; أحداث جنوب أفريقيا وليدة الممارسات الخاطئة للنظام العنصري | مجلة المجتمع

العنوان أحداث جنوب أفريقيا وليدة الممارسات الخاطئة للنظام العنصري

الكاتب أبو عثمان

تاريخ النشر الثلاثاء 12-نوفمبر-1985

مشاهدات 72

نشر في العدد 741

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 12-نوفمبر-1985

حكومة الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا تقوم على سياسة التفرقة العنصرية حيث يعتقد البيض في نفسها كما اعتقد هتلر في الشعب الألماني أن الجنس الآري أرفع مكانة من بقية البشر. وفي ضوء هذه السياسة العنصرية استبد البيض في جنوب أفريقيا بثروة البلاد تاركين المواطنين الأصليين من السود يموتون فقرًا وجوعًا. وقد أثبتت الإحصائيات الرسمية أن حوالي ٢٠ ألف طفل أفريقي أسود يموتون كل سنة قبل بلوغهم السنتين من العمر، بسبب سوء التغذية. بينما لا يتعدى عدد الأطفال البيض الذين يموتون في تلك السنة ألف طفل فقط. كذلك فإن البيض في جنوب أفريقيا لا تعداد تجاوز نسبتهم ١٦% من مجمل سكان البلاد البالغ عددهم 31 مليون نسمة. عام ۱۹۸۳، ومع ذلك فهذه الأقلية البيضاء هي التي تسيطر على ٩٨٪ من الأراضي الزراعية الخصبة و٪۸۹ من التجارة والمصانع الثقيلة والمعادن.

بداية الانفجار الشعبي

هذه الممارسات العنصرية الظالمة التي تقوم عليها سياسة الأقلية البيضاء هي التي أدت إلى تفجير الاضطرابات الشعبية العارمة التي شملت طول البلاد وعرضها. وقد انطلقت الشرارة من أحياء ترنسفال الفقيرة الواقعة شرق ولاية الكاب في نهاية عام ١٩٨٤ عندما أعلن المواطنون السود رفضهم عن دفع الإيجارات لحكومة بريتوريا لأنهم عاطلون عن العمل ومحرومون حتى من لقمة العيش ومن ذلك الوقت بدأت المناوشات بين هؤلاء المواطنين الأصليين ورجال الشرطة للنظام العنصري. ومن منطقة الكاب انطلقت الثورة الشعبية إلى بقية الأقاليم وشملت كل الفئات المستضعفة من شعب جنوب أفريقيا من أفريقيين سود وآسيويين، وشكلوا جميعًا معارضة قوية تحت قيادة المجلس الديمقراطي الوطني الذي أنشئ حديثًا وانضم إليه كل فئات المعارضة للقيام بالتنسيق فيما بينها في جميع أنحاء جنوب أفريقيا.

فتاوى ضد العنصرية

عندما تفاقمت الاضطرابات وأدرك النظام العنصري أنه لا قبل له على القضاء على معارضة اجتمع تحت لوائها كل المستضعفين من فئات الشعب ذات الأغلبية الساحقة ومن هنا لجأت الحكومة العنصرية إلى السياسة التقليدية للاستعمار وهي سياسة «فرق تسد» فأعلنت عن عزمها على إنشاء مقاعد في البرلمان للملونين الذين ينحدرون من أصول آسيوية دون المواطنين الأصليين من السود وقد تصدت الهيئات الإسلامية في جنوب أفريقيا لهذه السياسة الخادعة، وأصدر مجلس القضاء الإسلامي الأعلى في منطقة الكاب فتوى دينية تحرم الترشيح والانتخاب لعضوية مقاعد البرلمان المخصصة للملونين. كما تحرم العمل في شرطة أو جيش الحكومة العنصرية واعتبرت الفتوى كل ذلك نوعًا من معاونة الظالم على ظلمه للمستضعفين وحث مجلس القضاء الإسلامي الأعلى الذي يرأسه السيد عبد الحميد خبير الذي كان في زيارة قصيرة للكويت منذ أسبوع حث المسلمين جميعًا في جنوب أفريقيا على الانضمام إلى المعارضة الشعبية ومحاربة النظام العنصري باعتباره مخالفًا لناموس الله في الكون وللآيات القرآنية المريحة التي تؤكد المساواة بين بني البشر مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء: 70) إلخ. فالآية تؤكد أن الله كرم جنس بني آدم دون تفرقة بين لون وآخر. ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13). وانطلاقًا من هذه المعاني التي تكرر ورودها في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة انضمت الجماعات والحركات الإسلامية في جنوب أفريقيا إلى المعارضة الشعبية وقتل منهم من قتل كما حدث لجميع أفراد الشعب من المستضعفين. وكان الخطباء يدعون على المنابر إلى محاربة النظام العنصري ومقاطعة مؤسساته السياسية والاقتصادية...

المقاطعة الدولية لا تضر السود

إن ما تردده الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من دول غربية من أن أي مقاطعة اقتصادية دولية تفرض على حكومة جنوب أفريقيا العنصرية سوف يكون المواطنون الأصليون من السود أول المتضررين بنتائجها بعيدًا عن الحقيقة، بل المقاطعة الاقتصادية الدولية إن فرضت تضر فقط الحكومة البيضاء نفسها وكبار الملاك من البيض، فالحكومة العنصرية هي التي تستفيد من القروض قصيرة الأجل التي تقدمها البنوك الدولية لها، كما أن الديون المتوسطة أو طويلة الأجل يستفيد منها أصحاب المصانع والمزارع دون المستضعفين من العمال الذين قد يتضررون بسبب تلك القروض الدولية التي يمكن أن تمكن ملاك المصانع والأراضي الزراعية من اقتناء ماكينات حديثة تجعلهم يستغنون عن خدمات آلاف العمال من المواطنين السود أو الآسيويين المستضعفين فما يردده الغرب ليس إلا افتراء ووسيلة لإخفاء تورطه مع حكومة بريتوريا في العلاقات التجارية.

