل الله ورحمته - أن أعيش مع القرآن وتفسيره وروحانيته، وأعيش تبعا لذلك مع ظروف النزول وطبيعة الحياة المدنية، وتحولات الدعوة من السر إلى العلن ومن الضعف إلى القوة، ومن القلة إلى الكثرة متنقلا ما بين مكة والمدينة متأملا تلك الأجيال الجديدة تتكون، وتتعلم، وتستعد لتحمل تبعات مستقبل موعود.

هنا شباب حمل العلم والعمل والدعوة والهدي الرشيد.. هذه محاضن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وابن مسعود ، ومعاذ بن جبل وأنس، وأترابهم الذين تربوا في ظل الرعاية النبوية وتعاهد الكهول والشيوخ السابقين الذين ضحوا بكل شيء، ضحوا بالوطن وغادروه مختارين وبالعلاقات والصداقات القديمة الراسخة، وبالمال وتعرضوا لأقسى الأخطار والإهانات في سبيل عقيدة آمنوا بها فباعوا أنفسهم لله!

ومن الذي بذل الحياة رخيصة... ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

رأيت مجتمع الإسلام يتكون في مكة ويهاجر - مكرها غير مختار - إلى المدينة ويساكن اليهود، ويعاني كيد المنافقين ويتعرض للإبادة عبر تحالف وثيق بين أهل الكتاب والوثنيين، إضافة إلى الذراع السرية المعنية بنقل الأسرار والمعلومات، وتثبيط الهمم، وتوهين العزائم، وهي تستطيع ذلك لأنها تتظاهر بالإسلام، وتربطها الأواصر بأهله.

رأيت النبي  يقود حربه بشرف ونبل يأبى عليه أن يكشف أسماءهم في قائمة يتداولها الناس، ولو فعل لعلقت في المجامع والمساجد والبيوت، ولكشفت هؤلاء وعرتهم وفصلتهم عن قواعدهم التي يعتمدون عليها وكيف لا وهو المؤيد بخبر السماء؟!

ويصل كيدهم إلى الطعن في حليلته واتهامها في عرضها، وهي غصة يعز على المرء أن يتجاوزها.

وينخزل ركبهم بثلث جيشه في أحد.. فيأبى إلا أن يحافظ على مبادئه وقيمه الربانية معتمدًا على الله الذي قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧).

ورأيت القرآن ينزل بمكة، يدعو وينذر ويحذر، ويقيم الحجج والدلائل، ويوصى بالكف عنهم والصبر، وينعى على الملأ من قريش كبرهم، وعنادهم، ومصادرتهم الحريات الناس في العبادة، ويتوعدهم بعذاب الآخرة إن لم يؤمنوا.

ثم ينتقل المشهد إلى المدينة بعد الهجرة فترى حراكا جديدا، وحالة لم تتفق لهذه الجزيرة من قبل، وقوى تستعد للإطباق والاستئصال المجتمع وليد دون أن تستوعب تغير موازين القوى لغير صالحها، وأنها تعيش حالة من الهرم والشيخوخة والعجز، وتواجه تكوينا شابا غضا متحمسا مؤمنا مستعدًا للبذل والتضحية دون انتظار لنفع عاجل وكانت النتيجة انكسارا مهولا يوم بدر» سجلته آيات بينات، وحكت وقعه أشعار الفريقين.

الخطاب القرآني هنا مختلف تمامًا، فهو يحضر المسلمين للمعركة، ويشد عزائمهم ويحرضهم على الاستبسال والقتال عند المواجهة، ويحذرهم من الدعوة إلى السلم» مادامت معبرة عن الهوان والخوف؛ ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.(محمد: ٣٥).

ويعاتبهم على الأسر قبل الإثخان والإيقاع الموجع بالعدو ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: ٦٧).

اتضح لي أن الخطاب يجب أن يراعي الحاجة، ويستجيب للمتغيرات.

في زمن نفوذ القاعدة، كان الأمر يتطلب تفكيكا لخطاب يتكى على نصوص عامة، ولا يدرك الجو الذي تعمل فيه، والشروط اللازمة لإجرائها.

وفي زمن الحراك العربي وما أدى إليه من تحولات ومواجهات بين قوى المجتمع، وبين قوى السلطة الغاشمة كما في حالة سورية ومن قبلها ليبيا)، تبدو الحاجة ماسة لتفعيل خطاب تعبوي يذكر بالجهاد والاستشهاد ويحض على الإقدام كالخطاب الذي تضمنه القرآن المكي في وقت «بدر»، و«أحد » و الخندق!

والظن أن الصلف الصهيوني سيجعل المسلمين دوما بحاجة لاستحضار هذا اللون من الخطاب التعبوي كي يواجه الطغيان بصبر وإيمان.

والشر إن تلقه بالخير ضقت به ***  ذرعا وإن تلقه بالشر ينحسم

والناس إن تركوا البرهان واعْتَسَفُوا *** فالحرب أجدى على الدنيا من السلم 

ويظل هذا القرآن مصدر قوة هذه الأمة ورشادها، وحكمتها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل