العنوان جرائم الأحباش في بلاد المسلمينَ
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1971
مشاهدات 57
نشر في العدد 72
نشر في الصفحة 11
الثلاثاء 10-أغسطس-1971
جرائم الأحباش في بلاد المسلمينَ
الحروبُ الصليبيةُ تنتقلُ إلى شرقِ أفريقيا
شعارُ الأحباش: سأحاربُ بكلِّ قوايَ لإنهاءِ القرآنِ
منْ غرائبِ التاريخِ أنْ تكونَ أثيوبيا أولَ ملجأٍ يلتجئُ إليهِ المسلمونَ المضطهدونَ في مكةَ في بدءِ الدعوةِ الإسلاميةِ، وأنْ يكونَ نجاشي الحبشة حاميًا للمهاجرينَ منْ ظلم ذوي القربى، مقتنعًا بما هاجروا منْ أجلهِ منْ عقيدةٍ، وأن تكونَ أثيوبيا اليومَ نموذجًا فريدًا تعاني فيهِ الأغلبيةُ المسلمةُ من الاضطهادِ الدينيِّ والإهمالِ السياسيِّ على يدِ حكومةٍ من الأقليةِ غير المسلمةِ تتنكرُ لحقوقهم المشروعةِ وحرياتهم المدنيةِ، ولربما كانَ المسلمونَ الأثيوبيونَ أشقى الناس في العالمِ، فهُمْ يشكلونَ (60%) منْ مجموعِ سكانِ أثيوبيا، ولكنهمْ محرومونَ حتى منْ حقوقهم الأساسيةِ كبَشَرٍ، إذْ يعتبرونَ مواطنينَ من الدرجةِ الثالثةِ، ويلقونَ أبشعَ أنواعِ المعاملةِ الوحشيةِ.
بدايةُ الحربِ ضد المسلمينَ بظهورِ المكتشفِ البرتغاليِّ «فاسكودي جاما سنة ١٤٩٤م» بدأت الحروبُ الصليبيةُ ضد المسلمينَ تنتقلُ منْ بلادِ الشامِ إلى شرقيِّ أفريقيا، حيثُ كانت الحبشةُ الهدفَ الحقيقيَّ لرحلة «دي جاما»؛ لاكتشافِ مكانها والاتصالِ بها، وذلكَ لتكوينِ حلفٍ صليبيٍ ضد المسلمينَ من الشرقِ.
وكانت الدوافعُ الحقيقيةُ لهذهِ المغامرةِ كما أوضحها «فاسكودي جاما» بنفسهِ تتلخص فيما يلي:
1- أنْ يحاربَ الصليبُ الهلالَ في أقصى بقاع المعمورةِ.
2- أنْ تحاربَ روما مكةَ في مكانٍ يبعدُ بأكثرَ منْ ألفٍ وخمسمائةِ فرسخٍ من الميادينِ المألوفةِ لاقتتالهما «فلسطين»، وأنْ تُسحبَ قواتُ تركيا من أوربا.
3- أنْ ترسلَ أوربا جنودها وراءَ القارةِ الأفريقيةِ؛ لتحيطَ بالإسلامِ وتجعلهُ بينَ نارين.
4- إضعافُ المسلمينَ وكسرُ شوكتهمْ باحتلالِ الهندِ وشرقِ أفريقيا.
5- مساعدةُ المملكةِ الحبشيةِ المسيحيةِ وربطُها بأوربا المسيحيةِ.
وقدْ تمَّ الاتصالُ بينَ البرتغالِ والحبشةِ بعدَ أنْ وصلَ فاسكودي جاما إلى الحبشةِ قبلَ أنْ يتجهَ إلى الهندِ.
