; جلسة بحرية | مجلة المجتمع

العنوان جلسة بحرية

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 18-سبتمبر-2010

مشاهدات 62

نشر في العدد 1919

نشر في الصفحة 52

السبت 18-سبتمبر-2010

 

تواعدنا على اللقاء، بعد سنوات من آخر فراق، فتدفقت مشاعرهما لتعبر عن صدق الشوق والحنين واستقبلهما البحر على ضفافه تحييهما أمواجه على استحياء وكانت كل واحدة منهما تتأمل خطوط الرمل المرسومة على وجه الأخرى، وتود أن تعلم كل شيء مر بها في فترة الفراق.

وسبقت إحداهما الأخرى بقولها: اروي لي كل شيء عنك وما مربك من أحداث ومواقف.

اعتدلت في جلستها وتنهدت وقد مدت ببصرها إلى البحر وكأنها تخرج من قيعانه ما تبقى من ذاكرتها وشملت ما ظهر من البحر بعينيها، وحدقت بمقلتيها وكأن شريط الأحداث قد بدأ يمر أمامها وهي تختار منه ما تود قوله.

أرهف سكان البحر السمع مع نسمات الهواء، والأخت السائلة كلها آذان صاغية. قالت المسؤولة: إن قصني فيها الكثير من الآلام والجراح التي اندمل بعضها والآخر مازال ينزف، ولا أتصور أن له علاجا، فإن قدري في الدنيا أن والدي كان علمانيًا لا يمت لدين بصلة، ويتغافل عن ديانة وملل الناس عند تعامله معهم، وقد أراد أن يصبغنا - نحن أولاده بأفكاره وكأننا هو وكما تعلمين كنت أنا أكبر أخواتي وإخوتي، وكنت أميل إلى الهدوء ولا أحب الصخب وشخصيتي يحيط بها الانطواء من كل حدب وصوب.

حاول والدي أن أنطلق وأمرح مع الفتيان وأرتدي الملابس التي تكشف أكثر مما تستر، وأن أتحلل من كل شيء سوى ما يريد هو، ولكن طبعي غلب على كل شيء، فدبر هو ووالدتي أمرًا يحسبان أنهما يحسنان به صنعًا، فقد قررا سفري إلى بلد من بلاد أوروبا المعروفة بمفردي وفي سن حرجة جدًا، فجعلا تعليمي بهذه الدولة الأوروبية وكأنهما قذفاني إلى يم يبتلع بلا رحمة وهكذا وجدت نفسي بمفردي في وسط غيلان وحشية، أو هكذا كنت أتخيلهم في هذا الوقت البئيس، وجدت نفسي في سكن داخلي تضم الحجرة فيه حوالي اثنتي عشرة فتاة لهن حمام واحد وفتيات من جميع الجنسيات لم أجد لغة تساعدني في التفاهم مع أي من إحداهن سوى فتاة ألمانية بالكاد فهمت منها أنها تريدني أن أخرج معها هروبا من هذا المعتقل الكتيب وكنت كالمستجير من الرمضاء بالنار، فقد وجدت نفسي في فم السرطان المنتشر في كثير من البلاد والمسمى «الملهى ولأول مرة في عمري أرى ما رأيت، تضاءل جسدي من الانكماش ازدراء لما تراه عيناي وخرجت مسرعة، ولكن إلى أين؟ لا أدري، حتى مكان السكن لا أعرفه فرجعت مرة أخرى إليها في وكر الشيطان بل الشياطين.

انطلق صوت المؤذن فاستعدتا لأداء الصلاة مع المصلين، وكان الإمام يقرأ في صلاته قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُبِّئُكُم بالأخسرين أعمالًا. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعَا (الكهف: 103,104).

بعد الانتهاء من ختم الصلاة، اتجهتا مباشرة إلى حيث مقاعدهما، فقالت الأخت الراوية أسمعت ما قال الإمام؟ فإن هذه الآية قد لخصت قصتي بشكل رائع، فإن ما فعله معي أبي فقد آذاني وهو يقصد حسب فكره وتصوره أنه يقدم إلى خدمة جليلة، انهرت طبعًا بعد ذلك في بوتقة الضياع ورأيت أياما وليالي حالكة سوداء إن مددت يدي لا أكاد أراها، ثم تلقفتني عائلة علمانية على فكر أبي سكنت معها، فقضت على ما تبقى عندي من قشور الإسلام، وأصبحت كالطير الذي يهوي من السماء، وقد اشتدت به الريح فلا يرى سوى الهوة السحيقة سألتها صديقتها بأسي: فلماذا لم تستغيثي بالله لينقذك؟

قالت لها: لقد طمس على نفسي ونسيت أصلًا إسلامي، وهذا أبشع شيء يمكن أن يمر به بشر أن يضل عن الله تكالبت علي الخطوب والمحن ولم أكن أبدًا سعيدة، بل لقد كنت اصطنع الابتسامة وكدت أن أفتح لبيعها متجرًا، أما قلبي فينفطر في اليوم بعدد ثوانيه، بل أستشعر نزيفه الدائم بلا انقطاع كنت في هذه الفترة أواظب على إكمال تعليمي بأي وسيلة حتى ينتهي هذا الكابوس المزعج نسيت أن أقول لك: إن أبي كان يسمع عن أخباري تلك المؤسفة فيسعد أنه أخيرا قد ساعدني على تغيير شخصيتي، وهو لا يدري أنه ساعدني تماما على تحطيم نفسي. 

