; جدل في مصر حول نظام الانتخابات | مجلة المجتمع

العنوان جدل في مصر حول نظام الانتخابات

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-2001

مشاهدات 69

نشر في العدد 1436

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 30-يناير-2001

•الانتخابات الأخيرة زلزلت أركان الحكم، وكشفت زيف التعددية السياسية المقيدة، وأكدت قوة الإخوان السياسية، وبهذا تنكشف لنا حقيقة المبررات التي تردد كلمة حق يراد بها باطل.

كتب كثير من المراقبين عن دروس الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة، وفتحت النتائج كثيرًا من الملفات الساخنة، وكانت أبرز المحطات التي تناولتها التعليقات: 

-الأداء السيئ للحزب الحاكم وحصوله على (۳۸٪) من المقاعد وفق ترشيحاته، بغض النظر عن الذين انضموا إليه مجبرين أو مهرولين. 

-تدني حصيلة أحزاب المعارضة مجتمعة.

-الأداء المتميز للإخوان المسلمين وحصدهم عددًا من المقاعد يفوق ما جمعته المعارضة جميعًا.

-الصورة السيئة لوزارة الداخلية سواء فيما يتعلق بالجداول الانتخابية أو دور رجال الشرطة خارج اللجان، ومنع وعرقلة الانتخابات خاصة في دوائر مرشحي الإخوان.

-الدور الكبير الذي قام به القضاء حيث نجح في الاختبار الأول بنسبة لا تقل عن (٨٠%) إن لم تزد على ذلك.

وكان أبرز ما تناولته أقلام المعلقين من ملفات ودروس وعبر:

- حال الحياة الحزبية السيئة وضرورة إعادة النظر في حال أحزاب المعارضة.

- ضرورة إصلاح الحزب الحاكم نفسه.

- أهمية التعامل السياسي بدلًا من الأمني مع الإخوان المسلمين وضرورة إدماجهم في الحياة السياسية.

- خطورة ترك المجال مفتوحًا دون ضوابط أمام رجال المال والأعمال للتسلل إلى مواقع التأثير السياسي.

- دور الأقباط في العمل السياسي والبرلماني، حيث نجح (۳) أقباط بالانتخاب.

- أهمية استكمال الإشراف القضائي على بقية العملية الانتخابية.

- إصلاح النظام الانتخابي وفي مقدمته الجداول الانتخابية ونقل الإشراف عليها إلى المجلس الأعلى للقضاء.

المفاجأة:

 ونظرًا لأن انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى على الأبواب حيث تجرى في أبريل المقبل -إن شاء الله تعالى- ولأن الحزب الحاكم مازال يفتقد التوازن بعد زلزال الانتخابات، فقد ترددت تكهنات صحفية كبيرة حول مدى التغيير الذي قد يحدث داخل بنائه التنظيمي، وقد يطيح برؤوس كبيرة، وأن يتولى جمال مبارك دورًا متميزًا في المرحلة المقبلة.

وقد فاجأت الدكتورة فرخندة حسن عضو مجلس الشورى المعينة وإحدى القيادات النسائية في الحزب الحاكم الوسط السياسي بإعادة ملف نظام الانتخابات إلى الجدل من جديد: هل نعود إلى نظام القوائم الحزبية ونعدل عن النظام الفردي؟ ومع أنها تقدمت باقتراحها إلى مجلس الشورى لمناقشته، إلا أن الجدل سرعان ما انتقل إلى صفحات الصحف والمجلات، والمفاجأة في ذلك أن هذا الأمر لم تتناوله الأقلام بإلحاح بعد الانتخابات، بل كان هناك ملفات أكثر أهمية تستحق النظر، فهل كان طرح هذا الملف القديم من جديد لصرف الأنظار عن الملفات الأكثر سخونة؟ 

المبررات والدوافع:

يقول المدافعون عن نظام القوائم الحزبية إن دوافعهم في طرح الأمر من جديد هي:

- إعادة الحياة إلى الأحزاب السياسية.

- إعادة الانضباط إلى أعضاء الحزب الحاكم.

- إتاحة الفرصة للمرأة والأقباط للتمثيل البرلماني.

- تحجيم دور رأس المال غير المنضبط.