الحبشةُ تبتلعُ جاراتها
بعدَ التحالفِ بينَ أثيوبيا والبرتغالِ بدأَ البرتغاليونَ يهاجرونَ إلى المدنِ الساحليةِ الصوماليةِ ويحرقونها، وبدأتْ إثيوبيا ومنْ فيها من المسيحيينَ يهاجمونَ المسلمينَ الصوماليينَ من الخلفِ، فكانَ القتالُ مريرًا بينَ الفريقينِ، وتمكنَ الصوماليونَ في أوائلِ القرنِ السادسِ من اكتساحِ الحبشةِ بأكملها وإزالةِ العرشِ الأثيوبيِّ، وحكموا أثيوبيا لمدةِ سبعَ عشرةَ سنةً، ولكنَّ أوربا تطوعتْ لنصرةِ الأثيوبيينَ بالرجالِ والعتادِ الحربيِّ الحديثِ في ذلكَ الوقتِ، فألحقوا بالصوماليينَ الهزيمةَ، وانكمشت الدولةُ الصوماليةُ إلى حدودها الأصليةِ، وبعدَ عودةِ العرشِ الأثيوبيِّ بدأَ تدعيمُ الأوربيينَ لهم اقتصاديًّا وثقافيًّا وعسكريًّا ينمو شيئًا فشيئًا معَ نموِ الفكرِ الأوروبيِّ، وبدأتْ أثيوبيا تزحفُ نحوَ الشرقِ فتبتلعُ الأراضيَ الصوماليةَ بالتدريجِ مبتدئةً بإمارةِ «أقاضي» في أوائلِ القرنِ السابعِ.
جرائم الأحباش في بلادِ المسلمينَ
وتمكنت الحبشةُ من الاحتلالِ الكاملِ لعاصمةِ الصومالِ «هررْ» في سنة (١٨٨٧م)، وذلكَ بعدَ أنْ جُزئت الصومالُ وعُزلتْ أجزاؤها بعضُها عنْ بعضٍ.
ومنْ هنا بدأَ الزحفُ الحبشي يتجهُ نحوَ الشرقِ والغربِ والجنوبِ حتى أصبحتْ في حدودها الآنَ بعدَ أنْ وقعتْ معاهداتِ الحدودِ معَ إنجلترا وفرنسا، وكانَ آخر ما ضمتهُ الحبشةُ إليها «إريتريا» في الشمالِ الغربيِّ سنةَ (١٩٦٠م)، وما زالتْ تحاولُ ابتلاعها، وبالنسبةِ لـ«إريتريا» التي كانتْ مستعمرةً إيطاليةً حيثُ حلَّ محلَّها بريطانيا، وتحولتْ إلى وصايةِ الأممِ المتحدةِ بعدَ الحربِ العالميةِ الثانيةِ، وكانت الدولُ الاستعماريةُ تسيطرُ على الأممِ المتحدةِ، كذلكَ فقدْ حرصتْ على وضعها تحتَ نفوذِ أثيوبيا التي تخضعُ لهمْ وبدأتْ «أثيوبيا» باغتيالِ «إريتريا» تحتَ شعارِ اتحادٍ فدراليٍ بالتدريجِ إلى احتلالها وضمها إلى أثيوبيا سنةَ (١٩٦٠م).
وباختصارٍ وحتى يحكمَ القارئُ بنفسهِ على مدى الإجرامِ الذي اقترفتهُ الحبشةُ في حقِ الشعوبِ التي تستعمرها، نذكرُ أسماءَ هذهِ الشعوبِ والمناطقِ وتاريخَ احتلالِ كلِّ منطقةٍ على حِدةٍ حسبَ أقدميةِ الاحتلالِ:
منطقةُ ليموا (١٨٨٦م)
جوما (١٨٨٦م)
قيرا (١٨٨٦م)
هررْ (١٨٨٧م)
جوارجي (١٨٨٧م)
جالا ولتا (1889م)
كيبانا (١٨٩٠م)
جيانجيرونَ (١٨٩٠م)
جلافوكما (١٨٩٣م)
ولامو (١٨٩٣م)
سيدامو (١٨٩٣م)
رامي (١٨٩٤م)
هيكجا وقلاف (١٨٩٤-١٨٩٧م)
إيمي (١٨٩٤م)
بورنْ (١٨٩٥م)
بالي (١٨٩٥م)
كونو (١٨٩٧م)
جبرْ جيرْ (١٨٩٧م)
جامبو (١٨٩٧م)
حفا (١٨٩٧م)
حوتر (١٨٩٩م)
حنقول (١٨٩٩م)
الشعوْب النبيلة (١٩٠٠م)
أوسا (١٩٠٨-١٩٤١م)
نبروا (١٩٠9م)
منطقةُ جحا الإسلامية – (١٩٣٥م)
إريتريا (١٩٥٢-١٩٦٢م)
