; جمعية الإصلاح الاجتماعي تحيي: ندوة أدبية | مجلة المجتمع

العنوان جمعية الإصلاح الاجتماعي تحيي: ندوة أدبية

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988

مشاهدات 80

نشر في العدد 860

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 29-مارس-1988

الأميري: الإسلام عمّق الأدب وشجعه، وأعطاه رصيدًا جديدًا من القيم والأخلاق.

النحوي: الأدب الإسلامي هو لحظة تفاعل الأديب المسلم مع ما حوله.

 

دعت جمعية الإصلاح الاجتماعي ثلاثة من كبار رموز الأدب والشعر والثقافة الإسلامية؛ لإحياء ندوة أدبية شعرية في مقرها، حيث جرى في الشطر الأول من الندوة حوار حول الأدب الإسلامي تحدث خلاله كل من:

 

الشاعر الإسلامي الكبير الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، أستاذ "كرسي الإسلام والتيارات المعاصرة" في الجامعات العربية.

الدكتور عبد القدوس أبو صالح، أستاذ الأدب الإسلامي في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض في المملكة العربية السعودية.

الدكتور عدنان علي رضا النحوي، الشاعر والأديب المعروف.

الأستاذ خليل الحامدي، رئيس دار العروبة في باكستان، وهو ضيف شرف في هذه الندوة.

وقد حضر الندوة عدد من الشخصيات الكويتية والخليجية إلى جانب جمهور من محبي الأدب الإسلامي، يتقدمهم أعضاء مجلس الإدارة في جمعية الإصلاح الاجتماعي، وأسرة تحرير مجلة "المجتمع". هذا وسوف ننشر في هذا العدد كلمتي الأستاذ الأميري والدكتور النحوي، على أن تنشر الكلمتان الأخريان في العدد القادم إن شاء الله.

 

الأستاذ الأميري

بدأت الندوة بكلمة للأستاذ عمر بهاء الدين الأميري عن الأدب الإسلامي حيث قال:

 

في المؤتمر العالمي العام الأول الذي أُسست بموجبه رابطة الأدب الإسلامي في مدينة لكنهؤ، وكان فيه عدد من الإخوة الكرام الذين أكرمني الله بأن يحفوني في هذا المجلس، شارك في حفل الافتتاح وزير مركزي مسلم في حكومة الهند، هو السيد فضل إلهي الأنصاري، قال هذا الوزير في ذلك المؤتمر:

 

"لقد أراد الله للإنسانية أن تكون لها قيادة وسيادة، واختار الأمة الإسلامية أن تكون رائدة الإنسانية، وجعلها خير أمة أخرجت للناس. ولكن لله أقدارًا ونواميس، وقد ربط أقداره بنواميسه، ورسالة الإسلام فيها جانب رباني إلهي عصي على الفناء وعلى نوائب الدهر، وفيها جانب إنساني يتبع النواميس، فمن نهض بالنواميس أسعفته المقادير."

 

"فالجانب الإلهي الرباني في الحضارة الإسلامية والرسالة الإسلامية بقي محفوظًا بقدرة الله، وحفظه لقرآنه الكريم ولطاقة البث الحضاري، وللفعاليات المكتنزة في جسم هذه الأمة وعقلها وفعالياتها؛ لكي يمارس ذاته وعطاءه في الظروف التي تلائمه إنسانيًا."

 

"وأما الجانب الإنساني فقد خضع للازدهار والصعود، وخضع للانحسار والصمود، ولم يقضَ عليه لأن جذوره حية دائمًا."

"ولما وهنت الأمة الإسلامية بسبب ظروف كثيرة لا مجال لشرحها، وتوقف مدها الحضاري، تقسم جسمها إلى أجزاء ودويلات، وفقدت وحدتها الكبيرة المستمدة من الإيمان بوحدانية الله وبكتاب الله وبرسوله، وهكذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه، وبقيت أمتنا متفرقة."

 

ثم أشار الأستاذ الأميري إلى رابطة الأدب الإسلامي فقال:

 

"إن إنشاء رابطة الأدب الإسلامي الآن وإحياء هذه الدعوة يعتبر عملًا كبيرًا، والأدباء هم ضمير هذه الأمة، وهم الذين يعبرون عن تطلعاتها، وعن آمالها، وعن آلامها، وعن فعاليات عقول أبنائها، وعن خفقات قلوبهم. لذا أقول: إن قيام هذه الرابطة الآن ما هو إلا تحقيق فعلي لشكل آخر من أشكال الوحدة الإسلامية الكبرى التي تنشدها جميعًا، لا تتأتى لنا الآن سياسيًا، ولا تتأتى لنا إداريًا واجتماعيًا، ولكن بقيام هذه الرابطة يتحقق أهم الجوانب وهو الجانب الأدبي."

