; جريمة «ترقوميا» ولغة القوة المنسية! | مجلة المجتمع

العنوان جريمة «ترقوميا» ولغة القوة المنسية!

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1998

مشاهدات 73

نشر في العدد 1293

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 24-مارس-1998

مثلما يدعونا أنصار معسكر التسوية إلى الاحتكام إلى لغة العقل في تعاملنا مع مرحلة السلام المزعوم ندعوهم وخصوصًا فلسطيني معسكر أوسلو إلى «لي ألسنتهم» بمفردات لغة القوة بعد جريمة ترقوميا قري الخليل يوم الثلاثاء ١٠ مارس الماضي، ذلك أن لغة القوة منطق يحتاج إليه عندما لا يفهم العدو لغة غيرها.

من الثابت والمجرب أن إسرائيل لا تفهم عبري ولا عربي إلا أنها تستجيب راجفة للغة القوة أو ما يسميه معسكر السلام المزعوم ب «الإرهاب»، وإلا ما معنى هرولة رئيس وزراء العدو اليهودي نحو فرنسا طالبًا منها التوسط لدى لبنان من أجل حل يحفظ لإسرائيل ماء وجهها مقابل استعداد إسرائيل بسحب قواتها المحتلة لأرض الجنوب منذ عام ۱۹۸۳م بعد أن آتت هجمات «حزب الله» ثمارها؟

لو أن ما حدث لأبناء دورا الخليل عند حاجز ترقوميا أصاب يهوديًا أو أمريكيا لكان رد الفعل مختلفًا، فإسرائيل حركت جيوشها وطائراتها لحماية بضعة صعاليك صهاينة لم يعجبهم إلا الاستيطان في كريات شمونة (قرية الخالصة الفلسطينية) في أصبع الجليل الفلسطيني المحتل منذ عام ١٩٤٨م، ولإبعاد خطر صواريخ الكاتيوشا الفلسطينية واللبنانية عنهم، وحتى لا تخدش هذه الصواريخ يهوديًا واحدًا، دمرت طائرات شيمون بيريز -زعيم معسكر السلام الإسرائيلي- (!) بلدة قانا على أهلها فقتلت أكثر من مائة طفل وامرأة في خبطة واحدة.

لماذا الدم الفلسطيني مباحًا مشاعًا؟ لأن سلطة الحكم الذاتي التي فرضت على الفلسطينيين كتمت أنفاس انتفاضتهم التي جاءت السلطة على أكتافها وأخمدت كل مشاريع الانتفاضات التي تلت قدومها إلى مناطق الحكم الذاتي بعد كل عملية إرهابية صهيونية وبعد كل محاولة ناجحة من جانب المستوطنين اليهود لمصادرة الأرض وتهديد المقدسات الإسلامية في فلسطين، وعندما تتباهى أجهزة أمن السلطة بقدرتها على إخماد كل نفس منتفض وكشف مشاريع العمليات الاستشهادية واعتقال المجاهدين الذين لم تتلوث أيديهم بالتوقيع على صكوك بيع أرض فلسطين ومقدسات المسلمين، وعندما يجري رجال شرطة السيد عرفات كالبهاليل وراء أطفال فلسطين حتى لا يصيبوا بحجارتهم خونة جندي صهيوني على حواجز الخليل أو رام الله أو نابلس لن تتحرر السلطة ولا شعبها من حبل المسكنة والقمع الصهيوني.

مقتل الفلسطينيين الثلاثة ليست الجريمة الأولى والأغلب أنها لن تكون الأخيرة على أيدى جنود الاحتلال المجانين أو المصابين بالشيزوفرانيا؛ فالجريمة ستتكرر مادام الدم الفلسطيني هينا سهلًا على سلطة أجهزة الأمن الفلسطينية المتعددة الأذرع المتوحدة في المهمة، بعد أربع سنوات على وجودها في غزة انتظارًا للمرحلة الثانية من إعادة الانتشار، أثبتت السلطة فشلها في كل شيء إلا في إبداء حسن نواياها تجاه قوات الاحتلال الإسرائيلي.

موقف السلطة من حادث ترقوميا موقف مخز وذليل لن يقيم للسلطة صلبًا، ولن يشفي غليل المكلومين من أبناء شعبها، بل من شأنه تكريس الاحتلال وتعنت الحكومة الإسرائيلية أكثر في موقفها من اتفاق أوسلو المشؤوم، إن لغة القوة هي الوحيدة التي يفهمها الصهاينة لأنهم يمارسونها ضدنا، فلماذا لانترك القادرين على إرهابهم ممارستها، بدل الزج بهم في المعتقلات وبدل الجلوس في مكتب وزير الداخلية الإسرائيلي كهلاني التقديم آيات الطاعة والولاء.

الانتفاضة الفلسطينية الجديدة التي انطلقت من شوارع دورا والخليل مرشحة للإجهاض كسابقاتها بعد أن تنجح سلطة السيد عرفات في انتزاع موافقة من نتنياهو على اللقاء الذي طال غيابه بينهما، لأن هذا هو سقف مطالب السلطة الفلسطينية الآن!

لم يفت الوقت بعد، وبإمكان السلطة تصويب موقفها مادامت اعترفت على لسان رئيسها بأن عملية السلام تلفظ أنفاسها الأخيرة، وهو اعتراف لا يتناقض كثيرا مع موقف رافضي أوسلو الذين أعلنوا وفاته يوم مولده! مطلوب من السلطة إذن التوقف عن تكريس نفسها ذراعًا أمنيًا لدولة الاحتلال اليهودي ،وهو الدور الذي لم تفلح في غيره منذ مجيئها إلى غزة هاشم عام ١٩٩٤م.

وإذا كانت سلطة الاحتلال قد أفرجت عن الجنود الذين تلطخت أيديهم بدماء أبناء دورا وأفرجت قبل ذلك عن كل السفاحين أمثالهم فلا أقل من أن تبادر هذه السلطة إلى الإفراج عن المعتقلين في سجونها من أبناء حماس والجهاد الإسلامي ومن أحرار فتح وغيرهم القابعين هناك دون جريمة ودون محاكمة منذ أكثر من سنتين (!) هناك نحو مائتي معتقل عند السلطة حتى الآن، وبعضهم توفي في غرف التحقيق تحت التعذيب كما شهدت بذلك منظمات حقوق الإنسان الدولية.

نريد من أجهزة أمن السلطة -وخصوصًا جهاز الأمن الوقائي بشقيه الضفاوي والغزي- إعلان الإضراب عن ممارسة وظيفته ولو لفترة محدودة ، يتسنى للرجال الأبطال خلالها الانتقام لشهدائنا حتى تشفى صدور أمهاتهم وأبنائهم، الأمن الوقائي الذي يرأسه جبريل الرجوب -وهو بالمناسبة ابن عم أحد الشهداء الثلاثة الذين قتلهم جنود الاحتلال على حاجز ترقوميا- هذا الجهاز هو أكثر أجهزة الأمن الفلسطينية اختراقًا من جانب عملاء أجهزة الأمن الصهيونية، وهو الذي قدم خدمات مجانية للشين بيت الإسرائيلي حين سلمه أبطال خلية صوريف التي نفذت سلسلة من العمليات الجهادية ضد أهداف صهيونية في فلسطين المحتلة.

تحية إلى مشاريع الشهداء القابضين على أحجارهم في شوارع القدس والخليل ومدن الضفة الأخرى، وتحية إلى زميلنا مصور القدس خالد الزغاري المستلقي على سرير الشفاء في إحدى مستشفيات الخليل الذي جاهد بكاميرته حتى دهمته رصاصة مطاطية في رأسه وهو يصور للتاريخ شواهد الإجرام الصهيوني، لقد كانت كاميرا خالد أبلغ من كل بنادق شرطة السلطة المنكوسة مثلما كانت حجارة أطفال الانتفاضة أبلغ من فصاحة مفاوضي أوسلو.

الرابط المختصر :