وعلى استحياء يتحدث البعض عن ظهور جماعات غير شرعية «يقصد الإخوان طبعًا» بصورة ضخمة وضرورة منع ذلك، أو إضعافه ووضع العقبات في طريقها.

عودة للوراء:

وبغض النظر عن الدوافع الحقيقية أو الظاهرية فإن مجرد الحديث عن العودة إلى نظام القوائم يمثل عودة إلى الخلف، ويثير قدرًا كبيرًا من البلبلة والاضطراب في نفوس المصريين، فقد جرى تزيين نظام القوائم، وبيان محاسنه، وتم تطبيقه في انتخابات ١٩٨٤ م ١٩٨٧م، ثم لم نلبث أن حكم بعدم دستوريته مرتين في المحكمة الدستورية العليا عامي ۱۹۸۷، ۱۹۹۰م. وتم حل مجلس الشعب في الحالتين، ومن جديد سمع المصريون مزايا النظام الانتخابي القائم على الترشح الفردي، وأنه هو الذي يناسب الظروف المصرية، وتم تطبيقه في انتخابات ١٩٩٠م، ١٩٩٥م، ۲۰۰۰م، فما الذي تغير؟ 

الذي حدث هو أن نتائج الانتخابات الأخيرة زلزلت أركان الحكم، فقد انكشف زيف التعددية السياسية المقيدة التي يتشدقون فيها بالديمقراطية اعتمادًا عليها، وظهرت قوة الإخوان السياسية وحضورهم في الشارع رغم المحاكمات العسكرية والاعتقالات الواسعة، وبهذا تنكشف لنا حقيقة الدوافع والمبررات التي تظهر غير ما تبطن، وتقول كلمة حق تريد بها الباطل.

موازنة بين النظامين:

لا شك أن لكل نظام انتخابي مزاياه وعيوبه، ولا يمكن أن يخلو نظام ما من نقاط ضعف؛ لأنه في النهاية جهد بشري معرض للخطأ والصواب.

مزايا النظام الفردي:

- بساطته وعدم التعقيد فيه.

- ارتباط مباشر بين الناخب والمرشحين.

- تحقيق تكافؤ كبير في الفرص بين المرشحين.

- سرعة إعلان النتائج ووضوحها تمامًا.

- تعود الناخب عليه طوال الحياة البرلمانية منذ قرن كامل.

عيوب النظام الفردي:

- إهدار إرادة نسبة كبيرة من الناخبين قد تصل إلى (٤٩٪) فلا يتم تمثيلهم حيث يفوز من يحصل على (٥٠٪) + صوت واحد.

- تعاظم دور المال وتأثيره في الانتخابات.

مزايا نظام القوائم:

- عدم إهدار أي نسبة من الأصوات، حيث يتم تمثيل القوائم الانتخابية بنسبة ما حصلت عليه من صوات. 

- إتاحة الفرص لبعض الخبرات السياسية والاقتصادية للترشح على القوائم.

- إتاحة الفرص للأقليات للتمثيل السياسي.

- بعث الحياة في الأحزاب السياسية وتعظيم دورها في الحياة البرلمانية.

عيوب نظام القوائم:

- التعقيد في طريقة حساب النتائج مما يتيح فرصة للتلاعب فيها.

- عدم تكافؤ الفرص بين الأحزاب والمرشحين المستقلين، وقد يحرم المستقلون من الترشح.

- سيطرة الأحزاب على أعضائها مما يقيد حركتهم.

    وفي الحقيقة فإن المواءمة بين النظامين مع إغفال طبيعة الحياة السياسية السائدة تكون ظالمة تمامًا، لأن القيود المفروضة بشدة على الحياة سياسية في مصر تجعل نتيجة العمل بأي نظام رهنًا بالحيوية التي يتمتع بها المجتمع ومدى الحريات العامة المتاحة له.

فإذا رفعت القيود ولو بدرجة نسبية، بحيث تتحرر الأحزاب الحالية من الضغوط الحكومية؛ ويسمح بتشكيل أحزاب جديدة دون عوائق حكومية، ويمارس المصريون حرياتهم في إصدار الصحف أو الكتابة  فيها، وفي الترشح للمجالس النيابية بفرص متساوية، فإن مزايا نظام القوائم النسبية سترجح عيوبه خاصة إذا تم معالجة عيوب نظام القوائم.