 

وقال الأستاذ الأميري متابعًا حديثه في الندوة الأدبية:

 

"إن الإسلام عمّق الأدب وشجعه، وأعطاه رصيدًا جديدًا من القيم والأخلاق والاهتمامات. صحيح أنه ضاقت رقعة التعبير الأدبي في أوائل عهود الإسلام؛ لأن المشغول لا يشغل، فالمسلمون الكبار وأهل القلوب والعقول شغلوا بالدعوة الإسلامية والنهوض بواجباتها المقدسة، والدفاع عنها وهداية الناس إليها، فما كان بالإمكان أن تبقى الساحة متسعة للتعبير الأدبي كما كانت من قبل. ومن قبل ما كان هناك هذه القيم، ولا كانت هذه الاعتبارات، ولا كانت هذه الامتدادات المعرفية في الإنسانية والمعرفة في الوجود، بينما بالإسلام وجدت هذه الأشياء المهمة، فالإسلام قوى الأدب وقوى الشعر، قواه عمقًا وإن كان في بداية الأمر قد ضيق ساحته تضييقًا اقتضته نواميس الحياة؛ لأن المشغول لا يشغل، فقد شغلوا بالجهاد المقدس. والشيء الثاني إن هذه الرابطة هي انبثاقة جديدة، وإرهاص قوي من إرهاصات وثبة الأمة وانبعاثها الجديد -إن شاء الله- نحو المستقبل، والأمل معقود على رجالها الأبرار الأخيار أن ينهضوا بها إن شاء الله. وإذا كنت لم أستطع أنا في حدود عمري الضيق، وقد جاوزت السبعين، أن أرى تحقيق كل آمالي فإنني الآن أرى الآمال هذه تتحقق بنظري إلى هذه الوجوه، وإلى هذه القلوب التي أراها تتعاطف وتتجاذب في عواطفها ومواقفها مع أمثال هذه الحركات الكبرى."

 

الدكتور النحوي

الأدب في طبيعته ظاهرة إنسانية، ليست محصورة في الأمة المسلمة وحدها، ولكنها ظاهرة ملاصقة لتاريخ الإنسان مع جميع الشعوب والأقوام، ولعل هذه الظاهرة مغروسة في طبيعة الإنسان، كما غرس الله سبحانه وتعالى في طبيعة الإنسان طاقات وقدرات متعددة سماها الله في محكم تنزيله الفطرة ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم:30)، وكان الإيمان وكان الدين الإسلامي في أساسها في هذه الفطرة. والنفس البشرية التي سواها الله ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس:8) فكانت التقوى غرسة أساسية في هذه الفطرة.

 

والأدب هو أشرف أنواع الفنون التي عرفها الإنسان؛ لأنه يجمع خصائص الفنون كلها، يجمع جمال النغمة والجرس، ويجمع الصورة والحركة، ويجمع اللفظ والكلمة.

 

الفن يخرج من الإنسان، الإنسان الذي وهبه الله تلك الفطرة، وأودع فيها قدراتها ومواهبها، وجعل الله في طبيعة الإنسان قدرتين متميزتين، هما: العاطفة، والشعور والإحساس من ناحية، والفكر والتأمل والتدبر من ناحية ثانية. وتظل هاتان القوتان تعملان في الإنسان بصورة طبيعية لا تستطيع واحدة منهما أن تعمل مستغنية عن الأخرى، وربما تقوى واحدة، وتضعف الأخرى، ولكنهما تظلان موجودتين في الإنسان. ثم تأتي تجارب الإنسان وخبراته وأحداث الحياة فتضيف على العاطفة شحنة من الشحنات، وتضيف على الفكر كذلك شحنة أخرى، ثم تأخذ هذه الشحنات تنمو وتزداد مع نمو التجربة ونمو الأحداث إلى أن تأتي لحظة ما من الزمن يكون فيها نمو العاطفة ونمو الفكرة قد وصل إلى لحظة معينة، تأتي الموهبة عندها فتحدث التفاعل بين العاطفة والفكر، فتخرج ومضة التفاعل على صورة موضوع فني يتقدم لنا بأسلوب من أساليب التعبير، فإذا كان التعبير الكلمة واللغة كان ذلك هو الأدب.

 

فالأدب هو ومضة التفاعل في الإنسان، في طبيعة الإنسان الذي يحدث بين العاطفة والفكر في لحظة من لحظات الزمن، تدفعه الموهبة التي يودعها الله عبده. فإذا كان الذي يرعى هذه الومضة، ويروي هذه الشعلة في الإنسان الإيمان والتوحيد، العقيدة والعبودية لله رب العالمين، فالأدب الذي يخرج هو الأدب الإسلامي؛ لأنه خرج مرويًا بالعطاء الإسلامي مغذى بالعقيدة، هذا هو التصور الذي أراه لخروج العطاء الأدبي من الإنسان.