أخيرًا حصلت على شهادتي المكللة بأكاليل العار، ورجعت إلى بلدي فوجدت أمي قد بدأت تتحسس طريقها إلى الله وتريد أن تعوضني بحنان ما فاتني من هذا الخير العظيم، والحمد لله فورًا استجابت كل جوارحي ونفسي معها فهدأت الثورة العارمة التي كانت تهدر بقوة في كياني كله، والتي تسببت في سحب السكينة والهدوء من نفسي والأمر العجيب يا أختاه أنه وأنا في مرحلة الضياع كان الناس يحكمون علي بمظهري بجمالي، بما أرتديه فيتكلمون معي بتبجيل ترفضه نفسي التي تعلم حقيقة أمري، والأمر المدهش أنني وجدت الحكم على المظهر أمرا يكاد يكون مستفحلًا في مجتمعاتنا، فهم لا يخوضون في غيابات النفس لاكتشافها ثم الحكم عليها، بل يصدرون أحكامهم مباشرة على المظهر وأشياء لا تصلح أن تكون حكما وهذا ما خرجت به من محنتي ألا تحكمي على أحد من مظهره.

نظرت إليها الصديقة قائلة: الحمد لله أن نصرك وهداك قبل فوات الأوان، وقد كنت أود أن أسألك سؤالا ترى لو عاد بك الزمن ماذا كنت تتمنين أن تكون حياتك؟ 

قالت: بتهلل وجه يا ليت الزمن يعود وعندها كنت سأتمنى أن أتزوج في بلدي وأنجب الأطفال وأربيهم على معرفة الله ليدلهم الرسول صلى الله عليه وسلم على الطريق المستقيمة، وكنت سأتمنى أن يتقدم لي من يخطبني بالطريقة التقليدية التي يحتويها الطهر وأيضًا الأمان.

يا ليت الزمن يعود.. ولكن هيهات لذا فإننا نسأل الله الرحمن الرحيم العفو والمغفرة، ونرجوه أن يثبتنا على الاستقامة التي فيها الهناء والاستقرار والسعادة. 

ثم أردفت: وأنت حبيبتي ماذا فعلت معك الحياة.. أراك بشوشة بشرتك هادئة تنم عن هدوء البال وانشراح الصدر، بدأت الصديقة في رواية ملخصة لما انقضى من عمرها قائلة:

تعلمين بالطبع أن أبي كان يعلن دومًا أنه يحب الله ورسوله، بل حاول أن يغرس فينا هذه البذرة المباركة، وتعلمين كم كنت موصولة بأبي متعلقة بحباله، ووالدي كان دومًا يسأل الله الشهادة مقبلًا غير مدبر وما لا تعرفينه أن والدي قد حصل على ما تمناه واستشهد في اشتباك مع اليهود، ومن يومها وأنا أتبنى قضيته، لماذا قتل أبي بغير جريرة، غير أنه يدافع عن الحق؟ هكذا كانت تساورني نفسي فأليت عليها أن تبحث عن هذا الحق ويصبح بغيتها، قدرت في فلكه داعية إليه أينما وجدته أو فهمته.

وما يؤرقني أختاه كثرة الزبد حولي فقضيتي الأولى ليست هي الأولى لديهم. بل نسير في نهاية الركب فكان الحمل ثقيلًا، وأصبحت في مفترق طرق إما أن أسير فيما سار فيه أبي مع الجهد والمشقة والعنت والتعب بل والموت أيضًا، وإما أن أسير مع الناس وأسايرهم، واخترت الطريق الأولى، واخترت زوجي على أساسها، ورفعنا شعار « إما أن نكون بالحق أو لن نكون أبدًا.

وببركة هذه الطريق محا الله سبحانه الكثير من جهلي عن القضايا المحيطة حولي، وبدأت أدرس العلوم الشرعية بجانب شهاداتي العلمية، فاستفدت كثيرا. وأصبحت أشعر - 5 كما ذكرتي فـ ن فعلًا - بالهدوء

والسكينة، فقد تحدد هدفي وأنا أسعى إليه بكل قوتي وبقدر استطاعتي، وقد طمأنني ربي سبحانه بقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (البقرة: ٢٨٦).

وهكذا تجربتي بين الدراسة والتدريس، بين تعليم أولادي وتعليمي، لا أكاد أجد وقتًا وأشعر كأني وعمري في سباق، ويسعدني أن تكوني لي عونا فيما أبحث عنه وأن يكون هدفك هو هدفي، مدت يدها بسرعة خاطفة فاحتضنت يد أختها وقد استسلمت لها بسعادة وصاحبتها تقول: سبحان من جعل الأرض تتسع لمثل والدي ووالدك.

الرابط المختصر :