وبالرغمِ منْ هذا فقد ازدادت الحبشةُ غرورًا في التوسعِ الاستبداديِّ، ويتضحُ ذلكَ جليًّا في المذكراتِ الرسميةِ التي بعثتْ بها إلى مؤتمرِ وزراءِ الخارجيةِ للدولِ المنتصرةِ في الحربِ الكونيةِ الثانيةِ وإلى الجمعيةِ العامةِ للأممِ المتحدةِ، حيثُ طلبتْ أنْ تبسطَ نفوذها على إريتريا والصومالِ الإيطاليِّ، واعتبرتْ رفضَ هذا الطلبِ يهددُ السلامَ وكيانَ الدولِ، وقد استولتْ على منطقةِ «جوبيلي» في السودانِ عقبَ استقلالها سنةَ (١٩٥٦م)، وتطالبُ اليومَ باحتلالِ مديريةِ النيلِ الأزرقِ ومديريةِ كسلا حتى نهرِ عطبرة، وكذلكَ يطمعُ «هيلاسلاسي» في الصومالِ الغربيِّ ويعتبرهُ جزءًا منْ إمبراطوريتهِ، وضرورةً لبقاءِ كيانِ دولتهِ مستعينًا بالاستعمارِ الفرنسيِّ وإسرائيلَ التي تطمعُ في هذهِ المنطقةِ كمركزٍ هامٍّ لتجارتها معَ الحبشةِ وشرقِ أفريقيا وآسيا
جرائم الأحباش ضد المسلمينَ
بدأت الحبشةُ تستخدمُ أقسى وأبشعَ وسائلِ السيطرةِ على المناطقِ الإسلاميةِ الشاسعةِ التي احتلتها وضمتها إليها بمساعدةِ أوربا وأسلحتها الحديثةِ تحتَ حمايةِ القلعةِ المسيحيةِ وسطَ العالمِ الإسلاميِّ، منْ هذهِ الوسائلِ:
• حصارُ المناطقِ المحتلةِ وعزلُها عزلًا تامًّا عن العالمِ الخارجيِّ وعن العالمِ الإسلاميِّ والدولِ الشرقيةِ بصفةٍ خاصةٍ.
• تركُ الحرية للمبشرينَ لتزييفِ حقائقِ الإسلامِ وإضعافهِ في نفوسِ المسلمينَ بكلِّ الوسائلِ الممكنةِ، ويرأسُ «هيلاسلاسي» الهيئةَ التبشيريةَ العالميةَ بنفسهِ، وهوَ الذي حدَّدَ مدةَ اثنتيْ عشرةَ سنةً للقضاءِ على المسلمينَ وهوَ يخطبُ في الكونجرس الأمريكيِّ سنةَ (١٩٤٥م).
وقد اتخذت الكنيسةُ لمحاربةِ المسلمينَ هذا الشعارَ: «سأحاربُ بكلِّ قوايَ لإنهاءِ القرآنِ، وإنْ سألكَ عني أحدٌ بعدَ مماتي فأجبهُ بأنهُ ماتَ في محاربةِ الإسلامِ والوثنيةِ». وانطلاقًا منْ هذا المفهومِ ترتكبُ كلَّ الجرائمِ والأعمالِ اللا أخلاقيةِ، فهم يحولون المساجدَ إلى كنائسَ، ويمنعونَ بناءها في المدنِ الرئيسيةِ بصفةٍ خاصةٍ، وذلكَ لإظهارِ أن غالبيةَ سكانِ الحبشةِ مسيحيونَ، وعلى سبيلِ المثالِ فإنَّ أكبرَ كنيسةٍ في قلبِ مدينةِ «هررْ» كانتْ مسجدًا بناهُ المصريونَ سنةَ (١٨٧٦م).
• منعُ تدريسِ اللغةِ العربيةِ والقرآنِ الكريمِ، وتقتيلُ العلماءِ المسلمينَ وسجنُهم بالآلافِ دون محاكماتٍ، وقد استمرَّ هذا التقتيلُ والقمعُ والإرهابُ في المسلمينَ قرابةَ قرنِ من الزمانِ ذاقتْ فيهِ الأكثريةُ المسلمةُ طعمَ الذلِّ والهوانِ على يدِ هيلاسلاسي وأجدادِه، وهذهِ بعض الجرائمُ نختارها منْ قاموسِ جرائمهِ الوفيرةِ.
• إجبارُ علماءِ المسلمينَ على الدعاءِ لـ«هيلاسلاسي» على المنابرِ ومنْ يدعو منهمْ لنصرِ المسلمينَ لا يعرفُ أحدٌ مصيرَه بعدَ ذلكَ.
