; جرائم اليهود في مصر بعد التطبيع | مجلة المجتمع

العنوان جرائم اليهود في مصر بعد التطبيع

الكاتب شعبان عبد الرحمن

تاريخ النشر الأربعاء 02-يونيو-1993

مشاهدات 66

نشر في العدد 1052

نشر في الصفحة 19

الأربعاء 02-يونيو-1993

رسالة موجهة للمفاوض العربي: الحصاد المر لتطبيع 14 عامًا
صور من جرائم اليهود في مصر على مدار 14 عامًا..
•       حتى عام 1988 كان عدد السائحين الصهاينة الذين زاروا مصر بلغ ثلث عدد اليهود في فلسطين المحتلة.
•       يقول تقرير مصلحة الأمن العام المصرية: إن 76% من جرائم التهريب التي حدثت عام 1989م قام بها صهاينة.
•       بلغت قضايا المخدرات التي ضبط فيها صهاينة في مصر 4457 قضية.. ضبط منها 5.5 طن من الحشيش و30 كيلو أفيون.
•       بعد قيام مراكز البحوث المصرية بتحليل البذور الإسرائيلية وجدوا أنها مصابة بفيروسات تصيب التربة [بالبوار] بالبَوار ومحقونة بأمراض تصيب المصريين بالفشل الكلوي.
•       اليهود قاموا بتلويث الشواطئ المصرية والمحميات الطبيعية والأحياء المائية وقاموا بسرقة الشعاب المرجانية.

 

تطلعات زائفة وحقائق مرة

كان المرتجى أن تكون اتفاقيات «كامب ديفيد» وتطبيع العلاقات بين مصر والعدو الصهيوني بادرة خير وانفراج اقتصادي على الشعب المصري وفاتحة سلام شامل في المنطقة.. هكذا كانوا يروجون.. ولكن أربعة عشر عامًا من هذا التطبيع أثبتت عكس ذلك تمامًا.. فحروب المنطقة ازدادت كمًّا ونوعًا.. والضيق الاقتصادي ازداد خنقًا للشعب.. بل والأخطر -وهذا هو المهم- أن هذا التطبيع جاء إلى البلاد بكل الرذائل واللعنات.. كثير منها لم يسمع بها شعب مصر من قبل ومن شأنها تقويض المجتمعات من أساسها.

فالتقارير والبيانات الرسمية من جهات متعددة والمعلنة للكافة، ناهيك عن واقع الحال المشهود لكل ذي عينين تثبت أن الصهاينة استغلوا التطبيع أرذل استخدام في ترويج المخدرات والجنس والفاحشة والإيدز لضرب الإنسان المصري في مقتل.. وروجوا الدولارات المزيفة والتقاوي والبذور الملوثة والمبيدات القاتلة؛ لتدمير الاقتصاد المصري.. ومارسوا أنواعًا خبيثة من التجسس للإضرار بالأمن القومي المصري.

كان التطبيع كله لعنات فماذا لو صار شاملًا لكل المنطقة العربية؟ نقول ذلك بمناسبة المحاولات القائمة منذ سنوات، وحتى الآن لتعميم هذا التطبيع على العالم العربي تحت نفس الدعاوى التي ثبت فشلها.. السلام الشامل.. والأمن لكل دول المنطقة... إلخ. وقبل أن تتم المحاولة نقدم في هذا التقرير لمحات من حصاد التطبيع بين مصر والعدو الصهيوني، وماذا جرى بالضبط خلال هذه الفترة؟ وإلى البيانات والتقارير الرسمية.