كيف نعالج عيوب نظام القوائم؟

إذا خلصت النوايا يمكن معالجة نظام القوائم بالأخذ بالإجراءات التالية:

١- السماح بقوائم للمستقلين دون قيود وذلك بعدم اشتراط حد أدنى للأصوات التي تحصل عليها القائمة.

٢- السماح بقوائم منقوصة وعدم اشتراط اكتمال القائمة.

٣- تحقيق أكبر قدر من نزاهة الانتخابات بإسناد كامل العملية الانتخابية لإشراف القضاء، جداول، وترشيحًا، وتصويتًا، وإعلان نتائج.

ويغيب عن الكثيرين أنه إذا خلا نظام القوائم من العيوب الدستورية والانتخابية، فإن ذلك سيعني في النهاية السماح بتشكيل أحزاب حقيقية تنبع من الشارع وبإرادة الشعب بعيدًا عن القيود الحكومية.

فهل يتحمل النظام المصري هذه النتيجة الحتمية؟ 

      ذلك أن السماح بقوائم للمستقلين مع تخفيف أو رفع القيود عنها يعني أن بإمكان مجموعة من المواطنين الاجتماع على برنامج مشترك أو أهداف مرحلية متفق عليها وممارسة أعلى درجات العمل السياسي للحصول على نسبة من مقاعد المجلس النيابي، وما الحزب السياسي إن لم يكن كذلك؟

الأفضل للإخوان المسلمين:

كلما تكرر الحديث عن نظام الانتخابات قفزت إلى الذاكرة فورًا النصائح التي قدمها الإمام الشهيد حسن البنا منذ الأربعينيات في القرن الميلادي المنصرم لإصلاح نظام الانتخابات وقتذاك، وكان من بينها العمل بنظام القوائم الانتخابية.

ومن الماضي القريب تعود الذاكرة إلى أول تمثيل حقيقي للإخوان في مجلس الشعب المصري حين نجح منهم (٩) نواب على قوائم حزب الوفد عام ١٩٨٤م، و(٣٧) نائبًا على قوائم حزبي العمل والأحرار عام ۱۹۸۷م، على أن النظام الفردي أثبت أيضًا قدرة الإخوان على تحقيق مكاسب لا بأس بها عام ٢٠٠٠م، حيث نجح (١٧) نائبًا يمكن أن يزدادوا (١٩) بإذن الله تعالى، ولا بد أن نأخذ في الحسبان ما طرأ من تغيير على الحياة السياسية منذ عام ۱۹۹۰م وحتى الآن، وفي مقدمتها:

-الحملة الأمنية شديدة القسوة على الإخوان حيث حوكم عسكريًا أكثر من مائة من رموزهم قضي بسجن (۷۷) منهم، حرموا بالتالي من حق الترشح، وربعهم على الأقل يمثلون قاطرات قوية تقود القوائم الانتخابية. 

-تجميد حزب العمل مما أخاف بقية أحزاب المعارضة، وأضعف التنسيق بين الأحزاب والإخوان.

-فقدان الحيوية في المجتمع: فالنقابات العمالية مؤممة، والنقابات المهنية مجمدة، أو تحت الحراسة، والمساجد حكر للحكومة وحدها، والشباب في الجامعات محاصر تمامًا...إلخ.

 ومع ذلك فإذا تحرر نظام القوائم من العيوب الدستورية، فإن فرص الإخوان لن تقل إذا تمت العودة إليه رغم أن تجربة انتخابات ۲۰۰۰م أثبتت أن تحرر الإخوان من التحالفات الحزبية كان نافعًا لهم، وإن أضر بقية الأحزاب. 

وستكون البدائل أمام الإخوان:

-إما الترشح على قوائم مستقلة تمامًا.

-أو الدخول في تحالف مع بعض الأحزاب إذا أمكن ذلك.

-أو عقد تحالف واحد مع حزب ما من الأحزاب الصغيرة.

فهل هناك فرص لتحقق ذلك؟ هذا يحتاج إلى حديث آخر.

الرابط المختصر :