• الاستيلاءُ على الأراضي، ونهبُ المواشي بعدَ التقتيلِ الجماعيِ، وطردِ السكانِ الآمنين منْ قرارهمْ.
• منعُ المساجدِ أو السفرِ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ إلا للعملاءِ والطاعنينَ في السنِّ.
• عدمُ احترامِ بناءِ الأسرةِ، فلا قيمةَ لها، ولا صيانةَ للأعراضِ، ولا حمايةَ للأطفالِ، ولا نظامَ للطلاقِ أو الزواجِ، ونتيجةً لذلكَ تفشت الفوضى الجنسيةُ وانتشرت الأمراضُ.
• في منطقةِ جحا ألقيَ القبضُ على كلِّ العلماءِ وأئمةِ المساجدِ، والمؤذنينَ، والخطباءِ، ووُضعوا في حظيرةٍ وأُطلقتْ عليهم النارُ، فماتَ عددٌ كبيرٌ، ومنْ بقيَ ماتَ جوعًا، وكانَ عددهمْ (٤٥٧) عالمًا، وتمَّ ذلكَ في سنةِ (١٩٥٥م) بأمرِ حاكمٍ جما، ونائبِ هيلاسلاسي فيما بعدُ، كما يوجدُ في الوقتِ الحاضرِ في سجونِ أثيوبيا المختلفةِ نحوُ (15) ألفَ مسلمٍ بتهمةِ تشويشِ المسيحيةِ، ومحاولةِ إيقافِ نشاطِ المبشرينَ، كما أُغلقت (٤٦٧١) مدرسةٍ كانتْ تدرسُ فيها حلقاتُ القرآنِ الكريمِ والعلومِ الإسلاميةِ المختلفةِ، والجلادونَ في أثيوبيا يعتقدونَ أن هذهِ الجرائمَ لا تجدُ منْ ينشرها في الصحفِ أوْ يُذيعها بعدَ أنْ نجحتْ في السيطرةِ على صُحُفِ أصدقائها وبعضِ المساومينَ، ولا تزالُ موجاتُ الإرهابِ والاضطهادِ مستمرةً في أثيوبيا إلى يومنا هذا – وتتخذُ جميعَ الخطواتِ الآنَ كما تبذلُ كافةَ الجهودِ لإفناءِ المسلمينَ.
تجهيلُ المسلمينَ وقتلُ علمائهمْ، حالةُ المسلمينَ في الحبشةِ تدعو إلى الأسفِ العميقِ، فهُم على كثرتهمْ وانتشارهمْ في أنحاءِ البلادِ فقدْ فُرضَ عليهمْ الجهلُ والمرضُ والفقرُ لا يعرفونَ ما يدورُ حولهمْ في هذا العالمِ بسببُ المظالمَ المتتابعةَ التي صبتْ على رؤوسهمْ منذُ أن اعتنقوا الإسلامَ حتى اليومَ، فهم محرومونَ من التفكيرِ والتعليمِ وفتحِ المدارسِ الخاصةِ بهمْ، وما يتبرعونَ بهِ لهذا الغرضِ تستولي عليهِ الحكومةُ وتبني بهِ الكنائسَ والمدارسَ لغيرهمْ.
كما يُفرضُ على الطلبةِ المسلمينَ في المدارسِ الحكوميةِ -وكرِ القساوسةِ وخبراءِ التبشيرِ- أنْ يتعلموا أنَّ رسولَ الإسلامِ -صلى اللهُ عليهِ وسلمَ- ألَّفَ عصابةً للنهبِ والسلبِ وسفكِ الدماءِ من الوحوشِ الجائحةِ في صحراءِ بلادِ العربِ.
لقدْ كانت الأقاليمُ الإسلاميةُ تعُجُّ بالمدارسِ والمراكزِ لتعليمِ الإسلامِ، وكانَ يؤمها آلافٌ منْ طلابِ العلمِ منْ سائرِ أنحاءِ البلادِ على نفقةِ أفرادِ الشعبِ، ومنْ ربعِ أوقافِ المسلمينَ، واستولوا على هذهِ المدارسِ وأموالها، ووزعوها على رؤساءِ الكنائسِ والجنودِ، واستعملوا السيفَ والنارَ في الطلابِ والعلماءِ فقتلوهمْ وشنقوهمْ وقطعوا أعضاءهمْ وزجوا الباقيَ في السجونِ، وهوَ أسلوبٌ يتبعهُ هيلاسلاسي وزبانيتُه حتى اليومَ، وذلكَ للحيلولةِ دونَ انتشارِ العلمِ والمعرفةِ بينَ الناسِ، ولا يجدُ المسلمونَ رغمَ أغلبيتهمْ وظائفَ حكوميةً يعملونَ بها، ومنْ يتعلمُ منهمْ في المدارسِ الحكوميةِ والجامعاتِ لا يسمحُ لهُ بتولي وظائفَ رئيسيةٍ.