 

السياحة ستار للجرائم

كانت السياحة هي الستار الحديدي الذي ارتكب الصهاينة من ورائه كل جرائمهم في مصر، فعقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد تدفق اليهود في رحلات مكثفة ومتتالية إلى مصر، والهدف المعلن هو زيارة البلاد والاستمتاع بآثارها وجوها وإثبات حسن النية والإقبال على السلام وتعميق التطبيع، ولكن الذي أثبتته التقارير الرسمية وأجهزة الأمن المصرية اليقظة على مدى أربعة عشر عامًا من هذا التطبيع أن الهدف الحقيقي شيء آخر تمامًا؛ فقد كان تدفق السياحة بطريقة لافتة للنظر حتى أنه بحلول عام 1988م كان عدد السائحين الصهاينة الذين زاروا مصر بلغ ثلث اليهود في فلسطين المحتلة، وذلك حسب تقرير لوزارة السياحة المصرية.. الذي أثبت أيضًا أن حجم السياحة الإسرائيلية لمصر تمثل 10% من إجمالي حجم السياحة الأجنبية الوافدة للبلاد، وتلك نسبة كبيرة.

 

أنشطة التجسس الصهيونية

فماذا فعل هؤلاء الضيوف الكرام إذًا؟

لقد فعلوا كل ما أمكنهم من جرائم: ففي أوائل شهر أغسطس عام 1985 كشفت المخابرات المصرية عن شبكة تجسس إسرائيلية في القاهرة يقودها المستشار العسكري بالسفارة وضمت بعض الباحثين في المركز الأكاديمي الإسرائيلي وأعضاء من البعثة الدبلوماسية وأمريكيين يعملان بهيئة المعونة الأمريكية.. كانت الشبكة هذه تستخدم محطة لاسلكي متطورة جدًّا داخل السفارة لبث رسالة يومية لتل أبيب عن أحوال القاهرة.

وفي يوليه 1987 طلبت الخارجية المصرية من «إسرائيل» سحب رئيس المركز الأكاديمي في ذلك الوقت «أوشيرا أوفاديا» بعد أن قدمت ملفًّا كاملًا بتحركاته وصفتها بأنها تعدت اختصاصاته.. ثم قامت السلطات في عام 1989 بترحيل ثلاثة من باحثي نفس المركز ثبت أنهم يعملون لحساب الاستخبارات الإسرائيلية العسكرية «أمان»، وجاءوا لجمع المعلومات السرية المحظورة وإنشاء شبكات تجسس لهم مستغلين إجادتهم للغة العربية واللهجة المصرية الدارجة، إضافة إلى حجم الحرية في الحركة الممنوح لهم.

وهكذا تحول المركز الأكاديمي منذ تأسيسه في القاهرة عام 1982 بالقرب من جامعة القاهرة تطبيقًا لنص المادة الثالثة من الملحق الثالث في معاهدة السلام «كامب ديفيد» الموقعة في 26 مارس 1979، والاتفاق الثقافي في 8 مايو 1980.. نقول: تحول إلى واحدة من أخطر بؤر التجسس وأبرز مظاهر الاختراق الثقافي في مصر.

وفي يناير 1989 ضبطت أجهزة الأمن شبكة تجسس إسرائيلية داخل أحد فنادق القاهرة في ميدان الحجاز بضاحية مصر الجديدة، وهي تقوم بعملية جمع وتجهيز معلومات.. وفي نفس الفترة ضبط أربعة جواسيس صهاينة خلال مرورهم بإحدى نقاط المراقبة الخاصة بقوة حفظ السلام الدولية في شرم الشيخ، وكان بحوزتهم 7 وثائق شفرية و19 شريط ميكروفيلم تتضمن معلومات خطيرة عن منشآت عسكرية مصرية، وكانوا يحملون جوازات سفر بريطانية مزورة.

وتطور أسلوب الصهاينة في التجسس من خلال السياحة، وكذلك تطور أسلوب أجهزة الأمن المصرية في الضبط والمراقبة حتى كانت قضية التجسس الكبرى التي ضبطتها أجهزة الأمن المصرية العام الماضي، وهي قضية «آل مصراتي» الأب.. والابن.. والابنة وصديق لهم إنجليزي، ومع أنه تم ضبط هذه الشبكة متلبسة بالعديد من الجرائم التجسسية في البلاد وبطرق خبيثة وقذرة بما يستوجب محاكمتهم على أقل تقدير، إلا أن المجتمع المصري فوجئ بين عشية وضحاها بسماع أصوات هؤلاء الجواسيس في الإذاعة الإسرائيلية تحتفي بقدومهم «لإسرائيل» بعد الإفراج عنهم.. وحتى الآن لم يعرف بعد ملابسات قرار الإفراج هذا!