 

وعن دور الأدب والأديب الإسلامي في هذا الزمان قال د. النحوي:

 

"نحن اليوم نخوض معركة حياة أو موت، ليس في ميدان واحد، وإنما في ميادين شتى، فلا يعقل أن تتنازل هذه الأمة عن سلاح من أهم أسلحتها وهو الكلمة، ولا يعقل أن تتخلى الأمة عن قوة من أعظم قواها ألا وهي الأدب. والمعركة التي لا تنزل الكلمة في ميدانها هي معركة خاسرة مهما فعلت الدبابات والطائرات والأسلحة الأخرى. والكلمة التي تنزل الميدان إذا لم يصغها الأدب، ولم يعطها بهاءها وجمالها هي كلمة جافة ضعيفة، لا تستطيع أن تثبت في الميدان. وإذا كان هذا الأدب لم تغذه العقيدة، ولم يروّه التوحيد؛ فإنه يكون أدبًا تائهًا ضائعًا، لا يصلح للمعركة كلها. فلا بد لنا اليوم ونحن نخوض المعركة الشرسة في جميع أقطار العالم الإسلامي وفي جميع ميادين الحياة لا بد أن يبرز الأدب الإسلامي، وأن يبرز الأديب المسلم ليحمل قضايا الأمة، ويخوض معركتها، ويوجه عاطفتها وفكرها، وينسق جهودها، ويجمع قواها كما فعل الأدب الإسلامي العظيم في المعارك التي خاضها الإسلام أيام النبوة أيام محمد صلى الله عليه وسلم مع الأدباء العظام عبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وجعفر بن أبي طالب، وسائر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين."

 

واستطرد الدكتور النحوي يقول:

 

"وربما يظن كثير من الناس أن موضع الجمال في الأدب هو تلك النغمة الحلوة، أو ذلك التعبير القويم الذي يؤثر في النفس فيكتفي عند ذلك. ولكن الحقيقة أن مصدر الجمال في الأدب، النبع الذي يخرج الجمال الحقيقي منه هو التقاء طبيعة الأدب مع طبيعة الإنسان في فطرة الإنسان. هذا الالتقاء هو الذي يدفع لنا الأدب بخصائصه الإيمانية، وخصائصه الإيمانية تحمل لنا الجمال الذي يؤثر حقيقة في النفس."

 

واختتم د. عدنان النحوي طرح رأيه بالقول: "وأعتقد أنه من المتعذر على أي أدب في العالم أن يبلغ حقيقة العمق الإنساني إذا تخلى عن الإيمان والتوحيد. وربما يطرق أدب من الآداب قضية ظلم أو عدوان، أو قضية مجاعة بأسلوب مؤثر يهز النفس، ولكنه في الوقت ذاته يستبدل ظلمًا بظلم، وعدوانًا بعدوان، وجماعة بجماعة، ويؤثر طبقة على طبقة فيختل التوازن الإنساني. ولكننا قد نقع تحت تأثير الجمال اللفظي أو النغمة أو الجرس؛ فتكثر من مدح هذا الأدب الذي يسوق لنا الشهوة الثائرة، شهوة الجنس. فإذا حصرنا تصورنا للأدب في اللفظة والنغمة والجرس وحده، فإنه ضروري، ولكنه غير كاف. فإذا دفعنا الشباب أن يقبلوا على هذا الأدب فإنهم يأخذون منه الفتنة والفساد، فلا نستطيع بعد ذلك أن نقول لهم إن الصياغة لا تكفي، وإن النغمة لا تكفي، وقد تورطوا فأصبحوا يحبون أدب الجنس وأدب الفكر اليساري. فلا بد إذًا لكي نصل إلى عمق التصور الإنساني في الأدب- لا بد من توافر الإيمان والتوحيد الذي يبرز الحقيقة الإنسانية بصفائها وقوتها وعظمتها في الحياة الإنسانية."

 

"المجتمع": نكتفي بهذا القدر من كلمات الندوة الأدبية الطيبة، وسننشر في العدد القادم -إن شاء الله- كلمة الدكتور عبد القدوس أبي صالح، وفضيلة الشيخ الأستاذ خليل الحامدي، فإلى اللقاء.

 

إن نسينا القدس يومًا

أجمعوا أمرًا بليل *** وتنادوا من بعيد

حفروا خندق ظلم *** واستزادوا من وقود

ثم ألقوا فيه شعبي *** وتسلوا بالقعود

وأحاطوا بيت ربي *** بسوار من حديد

أضرموا النار بأهلي *** في هدوء وبرود

أضمروا للسلم شرًا *** نشروا سود البنود

ليس ذا أمرًا عجيبًا *** إنه كيد اليهود

يا أخي في الله حاذر *** لا تكن بعض الشهود

ساحة الأقصى تنادي *** كل حر في الوجود

إن نسينا القدس يومًا *** ذلكم عين الجحود

لن يرد الظلم عنا *** طول صمت أو ركود

إن نكصنا عن جهاد *** فلنا عيش العبيد

أمة الإسلام هبي *** من سبات ورقود

واستعدي للنزال *** لا تهابي من وعيد

واستعيني بالدعاء *** والركوع والسجود

إن نصر الله حق *** إنه رب الجنود

 

توفيق خليل أبو أصبع

الرابط المختصر :