; جذور الاضطهاد الصيني لمسلمي تركستان الشرقية | مجلة المجتمع

العنوان جذور الاضطهاد الصيني لمسلمي تركستان الشرقية

الكاتب محمد عوض

تاريخ النشر الثلاثاء 25-فبراير-1997

مشاهدات 65

نشر في العدد 1239

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-فبراير-1997

جاءت الاضطرابات الدموية الأخيرة- التي وقعت أيام عيد الفطر- في تركستان الشرقية، وما تبعها من قيام السلطة الصينية بعمليات قمع واعتقال واسعة للمسلمين هناك، لتعيد للذاكرة التاريخ المرير لهذا الإقليم الذي تقطنه الأغلبية المسلمة تحت الاحتلال الصيني.

 ورغم أن هذه المظاهرات والاضطرابات لم تكن إلا تعبيرًا عن سخط الشعب التركستاني المسلم من ممارسات النظام الصيني الذي رفض السماح للمسلمين بإقامة شعائرهم الدينية يوم عيدهم، إلا أن السلطات الصينية- وكعادة كل الأنظمة الاستبدادية- ردت باستخدام القوة وقتلت أكثر من ثلاثمائة من المسلمين- حسب التقديرات المحلية- واعتقلت الألوف منهم، واقتادتهم إلى أماكن مجهولة، وقطعت الاتصالات الهاتفية بين تركستان الشرقية والعالم الخارجي، وضربت حصارًا كاملًا على مدينة بينيين، كما فرضت حظر تجوال على عدة مدن أخرى. 

لكن هذه الأحداث- رغم ضراوتها ووحشيتها- جذبت الأنظار إلى ما يحدث في تركستان الشرقية، وفتحت ملف صفحات مطوية من نضال مسلمي تركستان من أجل الاستقلال، والذي استمر ما يقرب من نصف قرن- منذ اجتياح القوات الصينية الشيوعية ترکستان عام ١٩٤٩م حتى الآن- عانى خلالها الشعب التركستاني المسلم من الاضطهاد البشع من قبل السلطات الصينية، واستشهد خلالها مئات الألوف من المواطنين، واقتلع مثلهم من قراهم ومدنهم بالقوة، ووطنوا قسرًا في معسكرات هي أشبه بمعسكرات اعتقال موزعة على المحافظات الصينية، ولعل ما يؤكد وجود حالة حرب فعلية دائمة في تركستان الشرقية هو أن السلطات الصينية لا تزال تنشر نحو ٤٠٠ ألف جندي في هذا الإقليم.

تركستان الشرقية

والمعروف أن اسم تركستان ظهر إبان دولة «كوك تورك» التي ضمت إليها جميع القبائل التركية، وأطلقت عليها اسم ترك، وسميت مواطنهم «تركستان»، ولأول مرة في التاريخ اتحد الأتراك تحت اسم قومي واحد، وعرفت بلادهم باسم تركستان في القرن السادس الميلادي، وكانت حدود هذه الدولة تمتد من سور الصين شرقًا إلى بحر قزوين غربًا، وعرفت جغرافيًّا باسم تركستان.

 وقد تعرضت تركستان لغزوات روسيا التي احتلت جزءها الغربي في القرن التاسع عشر الميلادي، وأبقت على اسم تركستان إلى ما قبل الثورة الشيوعية، وبعد أن تولى الشيوعيون زمام الحكم فيها قسموها إلى خمس جمهوريات هي «أوزبكستان- قيرغيزستان- طاجيكستان- ترکمانستان- قازاقستان»، واقتصر استعمالهم لاسم تركستان على مدينة «يسه» في جنوب غرب قازاقستان، وقد نالت هذه الجمهوريات استقلالها مؤخرًا وأصبحت جمهوريات إسلامية مستقلة، وكانت الصين قد احتلت الجزء الشرقي في القرن الثامن عشر الميلادي، ولكنها لم تفرض عليه اسم سنكيانغ رسميًّا إلا بموجب مرسوم صدر بتحويلها إلى مقاطعة صينية في ١٤ نوفمبر عام ١٨٨٤م.