 

الدولارات المزيفة وتدمير الاقتصاد

وفي مجال الاقتصاد وخاصة قطاع المال تبين على مدى الأربعة عشر عامًا الماضية أن هناك خطة لإغراق السوق المصري بملايين الدولارات المزيفة، وأقل تأثير لهذه الأفعال خلق نوع من عدم الثقة في السوق المصري، إضافة إلى ضرب سوق المال نفسه في مقتل.

وقد ضبطت على سبيل المثال فقط 80 قضية لتهريب وترويج عملات مزيفة من فئة المائة دولار مهربة من تل أبيب للقاهرة.. ومن أواخر عام 1989 ضبطت شبكة مكونة من 11 إسرائيليًّا، وكان بحوزتهم مليونا دولار مزيفة.

وفي التحقيقات اعترف الجميع أنهم يعملون ضمن شبكة دولية مركزها تل أبيب ويتزعمها «رفائيل منشاة» أحد قادة الجيش السابقين.. والعجيب أنهم اعترفوا أيضًا وببجاحة بدخولهم مصر عدة مرات وبحوزتهم دولارات مزيفة.

وقبل ذلك بعام واحد تم القبض على أحد عشر صهيونيًّا آخرين ضمن فوج سياحي وبحوزتهم 4 ملايين دولار مزيفة.. ومن أشهر هذه القضايا تلك القضية التي ضبط فيها 130 ألف دولار مزيفة، ورغم بساطة المبلغ بالنسبة للقضايا الأخرى إلا أن شهرتها وغرابتها أن هذه الدولارات ضبطت مع أحد رجال الدين اليهود خلال تواجده في شارع عدلي بوسط القاهرة بالتحديد بجوار المعبد اليهودي.

وهكذا.. ترصد الإحصاءات الرسمية العديد من القضايا من هذا النوع فتثبت أن عدد قضايا العملات المزيفة عام 1984 كان 34 قضية ارتفع عامي 89- 90 ليصل إلى 145 قضية صادرت السلطات خلالها 28 مليون دولار مزيفًا.

ويكون تقرير مصلحة الأمن العام أكثر تحديدًا عندما يؤكد أن 76% من جرائم التهريب عام 89 قام بها صهاينة.

 

المخدرات: 5.5 طن حشيش و30 كيلو أفيون

ولم يتوقف الأمر عند ترويج العملات المزيفة للقضاء على الاقتصاد، وإنما تواكب معه وعلى نفس الخط ترويج المخدرات، ففي نفس العام وهو 1989 تم القبض على خمسة أشخاص من العاملين في المركز الأكاديمي الإسرائيلي بالقاهرة خلال تهريب هيروين في معجون أسنان، وقبلها بعامين ضبط الصهيوني ساسون فريد يقوم بترويج الهيروين في مدينة العريش، وقبل ذلك أيضًا بعام 1986 أكدت تقارير وزارة الداخلية المصرية أن إجمالي القضايا التي ضبط بها «صهاينة» بلغت 4457 قضية ضبط فيها 5.5 طن من الحشيش و30 كيلو أفيون.

وبالطبع فإن الحديث عن الدور الإسرائيلي في ترويج المخدرات داخل المجتمع المصري لا يمكن أن يتناسى أشهر القضايا في هذا المجال، وهي قضية المهرب الصهيوني «يوسف طحان» الصادر ضده حكم بالإعدام منذ سنوات ولم ينفذ حتى الآن، رغم أن الحكم نفذ في اثنين -أحدهما صومالي والآخر باكستاني- واجها نفس التهمة.. ولم يكتف طحان بالإفلات من حبل المشنقة، ولكنه واصل رسالته من داخل الزنزانة.. رسالة ترويج المخدرات؛ إذ ضبط مرتان وهو يمارس هذه الجريمة، حيث اكتشفت مباحث سجن الاستئناف الذي نزل به مخبأ سريًّا في زنزانته وبه عدد من الأقراص المخدرة وقطع الحشيش.