دورُ الكنيسةِ في الحبشةِ
تلعبُ الكنيسةُ دورًا رئيسيًّا في المشاكلِ التي يعاني منها المسلمونَ في الحبشةِ فمثلًا إذا حدثَ اضطهادٌ للأقباطِ في أيِّ بلدٍ يحكمهُ مسلمٌ انعكسَ ذلكَ رأسًا على اضطهادِ حاكمِ الحبشةِ للمسلمينَ انتقامًا للأقباطِ في ذلكَ البلدِ، وهكذا وجدت الكنيسةُ القبطيةُ وسيلةً لحمايةِ الأقباطِ في كلِّ مكانٍ على حسابِ المسلمينَ في الحبشةِ كرهينة لهمْ.
والمصلحةُ متبادلةٌ بينَ الكنيسةِ وملوكِ الحبشةِ؛ لأنها تدعمُ النظريةَ القائلةَ بأنهمْ يحكمونَ وَفْقًا لمبدأِ التفويضِ الإلهيِّ كما كانَ الحالُ في أوربا في العصورِ الوسطى، وتعملَ الكنيسةُ على تحطيمِ المسلمينَ والإسلامِ بشتى الطرقِ، فهيَ التي تمتلكُ (60%) من الأراضي الزراعيةِ في المناطقِ الإسلاميةِ التي استولتْ عليها الحكومةُ الجائرةُ، والباقي يملكها القُطَّاعُ والحكومةُ، ويعملُ فيها المسلمونَ كأُجَرَاءَ، وتفرضُ الكنيسةُ الضرائبَ على أهلِ تلكَ المناطقِ المسلمةِ، وويلٌ لمنْ يشكو منها، ففي سنةِ (١٩٥٢م) قدمَ مسلمو «دللوْ» شكوى إلى الإمبراطورِ من الضرائبِ المتزايدةِ وضرائب الكنيسةِ «بمنفائي قوبائي» أي الهيئةِ العليا للكنائسِ الحبشيةِ التي لها ضرائبُ خاصةٌ عدا الضرائبَ الحكوميةَ العاديةَ، وطالبوا أنْ تكفَّ الكنيسةُ عن اغتصابِ أموالهمْ، وأنْ تكفَّ عنْ بناءِ الكنائسِ في بلادهمْ، فهم مسلمونَ ولا داعيَ لمزيدٍ منْ الكنائسِ ومزيدٍ من الضرائبِ لها.
فكانَ أنْ ثارت الهيئةُ العليا للكنائسِ، وأقامت الدنيا وأقعدتها، إذْ كيفَ يجرؤُ المسلمونَ على الوقوفِ أمامَ إرادةِ الكنيسةِ والإمبراطوريةِ، فأُجبرَ المسلمونَ بالقوةِ والسلاحِ على دفعِ ضرائبِ الكنيسةِ بعدَ أنْ قُتلَ عددٌ كبيرٌ منهمْ وأُسِرَ مشايخُهمْ.