وتعد تركستان الشرقية أكبر مقاطعات الصين إذ تبلغ مساحتها مليون وسبعمائة ألف كيلو متر مربع تقريبًا، وهي بذلك تبلغ ثلاثة أضعاف مساحة فرنسا، وأكبر من مساحة تركيا بمقدار مرتين ونصف، وأكبر من مساحة إندونيسيا بمقدار مرتين، وتبلغ خمس مساحة الصين ومستعمراتها، ويبلغ عدد سكانها نحو ٥٠ مليون ٦٠% منهم من المسلمين، وينتمي معظمهم إلى قبيلة الإيغور ذات الأصل التركي، وقد أطلق عليها المحتل الصيني اسم «سنكيانغ» بمعنى المستعمرة الجديدة.

وتركستان الشرقية بلد غني بموقعه الجغرافي وثرواته الطبيعية، فاحتياطي البترول ينافس دول الشرق الأوسط منه، وأجود أنواع اليورانيوم في العالم يستخرج من ست مناجم في تركستان، ومناجم البلاد هي عصب اقتصاد الصين الشعبية، وعصب صناعاتها الثقيلة والحربية.

هذا الغنى الطبيعي جعل التنافس الصيني الشعبي والروسي السوفييتي يبلغ ذروته على احتلال وامتلاك كل من الدولتين لتركستان الشرقية.

دخول الإسلام إلى تركستان

ويذكر أن الإسلام دخل إلى تركستان الشرقية في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان (٨٦هـ- ٧٠٥م)، ثم دخل الأتراك في الإسلام فرادى وجماعات في القرن الرابع الهجري «العاشر الميلادي»، ويذكر أن السلطان ستوق بغراخان عندما أعلن إسلامه عام (٣٥٣هـ- ٩٦٤م) وأسلم بعده كل الأتراك، حكومة وشعبًا.

ثورات ضد الاحتلال

وقد احتلت الصين تركستان الشرقية عام ١٧٦٠م، وقتلت القوات الصينية وقتها حوالي مليون مسلم، ومنذ ذلك التاريخ اتبعت الصين سياسة استيطانية في تركستان الشرقية تعرف بسياسة «تصيين تركستان الشرقية»، وقامت حروب تحريرية إسلامية عديدة أدت إلى استقلال البلاد عام ١٨٦٥م، وللأسف لم تجد هذه الدولة الوطنية اعترافًا ولا تأييدًا دوليًّا، مما دفع الصين إلى مهاجمتها واحتلالها مرة ثانية عام ۱8٧٥م، واستمرت الحروب التحريرية حتى أعلن عن استقلال تركستان عام ۱۹۳۳م، لكن سرعان ما أسقطت روسيا هذه الجمهورية الإسلامية بعد عام واحد من قيامها، واحتلت تركستان الشرقية عام ١٩٣٤م، ونتيجة لتقدم الألمان في الأراضي السوفييتية أثناء الحرب العالمية الثانية تبدل الاحتلال الروسي للبلاد باحتلال صيني مرة أخرى، ثم قامت ثورة تحرير بقيادة عالم الدين علي خان، عام ١٩٤٤م، الذي أعلن استقلال تركستان الشرقية، فتعاونت- هذه المرة- روسيا والصين على إحباط هذا الاستقلال، وقام الروس وعملائهم باختطاف قائد هذه الثورة الإسلامية، وأرغمت كل من الصين وروسيا الوطنيين من التركستانيين على قبول صلح مع الصين مقابل الاعتراف بحقوقهم في إقامة حكومة من الوطنيين، وقد لاقت هذه الحكومة من الصين اضطهادًا لا مثيل له.