 

تحذيرات أمنية وفضيحة «تشارلز» (الإيدز)

ويصدر تقرير أمني رفيع المستوى عام 1990 يحذر من أخطار السياحة الإسرائيلية، ويؤكد أن الموساد وراء كل المخططات الهادفة؛ لتدمير الشباب ويرصد أن اليهود القادمين لمصر برًّا (80% من السياح) لا عمل لهم، وأن فترة إقامتهم تمتد لشهور يحرصون خلالها على الاحتكاك بالمصريين، وعادة ما يقيمون في فنادق الدرجة الثالثة وفوق أسطح المنازل وسط القاهرة، أو في ضيافة الشباب الأعزب من المصريين الذين يقعون في حبائلهم، خاصة إذا كانت مجموعات الصهاينة تضم نساء.

وقد تزامن هذا التقرير مع تفجير فضيحة «تشارلز» الشهيرة في مارس 90 والذي ضبط بعد أن نقل طاعون الإيدز لمائتي طفل تقريبًا من أبناء الأحياء الفقيرة، أوقعهم في شباكه من خلال إغداق النقود والهدايا عليهم بعد اصطيادهم من الحدائق العامة والإصلاحيات، وعند ضبطه أقر «تشارلز» بما قام به من جرائم.. ولكنه نال الإفراج دون أن يمسه سوء مثل «آل مصراتي»، بعد اتصالات سياسية مصرية أمريكية، ولكن الخسيس «تشارلز» عاد مرة أخرى من أمريكا للقاهرة ولكن باسم جديد مستعار اكتشفته سلطات الأمن وألقت القبض عليه، ولكن لا ندري هل تم ترحيله أم ظل موجودًا بعد الاتصالات إياها؟!

 

احتواء العقل المصري وتهديد الهوية

ولم يسلم العقل من عبث الصهاينة ومحاولات غزوه تحت ستار مراكز البحوث والدراسات العلمية، ويقوم المركز الأكاديمي الإسرائيلي بدور رائد في هذا المجال بالتعاون مع كثير من المراكز الأمريكية المنتشرة في مصر بأسماء ووظائف مختلفة، والتي يزيد عددها على الثلاثين مؤسسة امتلأت بجيوش من الباحثين الأجانب، وبما يزيد عن أربعين ألف باحث مصري اندفعوا للعمل بها بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة من جانب، وأملًا في الحصول على ما تمنحه من مرتبات ومكافآت مغرية، وإن كانت طبيعة عمل هذه المراكز المعلنة هي القيام بدراسات ميدانية وبحثية، فإن الدكتور رفعت سيد أحمد «مركز البحوث الاجتماعية» يؤكد أننا لا نعلم شيئًا عما تجريه هذه المراكز من أبحاث، ولكن الدكتور «حامد ربيع» أستاذ العلوم السياسية الشهير -رحمه الله- حذر مرارًا من سعي هذه المراكز في النهاية إلى احتواء العقل المصري وخلق تبعية كاملة للعقل الأمريكي والصهيوني.

والأخطر من ذلك أن المركز الأكاديمي اتجه في العديد من أبحاثه إلى البحث في الأصول العرقية للمجتمع المصري، ومن محاولات غرس بذور الفتنة، وكذلك محاولات نفي أوجه الاختلاف الشديد بين اليهودية والإسلام، وذلك في شكل دراسات تحليلية.

واهتم المركز في نشاطه البحثي بقضايا التعليم وأهمها المطالبة بمراجعة لتاريخنا وتراثنا الحضاري لإزالة المفاهيم السلبية على حد زعمهم.. ولا غرابة من ذلك فلدى «إسرائيل» مفهوم خاص للتطبيع تعمل على تطبيقه بكل حذافيره، وهو العمل على إحداث تغيير على الجانب المصري بصفة خاصة، والجانب العربي بصفة عامة، ويبدأ هذا التغيير بضرورة تقبل إسرائيل أولًا، ثم يمتد إلى تقييد قدرات العرب العسكرية، وتغيير معتقداتهم السياسية، ولهذا فقد ركز هذا المفهوم الصهيوني على:

•       ضرورة فتح الأبواب أمام حركة الناس، وتبادل المعلومات والثقافة والعلوم.

