; جلال الإسلام وجلال الإسراء!! | مجلة المجتمع

العنوان جلال الإسلام وجلال الإسراء!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

مشاهدات 89

نشر في العدد 1424

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 31-أكتوبر-2000

جلال الإسراء قبس من جلال الإسلام، ومكانة المعراج وهج من أنوار محمد صلى الله عليه وسلم، وعظمة المسجد الأقصى مدد من قدسية الكتاب الكريم الذي بارك حوله وجعله القبلة الأولى وثالث الحرمين، فإذا ضاع جلال الإسلام وانطفأت أنوار الرسالة، وخبا وهج القدوة بالنبي الكريم، فقل على الدنيا السلام وعلى الأمة العفاء، لأن الإسلام قد صاغ الناس صياغة جديدة أساسها الصلة بالله واستمداد العون منه سبحانه، واستخرج ما فيهم من خصائص، وأبرز ما فيهم من ملكات عليا، وطهرهم من أدران الغرائز الهابطة، وتجافى بهم عن كل ما لا يتفق مع كمال إنسانيتهم وطبيعة فطرتهم، واستكمل في الإنسان معاني القوة والجمال والسمو ببدنه وعقله ووجدانه، ليكون في أحسن تقويم، وكان ذلك بالوحي الرباني الكريم، وبالقدوة الصالحة، والفكرة الصالحة، والتزكية الصالحة: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: ١٢٩).

ومن هنا كانت الأمة التي تؤمن بالإسلام، والجماعة التي تسير على منهاجه، والشعوب التي تتبع رسالته -مهما اختلفت أوطانها وألوانها وأجناسها وقاراتها- تعتبر في عرف الإسلام جميعًا أمة واحدة، قوية التماسك عظيمة الترابط قد ارتقت صلتها إلى درجة الأخوة، ثم تجاوزتها إلى درجة الحب، ثم علت حتى صارت إلى مرتبة الإيثار وصدق الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر: ٩).

ومن هنا كان الإسلام عقيدة وجنسية، ليست جنسية الدم والأرض، ولكنها جنسية الأخوة والروح والعقيدة، وهي أقوى وأفعل في الحياة وأجدى وأفضل على الواقع والزمان، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» (متفق عليه). وقد قرر القرآن هذه الحقيقة في غير موضع منه فقال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة:٧١)،﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: ١٠).

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (آل عمران: ١٠٣).

وعلى هذا ومن هذا يُعلم اليوم جرم من ينحي الإسلام جانبًا من حياة المسلمين لأنه يضحي بجلال الإسلام، وبأنوار النبوة، وبتاريخ الرجال، كما يضحي بمصانع الرجولة، وأكاسير البعث والإحياء للنفوس، وبمعنى آخر يضحي بالأمة على مذبح أعدائها من يهود وصليبيين ويبيع دمها ولحمها وعظامها في أسواق النخاسة والعمالة، ثم يأتي فيتباكى على المسجد الأقصى وعلى مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويداه ملطختان بدماء العاملين للإسلام، والمكافحين في سبيل دعوته، إن هزائمنا دائمًا تأتينا من الصنف الغريب عن الأمة، وعن عمقها وتراثها وهويتها، الغريب عن مشاعرها وأحاسيسها وآمالها وأهدافها ورجولتها، هذا الصنف الذي يوجه حرابه إلى صدر أمته لا إلى صدور الأعداء، وسطوته إلى بني جلدته لا إلى المحتلين:

أسد عليَّ وفي الحروب نعامة         ***         فتخاء تنفر من صفير الصافر

هلا برزت إلى غزالة في الورى    ***           بل كان قلبك في جناحي طائر

ولقد رأت الأمة كلها أصحاب الصدارة، وأرباب المناصب، إذا ذكر جهاد العدو نكصوا وسارعوا إلى نفي التهمة أو الفرار منها كما يفر الجبان من الأسد، وكأن إسرائيل تلك التي هُزمت من عصابات قليلة العدد عملاقدولي، وجبار حربي يركع العالم من هيبته، فقلت: إن الوهن النفسي، والخواء الروحي قد ملأ القوم حتى طف الكيل، وتسرب في أجسادهم حتى النخاع، وقلت: سبحان الله! أهذا الغثاء هو الذي سيحرر الأقصى، وهو الذي سيدافع عن المقدسات، ويصون الحرمات؟ كلا وألف كلا، هؤلاء لا يصلحون إلا للفتن والإفساد، والنهب وقتل العباد.

يختلفون في الضلال اختلاف عصبيات وأهواء، وجدال ومراء، لا خلاف تمحيص وبحث واستهداء، عميت عليهم حقيقة الصواب، وفرت من بين أيديهم هدايته، وبقيت في رؤوسهم ونفوسهم رسوم الضلال، وصور البهتان، وكانوا مسلمين بالأسماء والمواطن، لا بالقلوب والمواجد، والله لا ينظر إلى صورهم وأموالهم ومناصبهم، ولكن ينظر إلى قلوبهم ونفوسهم وأعمالهم.

اختلفوا على الدنيا فانتزعها الأجانب والأعداء من بين أيديهم، وتعاونوا عليها شركات وجماعات ومصارف وهيئات ففازوا بها دونهم واستذلوهم بفتاتها، ومنوا عليهم بالحقير التافه من أعراضها.

واختلفوا في السياسة شيعًا وأحزابًا وطوائف وألقابًا، فذهبت ريحهم واستعبدت ديارهم، وتمكن العدو من أرضهم ومقدساتهم، وضرب بعضهم ببعض، وأخاف بعضهم من بعض، ووقف يرمقهم ويسخر منهم ومن تنابزهم وتفرقهم ووهنهم. فكفوه أمرهم، وأراحوه من عناء جهادهم أو التفكير في أمرهم، وفعلوا بأنفسهم ما لم يفعل بهم خصومهم.

یا قوم حجبتم المخلصين، وأطلقتم المفسدين، وقربتم الملحدين، وسجنتم المتقين، وقتلتم المجاهدين، وقدمتم المنافقين، فقللتم العدد، وأوهنتم الجسد، وخسرتم المال والولد، ولم تحصلوا بعد ذلك على شيء، دنياكم ذلة وخصام، وآخرتكم تبعات جسام، فإلى متى والزمان يدور ويجري، والفرص تسنح وتمضي، فتعالوا نتنادى بكلمة سواء ومنهج واضح مبين، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، وأن نرضى بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا ومنهاجًا، ونسير تحت راية الإسلام، حيث النصر والسيادة في الدنيا، والجنة والمغفرة في الآخرة، هذا قبل أن يأتي يوم لا مردَّ له من الله في الدنيا قبل الآخرة، فالله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ولن تظل الشعوبتظلم وتصبر وتقهر وتصبر، وتضيع مقدساتها وتصبر وتُسفك دماؤها، وتصبر وتطحن عظامها وتصبر، وإنما لا بد لها من قومة، ولا بد لها من فورة، وإذا قامت ونهضت لا تنفع هؤلاء أوبتهم أو توبتهم وضراعتهم، والغريب أن من كتب الله عليه الشقوة لا يفيق منها، وكأن هذا من دعاء المظلومين، ومن ضراعة المحزونين: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يونس:88 – 89).

نسأل الله السلامة.. آمين.. آمين.

الرابط المختصر :