ومن هنا نطالب الدول الإسلامية بعدم استثمار أموالهم في البنوك الدولية التي تتعامل مع حكومة بريتوريا أو تسهل لها القروض التي تساعدها على تنمية اقتصادها والاستمرار في قتل المواطنين المستضعفين الأبرياء وخاصة من المسلمين.

السبيل إلى الحل

لا سبيل إلى حل مشكلة جنوب أفريقيا إلا بممارسة ضغوط دولية اقتصادية وسياسية على حكومة جنوب أفريقيا العنصرية لإرغامها على الجلوس على مائدة المفاوضات مع زعماء المعارضة من الأفريقيين الأصليين وعلى رأسهم الزعيم الأفريقي المسجون نيلسون مانديلا للبحث في إطار دولي وتحت إشراف الأمم المتحدة عن حل يضمن المساواة بين جميع فئات الشعب في جنوب أفريقيا، ويعيد السلطة إلى أصحابها الحقيقيين الذين هم المواطنون الأصليون السود. مع ضمان العيش في الدولة بأمان للأقلية البيضاء كما حدث في زيمبابوي وبدون مثل هذا الحل الذي لن يتأنى إلا بضغط دولي، فإن ليل الاضطرابات الدموية في جنوب أفريقيا سوف يطول سنوات أخرى وإن مزيدًا من أرواح المستضعفين من الشعب سوف تمزق برصاصات الظلم والتفرقة العنصرية...

خطورة

السياسة الأثيوبية الجديدة

استعمرت إيطاليا إريتريا في عام 1855 م كما استعمرتها بريطانيا في عام 1941 ثم وقعت تحت الحكم الملكي الأثيوبي في عام 1952م لكن الشعب الإريتري المسلم ظل متمسكًا بدينه وتقاليده المنبثقة من الإسلام، ورفض تقليد المستعمر في ثقافته ومعتقداته وتقاليده.

وقد ترجم شعب إريتريا كراهيته للاستعمار وعدم رضاه به بانفجار الثورة المسلحة عام 1966.

 وما زال الشعب يحتفظ بدينه وعاداته ولغته العربية رغم هيمنة القوى المستعمرة على أرضه أكثر من قرن. وإذا كانت سياسة هيلاسلاسي تقول: اقتل الشعب لتموت الثورة فإن السياسة الشيوعية الأثيوبية الجديدة تقول: «اكسب ود الشعب لتموت الثورة».

وهي تحاول أن تكسب ود الشعب وتجذب عواطفه بأساليب مختلفة منها:

1- توظيف المسلمين في مناصب عالية من إدارة الأقاليم والمدن والقرى عكس سياسة الإمبراطور هيلاسلاسي التي كانت تعتمد على المسيحيين فقط.

٢- تأسيس النظام القبلي والمجالس الشعبية من الإريتريين بحيث يتم التعامل مع الشعب بواسطة أعضائها. وقد أبعد من هذه المناصب كل من كان أثيوبيا لأنه مصدر استياء وكراهية للإريتريين.

3- التعليم الإجباري والتوعية الثقافية «غسيل المخ» في تلقين المبادئ الشيوعية للكبار والصغار والذكور والإناث.

4- فتح باب التجنيد الإجباري والاختياري للإريتريين وتكوين ميليشيات شعبية مسلحة وإعطائهم أحقية الدفاع عن قراهم وممتلكاتهم.

 5- التعامل باللطف مع الذين يرتدون عن جبهة التحرير من الجنود والذين يعودون من السودان من اللاجئين الإريتريين.

6- عزل الجيش الحكومي عن الدين تمامًا والذي كان يتسبب بانتهاكه الحرمات في هجرة الشعب إلى الخارج.

7- تلقين اللغة الأميرية لغة الدولة لكل مواطن، حتى وجد اليوم من يتحدث بها في إريتريا ويحبها بقدر ما كانت منبوذة في الماضي.

8- تخريج كوادر من الشباب الإريتري يتبنون أفكار الدولة ومبادئها ليبثوها بين الشعب الإريتري لأنهم أكثر احتكاكًا معه.

۹- إنشاء اتحادات شبابية ونسائية ومهنية بمختلف أنواعها لتسهيل مهمة التوعية السياسية والتفريق بين المجتمع المتماسك.

۱۰- إقامة معسكرات وملاجئ للذين يلجئون من القرى لقساوة الظروف الاقتصادية ومن جيش الثورة لأسباب أجبرتهم على ذلك.

 فالشعب اليوم أصبح -ولو إلى حين- بيد أثيوبيا تتصرف فيه كيف تشاء، وقد فضل ذلك بعض السطحيين على الثورة والنضال، لأن أثيوبيا أغرتهم وخدعتهم بسياستها الخادعة، ولكن عاقبة الشيوعية معروفة مع الشعوب الإسلامية، ولنقرأ تاريخ روسيا مع الجمهوريات الإسلامية.

 وقد ساعد هذه السياسة الأثيوبية الجديدة ظروف الحرب الأهلية بين الإريتريين وسياسة الثورة القاسية أحيانًا. وتتلخص هذه الخطورة في إقبال الشعب الإريتري على أثيوبيا وفتوره عن المواجهة من أجل التحرير فهل يتنبه من يهمه الأمر؟؟

الرابط المختصر :