•       ضرورة مراجعة البرامج الدراسية من الجانبين، وفحص ما يدرس وتحديد ما يجب حذفه.

•       دراسة البرامج المتبادلة في وسائل الإعلام، وعلى الأخص الإذاعة والتليفزيون، وأن يسمح كل طرف للآخر بإذاعة برامج ثقافية عن وثائقه وتاريخه.. لاحظ أنهم في هذه الحالة سيحققون أكبر مكسب؛ إذ يكون السماح لهم بإذاعة وثائقهم وتاريخهم فرصة ليثبتوا للشعوب العربية أن لهم تاريخًا، وأيضًا وثائق، وبالتأكيد سيصب كل ذلك عند هدف واحد إثبات أحقيتهم في فلسطين، وبالتالي حرمان أهلها، أو ربما إثبات أنهم غرباء عنها أو غزاة لها.

•       ضرورة إزالة المفاهيم السلبية في الأيديولوجية العربية والإسلامية تجاه «إسرائيل»، وللحق فقد تحقق لهم كثير مما أرادوا؛ فبرامج التعليم تمت مراجعتها وحذف منها كل ما يتعلق باليهود من آيات قرآنية وأحاديث نبوية ووقائع تاريخهم، وكلها بالطبع تتحدث عن خستهم وخياناتهم وغدرهم وعدائهم المستميت للإسلام وأهله وإصرارهم على مواصلة إيذاء البشرية كطبيعة من جِبِلَّتِهم.

 

تدمير الزراعات وتجويع الشعب

ولعنات التطبيع لم ترحم قوت الشعب المصري فسعت إلى تجويعه بتدمير الزراعات المصرية، فالتعاون بين الجانبين في المجال الزراعي يعد من أبرز صور التطبيع، ولأهمية هذا المجال دخلت أمريكا كطرف ثالث لرعاية هذا التعاون، وكان ذلك من خلال ما يسمى بـ«المشروع الثلاثي»، يكون فيه التمويل أمريكانيًّا، والخبراء صهاينة بالاشتراك مع بعض المصريين أحيانًا، أما أرض البحث فهي الأرض الزراعية المصرية.

وقد بدأت هذه النوعية من المشروعات الثلاثية عام 1984 بمشروع التبادل التكنولوجي، والذي استمر حتى سبتمبر 1990م.

وفي هذه الفترة كان عدد الخبراء الصهاينة الذين دخلوا مصر 1550 خبيرًا وفنيًّا صهيونيًّا حسب تقارير الموانئ المصرية، وذلك مقابل 180 خبيرًا مصريًّا زار فلسطين المحتلة، وبمرور الأيام اتسع نطاق التطبيع الزراعي مع الصهاينة فأصبح لهم حضور قوي على الأرض الزراعية المصرية، وأنشأوا العديد من مواقع التمركز على شكل مزارع، ولكنها مغلقة عليهم وحدهم مثل: تلك المزرعة الموجودة في قرية «الجميزة» بمحافظة الغربية، والتي امتد نشاطها إلى 25 قرية مجاورة.. بل امتد مثل هذا النوع من المزارع إلى محافظات أخرى مثل: الشرقية والإسماعيلية والبحيرة.

وانتشر الصهاينة بين الفلاحين ليدرسوا أحوالهم وتقاليدهم وتفاصيل حياتهم وطرق معيشتهم والتعرف جيدًا على كيفية طعامهم وشرابهم، وأجروا دراسات مستفيضة على أسعار الحبوب والخضروات في البلاد، وبعد سنوات قليلة من بداية التوسع في التطبيع الزراعي بدأت نتائجه أو لعناته تظهر في زراعات مصر التي أصابها الهلاك مثل: الطماطم والخضروات، والقطن والقمح والذرة.. بل إن الأرض نطقت هي الأخرى بما أصابها من لعنات التطبيع، وذلك بعد إصابة تربتها بالجدب نتيجة التقاوي والبذور الملوثة عمدًا، وكذلك الأسمدة والمبيدات المحرم استخدامها دوليًّا.

 

بذور مثل القنابل الموقوتة وأسمدة محرمة

والخطير أن البذور الملوثة التي تؤدي لتدمير الزراعات مثل قنابل موقوتة تحدث آثارها المدمرة بعد سنوات من استخدامها.. فقد كان مزارعو سيناء تحت الاحتلال يستخدمون مثل هذا النوع من البذور الملوث بالفيروسات وهم لا يعلمون، وكانت تعطي إنتاجية عالية، وبعد الجلاء عن سيناء وصلت سمعة هذه البذور إلى المزارعين المصريين في المناطق القريبة من سيناء فبدأوا في استخدامها وتشجعوا أكثر عندما لاحظوا ارتفاع إنتاجيتها، ولكن بعد سنوات من استخدامها فوجئ هؤلاء المزارعون بتدهور الإنتاج عامًا بعد عام إلى أن تأكد الجميع أنهم جلبوا الدمار لأنفسهم، وبتحليل هذه البذور كانت المفاجأة أنها تحمل نسبة كبيرة من أمراض تصيب الإنسان بالفشل الكلوي، وأنها مصابة بفيروسات تصيب التربة بأمراض تصيبها بالبوار لعدة سنوات.. وقد تم ضبط 446 حالة من هذا النوع عام 1989.

وفي عام 1990 ذكرت هيئة المواد الوراثية التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة قيام بعض الشركات الإسرائيلية بتهريب 150 ألف طن من الهرمونات الزراعية والأسمدة والمخصبات المحرمة دوليًّا للشرق الأوسط منها 10 آلاف طن دخلت مصر على مدى السنوات الثلاث السابقة.

وقبل ذلك بأربعة أعوام كشف تقرير أمني عن ضبط 300 طن أسمدة كيماوية محرم استخدامها دوليًّا وتؤدي إلى تبوير الأرض الزراعية وتم تهريبها من «إسرائيل»، وكذلك ضبط تقاوي بطيخ فاسدة سببت خسائر بأكثر من 1/2 مليون جنيه.

وفي جمعية «الفردان» التابعة لمحافظة الإسماعيلية لاحظت الإدارة وجود شتلات فراولة مجهولة الأصناف ومصابة بأمراض، وبعد تحليلها ثبت أنها مهربة من «إسرائيل»، وأن خطورتها تأتي من أن آثارها المدمرة تظل لفترة طويلة في التربة، كما أنها تنتقل مع مياه الري.

وما جرى على الفراولة جرى لتقاوي الخيار وغيرها من تقاوي المحاصيل الأخرى التي انخفض إنتاجها بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة.

لقد تعامل الصهاينة بلا رحمة بأرض أو نبات أو حيوان أو إنسان، فقد كشفت المنظمة الدولية لمراقبة المبيدات بأن قيام شركات صهيونية بتصدير 12 مبيدًا لمصر وبعض دول العالم الثالث أثبتت البحوث أنها تسبب العقم والسرطان والتشوه الجنيني، وتسمم مياه الآبار وبحيرات المياه العذبة.

وهكذا رصدت محطات البحوث الزراعية تفشي الأمراض الوبائية بالمناطق التي سبق لهم الإشراف عليها، والتي زرعت بشتلات الخوخ والتفاح.

 

كارثة الثروة الداجنة وإنتاج العسل

ولم تفلت الثروات الحيوانية من لعنات تطبيعهم.. فالثروة الداجنة تعرضت لكارثة بفضل طرود الكتاكيت المصابة بمرض «الجابوري» -وهو طاعون الدواجن- والقادمة من «إسرائيل»، وقد تم ضبط 300 طرد كتاكيت قادمة من هناك مصابة بهذا المرض اللعين، والسبب هو إطلاق وزارة الزراعة العنان لشركات القطاع الخاص لاستيراد البيض الإسرائيلي المخصب وكذلك الكتاكيت؛ مما أدى إلى نفوق أعداد ضخمة من الدواجن عام 1990، وتوقف مزارع بكاملها عن الإنتاج؛ إذ انخفض الإنتاج من 305 ألف طن لحوم سنويًّا إلى 135 ألف طن، وارتفاع ديون 1863 مزرعة.

وفي نفس الوقت جاءت الضربة لإنتاج العسل بعد اكتشاف أكثر من مائة طرد لملكات النحل مصابة بمرض «الفاروا» اللعين، ومستوردة من «إسرائيل»، وذلك أدى في عام 1990 إلى تدمير 80% من خلايا [في] النحل في مصر بعد أن ماتت مليون خلية نحل بالكامل في أنحاء الجمهورية؛ مما أدى لارتفاع أسعار العسل مرات متتالية حتى وصل إلى عشرة جنيهات بدلًا من ثلاثة جنيهات.

 

تلويث الشواطئ وتخريب المحميات الطبيعية

لقد حاولوا -وما زالوا- القضاء على ركائز البلاد كما نرى حتى المياه والشواطئ والمحميات الطبيعية لم تسلم من مكرهم، فقد ألقت أجهزة الأمن المصرية القبض على القبطان الصهيوني «جوزيف تزمن» في 23/ 10/ 89 متهمًا بتسريب البترول من باخرته التي كان يقودها في مياه البحر الأحمر مما أدى إلى تلويث مياه المنطقة.

وقبل ذلك وبالتحديد في 12/ 9/ 89 تعرضت منطقة «رأس نصراني» في جنوب سيناء لحادث تلوث آخر كاد يهدد الأحياء المائية في المنطقة لعشرات السنين لولا عناية الله، حيث انحسرت الخسائر في تدمير 300 متر مربع من الشعاب المرجانية.

الدكتور أحمد العيسوي مدير معهد علوم البحار يوجه الاتهام مباشرة لإسرائيل، مؤكدًا أن هذه الأحداث ليست مصادفة، وأن هذا النوع من الأحداث بدأ عام 1985م بعد أن لفت البحر الأحمر أنظار السياح الأوربيين والأمريكيين وخطف الأنظار، وبالتالي السائحين من شاطئ إيلات في فلسطين، ومنذ ذلك الحين تكررت حوادث تدمير الشعاب المرجانية النادرة وتلويث الشواطئ المصرية هناك بصورة ملحوظة؛ ما أدى إلى تلويث 40% من الشاطئ!

ويشير مسئول في شرطة المسطحات المائية إلى نقطة هامة؛ وهي أن الشاطئ المصري المطل على البحر الأحمر يبلغ طوله 250 كيلومترًا تقوم قوات بحماية 45 كم منها فقط، أما المساحة الباقية فيتولى حراستها حرس الحدود طبقًا لاتفاقيات كامب ديفيد، ولأن حرس الحدود يركز اهتمامه على عمليات التهريب والتسلل إلى داخل البلاد فلا يكتشف عمليات تلويث الشواطئ إلا بعد أن تتم بالفعل.

وفي شهر يوليه عام 1991م ألقت الشرطة المصرية القبض على 18 شخصًا بينهم 12 إسرائيليًّا لقيامهم بسرقة الشعاب المرجانية والنباتات الطبيعية النادرة من محمية «رأس محمد».

 

خاتمة

وإلى هنا نتوقف.. ويبقى التساؤل: ماذا بقي للصهاينة لكي يفعلوه من خلال التطبيع الملعون؟ ألا يكون لدينا حقًّا إذا أبدينا تشككنا من ضلوعهم فيما يحدث من إغماءات جماعية لفتياتنا في المدارس؟ وماذا لو أن تجربة التطبيع هذه تم تعميمها على العالم العربي كما يخطط لها اليوم؟ من يومها سيكون بمنجاة من لعنات التطبيع؟!

اقرأ أيضا

التطبيع.. تهديد لهوية الأمة وثرواتها

 

“التطبيع”.. وخلل تعريف العدو

الرابط المختصر :