 ثم اجتاحت القوات الصينية الشيوعية تركستان الشرقية عام ١٩٤٩م واحتلتها بعد مذابح رهيبة، وقد كان قدر مسلمي تركستان الشرقية أنهم وقعوا بين قوتين كبيرتين «روسيا والصين»، مما أدى إلى معاناة دامت قرنين من الزمان لينتهي الصراع باحتلال أرضه ومحاولة إذابة شخصيته الإسلامية في محيط بشري يحاول ابتلاعه، مما حدا بمئات الألوف من مسلمي تركستان الشرقية إلى الهجرة لتركيا والسعودية ودول إسلامية أخرى هربًا من الاضطهاد الشيوعي البشع.

ترکستان تحت الاحتلال

  • وصل اضطهاد السلطات الصينية لمسلمي تركستان أن أغلقت مؤسساتهم الدينية.. وحولت مساجدهم إلى مقاهٍ.. وألغت تدريس اللغة العربية والتاريخ الإسلامي

وقد بدأت الصين عقب احتلالها الأخير لتركستان باستقدام مهاجرين صينيين بأعداد ضخمة وتوطينهم فيها حتى يصبح شعب تركستان الشرقية أقلية وهو صاحب الأرض وسط أكثرية صينية شيوعية غريبة وافدة عليه، واسترق الصينيون الشعب المسلم، وألغوا الملكية الفردية والمؤسسات الدينية وهدموا أبنيتها ،واتخذوا من المساجد أندية ومقاه لجنود الاحتلال، كما استخدموا بعضها دورًا للسينما والمسرح، وأجبروا المسلمين على تربية الخنازير، والتزاوج مع الصينيين، وألغوا تدريس اللغة العربية والتاريخ الإسلامي من المدارس والمعاهد العليا، استبدلوا بها تاريخ الصين واللغة الصينية بهدف قتل روح الإسلام في النفوس، كما أن الثورة الثقافية في الصين إنما قامت لتحطيم كل ما يخالف الثقافة الشيوعية في النفوس، وإعلان أن الإسلام خارج على القانون، ويعاقب كل متلبس به، إنما هو جزء من مخطط إلحادي لفرض الشيوعية فرضًا خبيثًا.

 ورغم ذلك فإن الثورات التي قام بها المسلمون في تركستان الشرقية، والحرب التي شنها شعب تركستان في الجبال ضد القوات الصينية، إنما قامت باسم الإسلام، والشهداء الذين سقطوا برصاص الشيوعية في تركستان الشرقية إنما سقطوا وهم يكبرون، وثورات شعب ترکستان كثيرة ومتعددة، ويذهب ضحيتها آلاف الشهداء سنويًّا، بالرغم من أن الصين تعمل على إخفاء أنباء هذه الثورات عن العالم.

الاضطهاد الديني للمسلمين

ومن أهم مظاهر اضطهاد السلطات الصينية لمسلمي تركستان حظر التعليم الإسلامي في المساجد تمامًا، فقد اتخذت السلطات الشيوعية الصينية تعهدات خطية مشددة من أئمة المساجد بعدم تجميع أطفال المسلمين وتعليمهم علوم الإسلام في المساجد، كما لا توجد مدرسة إسلامية واحدة لتعليم البنات علوم الإسلام في كل تركستان الشرقية التي يتواجد فيها حوالي ٣٠ مليون مسلم، وتمنع الحكومة الصينية بناء المساجد أو رفع الأذان من مكبرات الصوت، كما أن طبع الكتب الإسلامية وإدخالها إلى تركستان الشرقية محظور، ونشر المقالات الإسلامية في الصحف أو إذاعتها في الراديو والتليفزيون ممنوع أيضًا، علاوة على أن المسلمين لا يملكون جريدة أو مجلة إسلامية تصدر في تركستان الشرقية.

وقد اقتحم الجيش الصيني مسجد مدينة شيجي في مايو عام ١٩٩٣م، وقتل ما يزيد على عشرين مسلمًا، كما اقتحم المسجد الكبير في مدينة شينغ واعتقل أكثر من عشرة من الأئمة والخطباء في أكتوبر عام ۱۹۹۳م، وأغلقت مدرسته الإسلامية الخاصة الوحيدة في بكين.

 وأوقفت السلطات الصينية بناء ١٥٣ مسجدًا بحجة كثرة المساجد، ولأنها تسبب إزعاجًا للسكان! وأغلقت ٥٠ مدرسة في ولاية كاشغر فقط، وتخلصت من ٢٥ ألف من رجال الدين بحجة عدم ولائهم للحزب الشيوعي الصيني حسبما نشر في جريدة «شينجانغ» الرسمية، «عدد 18 نوفمبر 1991م».

واعتقلت السلطات الشيوعية في مارس عام ۱۹۹۲م ٦٤٠ شخصًا أعدمت منهم ٤٩، واتهمت ۱۸۲ بالرجعية، ووجه إلى الآخرين تهم أخرى، وذلك حسبما جاء بجريدة «شينجانغ» الرسمية «عدد ١٦ مارس ۱۹۹۲م»، كما زجت الحكومة الصينية الشعبية بآلاف من العلماء والمفكرين وحفظة القرآن الكريم من أمثال «عالم خان»، و «عبد الأحد مخدوم»، ووقع رئيس الوزراء الصيني لي بينغ في يناير عام ١٩٩٤م قرارًا يمنع إنشاء مؤسسات أو هيئات أو مدارس دينية، إلا إذا حصل على تصريح من السلطات، وقرارًا آخر يقضي بغلق جميع دور العبادة غير المصرح بها، ووقف أي نشاط ديني فيها، والأمر كما نرى ليس اضطهادًا دينيًّا فحسب، بل ممارسات جائرة ضد الإنسان التركستاني المسلم، وهذه الشواهد تؤكد حجم ما يعانيه مسلمي تركستان  من ظلم واضطهاد من قبل السلطات الصينية. 

  • السلطات الصينية تستخدم إجراءات وحشية لمحاربة المسلمين.. وفي الوقت نفسه تسعى لتوطين مائتي مليون صيني في تركستان الشرقية

وتستخدم السلطات الصينية كافة الإجراءات الوحشية التي لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية لمحاربة تزايد عدد المسلمين، مثل وأد الأجنة وقتل الأمهات، وتتعرض الأسرة التي لا تلتزم بنظام تحديد النسل للعقوبات التي وقعها الرئيس تيمور- رئيس تركستان الشرقية- في إبريل عام ۱۹۹۲م، وتقضي بدفع غرامة مالية تعادل ما بين (۲۰۰ - ۲۰۰۰ دولار) سنويًّا، وفي الوقت نفسه فإن السلطات الصينية تسعى لتوطين مائتي مليون صيني في تركستان الشرقية خلال الأعوام القادمة.

أرض المسلمين للتجارب النووية

وتجري حكومة الصين تجاربها النووية على اختلاف أشكالها ولأكثر من ثلاثة قرون في تركستان الشرقية، بالرغم من النداءات التي وجهتها دول ومنظمات عالمية لإيقاف هذه التفجيرات، فمنذ أكتوبر عام ١٩٦٤م تجري الصين تجاربها النووية في منطقة لوب نور التي تبعد بحوالي ۸۰۰ كيلو متر عن أورمجي عاصمة تركستان الشرقية، وكانت الصين قد بدأت تفجيراتها النووية في الجو، ثم توقفت بعد أن بلغ عدد هذه التفجيرات ٢٢ تفجيرًا جويًّا في أكتوبر عام ۱۹۸۰م، ثم تحولت إلى إجراء التفجيرات النووية تحت الأرض، وقامت بما يزيد على ٢٥ تفجيرًا حتى الآن، رغم ما تسببه هذه التفجيرات النووية في نشر التلوث النووي الذي يضر بالإنسان والحيوان والبيئة على نطاق كبير ولزمن أطول. 

وقد أدت هذه التفجيرات إلى إصابة شعب ترکستان بالأمراض السرطانية مثل سرطان الكبد والرئة والجلد، ورغم تعهدات الحكومة الصينية بأنها ستلتزم بالأساليب الوقائية التي تتبعها غيرها من الدول النووية في تجاربها، فإن تقريرًا سريًّا قدم إلى رئيس حكومة تركستان الشرقية «تيمور دوامت» عام ۱۹۸۸م أكد ولادة عشرين ألف طفل مشوه، وأن معظم الأمراض هي نتيجة مباشرة لغبار الإشعاع النووي. 

كما نسبت منظمة الصحة العالمية في تقريرها عام ۱۹۸۸م موت ٣٩٦١ شخصًا إلى مرض مجهول في بعض مدن تركستان الشرقية، وتفيد التقارير المحلية تفشي مرض غريب بين الأطفال أدى إلى موت مئات منهم عام ١٩٩٣م.

التصيين الثقافي والاجتماعي

ولم يترك الحكم الشيوعي الصيني زاوية من زوايا الفكر والثقافة إلا وعمل على توجيهها لخدمة أهدافه الاستعمارية ومبادئه الشيوعية والإلحادية، فالمقالات والكتب تمتدح رموز الحكومة الصينية مهما كانت مواقفها واستبدادها لمسلمي تركستان الشرقية

  • أجهزة الأعلام الصينية تحض المسلمين على ممارسة التقاليد الصينية البوذية وتشجع الزواج بين (المسلمين والبوذيات)، و(المسلمات مع البوذيين).. ومن يقف ضد هذا الزواج مصيره السجن

وتركز أجهزة الإعلام على دعوة المسلمين لممارسة التقاليد الصينية البوذية الاجتماعية، مثل المشاركة في احتساء الخمور، وتناول لحم الخنزير، والاختلاط بدعوى صداقة الشعوب واتفاقها واتحادها، وتشجيع الزواج المختلط بين المسلمين والبوذيات، والمسلمات مع البوذيين، وتقديم مكافآت مالية ووظيفية لهما، واعتبار أي انتقاد لمثل هذا الزواج- بالرغم من تحريم الإسلام له- موقف عدائي نحو الصينيين ويدعو لإثارة الفتنة والاضطراب ضد الحكم الصيني، ومن يقف ضد هذا الزواج فمصيره السجن أيًّا كان.

انتشار الجهل والبطالة والفقر

وبالرغم من أن عدد المسلمين الصينيين يقل عن عددهم في تركستان الشرقية إلا أن هناك سبعة معاهد إسلامية في مقاطعات الصين في مقابل معهد إسلامي واحد في أورومجي عاصمة تركستان الشرقية، بالإضافة إلى إمكانية التعليم الإسلامي المتوفر في مساجد الصين والتي لا تتوفر في تركستان الشرقية، وإذا كان لم يسمح بنشر التعليم الإسلامي بين مسلمي تركستان الشرقية ونسائهم وفتياتهم يحرمن من اكتسابه بصفة عامة، فإن التعليم الفني لم يكن أفضل منه.

وفي الوقت الذي رفعت حكومة الصين الشعبية شعار تحديث اقتصاد ترکستان الشرقية بهدف استغلال ثرواتها الطبيعية لغير مصلحة أبنائها المسلمين، فهي تهجر آلاف الشباب الصينيين تحت مسمى خبراء وفنيين لإحلالهم في كل الأعمال والأشغال، بل إن الحكومة أخذت تمارس القوة والإكراه لتسريح الشباب المسلم من أعماله، وهكذا غدت وسائل الإنتاج في أيدي الصينيين.

وهذه السياسة- بالإضافة إلى حرمان المسلمين من العمل والإنتاج- أدت إلى تزايد الفقر بين المسلمين؛ حيث لا يتجاوز دخل الفرد المسلم ما يعادل ۱۲۸ دولارًا في السنة، بينما يصل متوسط دخل الفرد الصيني إلى ما يعادل ٤٧٠ دولارًا.

وقد ازداد الوضع سوءًا بسيطرة الصينيين على مراكز الحكم والإدارة في تركستان الشرقية، وأصبح المواطنون التركستانيون لا يملكون من أمور وشؤون بلادهم ومجتمعهم شيئًا، فالصيني المهجر إليها أيًّا كان صفته هو الذي يتولى تصريف الأمور.

وهكذا فإن مقولة الحكم الذاتي الذي يتمتع به المسلمون الإيغور في تركستان الشرقية هو ادعاء يجانب الواقع، والحقيقة أن الصينيين البوذيين المهجرين هم الذين يسيطرون على كافة أنحاء ترکستان الشرقية، وما تخطط له الحكومة الصينية لتهجير مائتي مليون صيني إلى تركستان الشرقية كما جاء على لسان هوياوبانغ- سكرتير الحزب الشيوعي الصيني الأسبق- ليؤكد على مدى رغبتها في السيطرة الكاملة على تركستان الشرقية ومحو أي أثر إسلامي فيها.

ولم تتوقف عمليات التضييق على التهجير الصيني البوذي وتزييف التاريخ فحسب، بل إن السياسة الصينية تستهدف محو وطمس الأسماء التركستانية بالتحريف أو إطلاق أسماء صينية عليها؛ كي تحل هذه الأسماء الصينية بالتدريج، وتختفي الأسماء التركستانية.

 وكذلك تغيير أسماء الشوارع والأحياء والميادين إلى أسماء صينية، وحظر استعمال كلمة تركستان مطلقًا، ويعاقب كل من يتفوه بها بالسجن؛ لأن الحكم الصيني الشيوعي يدعي بأن تركستان الشرقية لم يكن لها اسم سوى «شي» يعني بلاد الغرب، و«سنكيانغ» وتعني البلاد الجديدة، بينما يعتبره التركستانيون رمزًا وطنيًّا واسمًا قوميًّا لبلادهم التي تحتلها الصين، وأن ما تفرضه عليهم هو اسم استعماري صيني.

 والغريب أن السلطات الصينية رغم كل هذا الاضطهاد الذي تمارسه ضد مسلمي تركستان الشرقية فإنها تنكر هذا الاضطهاد، بل وتعلن أنها حريصة على علاقتها الودية مع دول العالم الإسلامي- لاسيما بعد إتباعها ما يسمى بسياسة الانفتاح الاقتصادي- وإن كانت الصين الشعبية حريصة حقًا على علاقتها مع دول العالم الإسلامي فالواجب يفرض عليها أن تنفذ فعلًا ما تدعيه أجهزة إعلامها من حريات دينية واجتماعية وتحترم حقوق الإنسان.

وإلى أن يتأكد المسلمون- هيئات وشعوبًا- من أن مسلمي تركستان يتمتعون حقًّا بحرياتهم وحقوقهم، وأن المواد التي نص عليها الدستور العام وقوانين مقاطعات الحكم الذاتي تترجم عمليًّا على أرض الواقع.

إلى أن يتأكد ذلك فإننا ندعو الدول الإسلامية والمنظمات الدولية والمدافعين عن حقوق الإنسان أن يتدخلوا لحماية إخوانهم المسلمين في تركستان الشرقية من القمع والاضطهاد الديني والعرقي الذي يتعرضون له، فالمسلمون جميعًا مطالبون بأن يقفوا مع إخوانهم في العقيدة أينما كانوا، حتى يصدق فينا قول نبينا ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

الرابط المختصر :