وخلاصةُ القولِ أن هذهِ الهيئةَ الكنسيةَ تتحكمُ في المسلمينَ بصفةٍ خاصةٍ، وتصقلُ السيوفَ وتُناولُها لأعدائهمْ لقطعِ رقابِ المسلمينَ، وهيَ القوةُ الحقيقيةُ التي تحرك الحكومةَ الاسميةَ بمالها منْ إمكاناتٍ ماديةٍ وروحيةٍ وسلطانٍ مطلقٍ لا يحده القانونُ أوْ العرفُ ضد المسلمينَ، والمسلمونَ في الحبشِ شديدُو التمسك بدينهمْ نتيجةَ هذهِ الضغوطِ، وذلكَ دفاعًا عنْ عقيدتهمْ في وجهِ هذا الطغيانِ الجارفِ، فهم أشدُّ تمسكًا بالإسلامِ ومحافظةً على شعائرهِ منْ المسلمينَ في البلدانِ الإسلاميةِ الأخرى، وهمْ يتطلعونَ دائمًا إلى إخوانهم المسلمينَ في البلادِ العربيةِ وغيرها لمساعدتهمْ والأخذِ بيدهمْ نحوَ الاستقلالِ والحريةِ، وهم في حاجةٍ دائمةٍ إلى العونِ الماديِّ والمعنويِّ، والمساعداتُ الماديةُ التي يأخذها الأفرادُ منْ البلادِ العربيةِ لا تصلُ إلى المسلمينَ في الحبشةِ، وهمْ في حاجةٍ إلى التأييدِ الإعلاميِّ وكذلكَ الوقوفُ إلى جانبهمْ في المحافلِ الدوليةِ وشرحُ قضاياهمْ إلى الأممِ المختلفةِ، وتعليمُ أبنائهمْ بأيَّ طريقٍ.
الرقُّ في الحبشةِ
يؤخذ من عدة تقارير قدمت إلى هيئة الأمم في السنوات الأخيرة عن الرق في الحبشة أن الأحباشَ الأصليينَ لا يزيدُ عددهمْ على ثلاثةِ ملايينِ نفسٍ ولا يشغلونَ سوى ثلثِ مساحةِ البلادِ، وما بقيَ منها تشغلها قبائلُ أفريقيةٌ مختلفةُ العناصرِ، تدينُ بالطاعةِ العمياءِ لرؤساءِ أوْ ملوكِ الأقاليمِ، وتخضعُ لنظامِ الحكمِ الإقطاعيِّ الذي منْ أخصِّ ملازماتهِ الرقُّ على أنواعهِ، وتعددِ أشكالهِ حتى أنَّ الممولينَ في هاتيكَ الأصقاعِ كثيرًا ما يؤدونَ بقيمةِ الأموالِ والضرائبِ المفروضةِ عليهمْ عبيدًا من الأطفالِ والنساءِ، وأخصُّ ما يسترعي الانتباهَ من التقاريرِ التي وضعتْ في هذا الشأنِ تقريرٌ للوردِ «نوكستينْ» وتقريرٌ للوردِ «بولوارثْ»، وأهمُّها تقريرُ اللوردِ «لوجاردْ» مندوبِ عصبةِ الأممِ سنةَ (١٩٢٢م)، ومما جاءَ فيهِ قولُه: «لا ريب في أنَّ هناكَ نحوَ عشرةِ آلافٍ من الرقيقِ يساقونَ كلَّ سنةٍ منْ جنوبِ الحبشةِ ليعرضوا في الأسواقِ في الشمالِ الغربيِّ منها».
وفي سنةِ (١٩٢٥م)، أصدرت الحكومةُ البريطانيةُ كتابًا أبيضَ أحصتْ فيهِ عددَ الأرِقَّاءِ وقالت: «إن أكثرَ الأرقاءِ يؤتى بهمْ إلى دورِ الرؤساءِ والزعماءِ ورجالِ الحربِ ومعظمهمْ من النساءِ الشاباتِ والصبيان».
وفي تقريرِ للكابتنْ «كرشرانْ» حاكمِ ميناءِ موبالْ «أن كلَّ حبشي يمتلكُ في أقلِّ تقديرٍ عبدًا واحدًا، ومعنى ذلكَ أنَّ هناكَ مليونيْ عبدٍ، علاوةً على ما عندَ الحكامِ والرؤساءِ من الأرقاءِ العديدينَ، وعلى ما هنالكَ منْ أهلِ البلادِ المستعبدينَ الذينَ ليسوا من الأحباش الأصليينَ».
وفي سنةِ (١٩٢٢م) نشر «الميجور دبرلي» العضوُ الإنجليزيُّ في لجنةِ تعيينِ الحدودِ الحبشيةِ بالاتفاقِ معَ الدكتورِ «داليسْ شاربِ» مقالًا في عددِ ينايرَ منْ جريدة «وستمنسترْ جازيتْ» جاءَ فيهِ: «أن في الحبشةِ بقاعًا شاسعةً تصلحُ للزراعةِ لا ديار فيها ولا نافع نارٍ؛ لأنَّ أهلها سبقوا إلى أسواقِ العبيدِ».
وهناكَ عددٌ آخرُ من التقاريرِ تخصُّ هذا الموضوعَ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل