العنوان جنوب السودان: تسابق الجهاد والسلام الأمريكي في السودان
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989
مشاهدات 133
نشر في العدد 920
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 13-يونيو-1989
قام المتمرد جون قرنق في الأسبوع الماضي بزيارة للولايات المتحدة الأمريكية في إطار جولة أوروبية أمريكية ضمت كلًا من ألمانيا الغربية وبريطانيا بالإضافة إلى الولايات المتحدة... وتأتي جولة المتمرد قرنق في إطار مشروع حملة دبلوماسية من أجل تحسين صورة «التمرد» وإخراجها على هيئة حركة نضالية للحفاظ على الهوية الإفريقية ومن أجل إزالة الظلم وتسلط الشمال العربي المسلم... وفي هذا الصدد يسعى قرنق إلى جولات أخرى لكل من فرنسا ومصر وسويسرا... وأما تطلعات قرنق السياسية في جولاته هذه تبدو جلية من خلال تصريحاته في المؤتمرات والندوات التي عقدها في بون ولندن، فقد ذكر بأنه قد «حرر» دولة في جنوب السودان تضاهي مساحتها مساحة ألمانيا الاتحادية، وأضاف «أنه يدعو الشركات الاستثمارية الألمانية إلى استثمار أموالها في جنوب السودان ذي الثروات الهائلة في مجالات البترول والذهب «والمعادن» واللهجة التي خاطب بها قرنق أحبابه في الغرب تنم عن نيات مختلفة تمامًا عن تلك التي ترددها حكومة الخرطوم فهو يتصرف كرجل دولة وقائد يمتلك دعوة الدول الأجنبية إلى الاستثمار في «بلاده المحررة!» وأما في جانب حكومة الخرطوم فقد رأت في الجولة التي يقوم بها قرنق خرقًا قانونيًا لسيادة السودان ومخالفة دستورية في التعامل مع الخارجين على الشرعية الدستورية وربما بلغت تلك الاحتجاجات إلى سفارات الدول المعنية، إلا أن هذا لم يمنع من إرسال وفد حكومي إلى ألمانيا الاتحادية والدول الأخرى لشرح وجهة نظر حكومة الخرطوم... وبقي أن نعرف أن جولة قرنق تمت بدعوة من لجنة حقوق الإنسان والكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا وللولايات المتحدة تمت بدعوة من الرئيس الأسبق جيمي كارتر.
* الغرب مع قرنق:
عدة أسباب تجعل الغرب الأوروبي يتخلى
عن دعاويه العريضة تجاه حمية الديمقراطيات ومساندة الأنظمة الدستورية في العالم،
ومن أبرز تلك المصوغات أن الديمقراطية التي تستحق «عطف» الغرب لا بد أن تكون
متناغمة مع نهجه العلماني على أقل تقدير، وأن تتجافى بقدر الإمكان عن التركيز على
تأصيل الذات، خاصة إذا كان ذلك التأصيل يرتكز على العقيدة الإسلامية، وهذا ما لا
ينطبق على الديمقراطية السودانية... وفي غمرة ذلك التصور الخاص جدًا لمبادئ الغرب
ومصالحه جاءت مواقفه تجاه حركة التمرد في جنوب السودان لا سيما وأن المؤشرات
الأساسية تدلل على قيام أوضاع جادة في تعبيرها عن تطلعات الشعب في السودان فيما
يتصل بالاستجابة للتحديات العصرية المطروحة بكثافة في السودان والمنطقة العربية،
وسواء كان ذلك فيما يتصل بالاعتماد على الذات في التنمية والثقافة والسلوك
السياسي. أو في تجاوز التجارب والتخلي نهائيًا عن المشروع الأوروبي... فالغرب
الديمقراطي الصليبي هو الذي ابتدع سياسة الانقلابات العسكرية من أجل إبعاد الإسلام
عن السلطة، كما أن «الإمبراطورية» البريطانية هي صاحبة براءة اختراع خلق الشقاق
وإحداث الفرقة بين الشعوب... فالانقلابات العسكرية جاءت إلى تركيا والسودان ومصر
ونيجيريا لإبعاد عدنان مندريس في الستينيات، وإبعاد حركة حزب السلامة –نجم الدين
أربكان في الثمانينيات، وفي السودان جاء انقلاب نميري لإقصاء الدستور الإسلامي
واتفاقية الميرغني- قرنق لإبعاد الجبهة وتجميد القوانين الإسلامية، وفي مصر جاء
انقلاب الضباط الأحرار ذوي الأقنعة الغامضة والمتعددة حتى لا يتحول الشرق الإسلامي
إلى دولة عظمى.. ومن غمط القول إن تذهب تلك الجهود الغربية هباء من أجل صيانة
الديمقراطية وتحقيقًا لالتزامات أدبية تتنافى والمصالح العليا للغرب... لهذا
فالغرب وجد ضالته في قرنق الغامض الملامح وذي التوجهات المتناقضة، ومن الأفيد أن
تسخر قواه الانفصالية والمعتمدة على أحقاد عرقية وتطلعات قبلية، وأحيانًا ماركسية
من أجل تحطيم الأوضاع السودانية المتفجرة وهو ما يفسر الاهتمام الغربي الذي جعل
أمريكا تقدم إليه دعوة بواسطة أحد رؤسائها «النبلاء العقلاء!» إلى زيارتها، في حين
أنها رفضت منح تأشيرة لياسر عرفات ليلقي فقط خطابًا في الأمم المتحدة التي شاءت
المقادير أن يكون مقرها في أرض أمريكية بالرغم من تباعد صفات قرنق داعية الحرب
والمتمرد على الشرعية، وعرفات الداعي لنيل حقوق شعبه بالحوار والأساليب
«الحضارية!» على حد التعبير الغربي.
* أمريكان بالمجان:
أولت الإدارة الأمريكية اهتمامًا خاصًا
بمشكلة جنوب السودان، ويبدو ذلك جليًا من الزيارات المتكررة لرجالها المتنفذين فقد
زار السودان في نطاق العشرة أشهر الأخيرة كل من «كيث براون» مساعد وزير الخارجية
ولجنة من الكونغرس برئاسة ميكي ليلاند رئيس اللجنة المختارة لمكافحة الجوع والرئيس
الأسبق جيمي كارتر «مرتين»، ووفد من الكونغرس الأمريكي ولجنة السناتور غوردون إلى
مستر كوهي مساعد وزير الخارجية للشئون الأفريقية.
كل هؤلاء جاءوا هكذا من أجل عيون
الجنوب وأهل الجنوب حتى يخيل لمن يراهم يترددون على السودان والجنوب بأنهم قد
أصبحوا هناك في أمريكا بلا عمل والأمر بالطبع غير ذلك فالأمريكان يحسبون أوقاتهم
وفقًا لمعادلة الدولار والعملات المنافسة فهم لا يضيعون أوقاتهم في المجاملات
وجنوب السودان واحد من أعمدة إستراتيجيتهم في المنطقة فهو بالإضافة إلى موقعه في
وسط القارة وصلته المباشرة بدول وسط وشرق إفريقيا، إلا أنه مرتكز أيضًا لدولة
الشمال ذات الوجود الفاعل في المنطقة، كما أن من يسيطر عليه يسيطر على منافذ النيل
إلى الشمال ويضع يده على أحد الحصون المانعة لشمال السودان... والأمريكان الذين
أغرتهم حركة قرنق ذات الأهداف الغامضة هم الذين فتحوا عيون قرنق على التاجر
اليهودي الذي تتفق مخططاته ومشاريع التمرد في الجنوب السوداني، ومن هنا جاء دور
دولة الكيان الصهيوني فتبادل الجاليات الزيارات والخطط وتعهدت إسرائيل بإمداد قرنق
بالخبراء والسلاح، وتعهد قرنق بزرع الفتن في كل القطر، وعندما يتحرك قرنق في مناطق
جنوب کردفان فإنه ينفذ سياسة يهودية الملامح أمريكية الأهداف... وإذا كان من سؤال
يشفي بعض دهشتنا هو لماذا هذا التركيز على جنوب السودان؟ هل فعلًا حز في نفوس
«أولاد العم سام» حالة الضياع التي يلقاها مواطنو الجنوب السوداني؟ وهل فعلا يسعون
من أجل إقرار السلام هناك؟! قطعًا الإجابة بالنفي وإلا ففي العالم سعة من المشاكل
يمكن أن تشغل «الفراغ» الأمريكي الحريص على السلام ففي الحروب الأهلية في كل من
كمبوديا وفيتنام والفلبين وفي أيرلندا والحرب اللبنانية، والانتفاضة في فلسطين المحتلة
كل ذلك لا يشغل متنفذة «السلام» الأمريكي إلا بقدر ما تتصل بالمصالح الأمريكية
المعقدة في العالم إلا أنهم في جنوب السودان قد أحكموا خطتهم وربما بدأوا بجني
ثمارها إلا أننا لسوء التقدير لا نراها
!
صحوة نميري:
من المؤكد أن الغرب الأوروبي وأمريكا
يتفقون في هدفهم الأساسي وهو تقويض العودة الشعبية العارمة للإسلام، غير أنهم ربما
يختلفون على اتخاذ التدابير الموصلة لذلك الهدف. فبريطانيا مثلا تؤمن باستثمار
الشقاق وحالة الانهيار الاقتصادي في فرض قيود وشروط تؤدي في نهاية المطاف إلى
إبعاد السلطة عن التوجهات الإسلامية ومعالجة مشكلة الجنوب وفقًا لتصوراتها. أما
الولايات المتحدة الأمريكية فهي لا تؤمن بالأسلوب القائم على لعبة التوازنات في
عناصر وأركان اللعبة السياسية، وأسلوبها المفضل هو اجتثاث العناصر المشاغبة على
مشروعها واستبدالها بعناصر موالية تمامًا وإن كانت تكتفي بإضمار الولاء وإبداء وجه
ثوري ربما تصل درجة الثورية فيه لبس القناع الماركسي وباستقراء مجريات الأحداث
يتبين أن هم جنوب السودان يتحمل الأمريكان ثقله وهم يعدون العدة في استثماره
مرحليًّا من أجل حلول مستقبلية شافية ويستخدمون إمكانية قرنق في فرض الفتن وإحداث
القلاقل من باب تصعيد الإرهاصات وخلق الأجواء النفسية والبيئية المناسبة، فنقل حرب
التمرد إلى شمال السودان وإحداث الصراعات القبلية في دارفور هو جزء من مخطط يدعم
خط التخذيل، ويوسع دائرة الانشغال الرسمي والشعبي عن تحركات قرنق في جنوب السودان،
كما أن قيام الحرب الأهلية في أكثر من جبهة يعني باللغة الأمنية فشل الحكومة في
السيطرة على حماية أمن المواطنين مما تفتقد معه السلطة إلى أسس مقوماتها ويزهد في
نظامها القاصي والداني وفي ظل أجواء التفجرات في الجنوب وجنوب كردفان وحرب القبائل
العربية والغور في دارفور يطل نميري بوجهه الكريه طالبًا من أهل السودان إبدال
الكارثة بالمصيبة على حد تعبيره حين قال: "إن حكمي كان مصيبة إلا أن حكم
الأحزاب كارثة" والخطة الأمريكية أن يخرج نميري في إذاعة صوت أمريكا وفي بعض
الصحف كي يسمعه الناس " الأشرطة المسجلة " داعيًا لقيام نظام شمولي،
وبالطبع الأمريكان يعلمون جيدًا أن أوراق نميري محروقة تمامًا إلا أنهم يعلمون
أيضًا أن هذا الأسلوب يساعد في تقبل السودانيين لنظام عسكري ربما تضطرهم الظروف
السياسية في السودان بالتعجيل به... وأما الذين يتكلمون عن السلام الأمريكي فإنهم
لا يطلبون السلام وإنما يتطلعون لما ينادي به قرنق من مبادئ، هؤلاء وهم اليسار
والاتحاديون وبقايا المشعوذين من العلمانيين، أما أنصار الإمام وأهل الجهاد فقد
أضاعوا نضارة مواقفهم التاريخية بتردد قيادتهم الحزبية.
تصورات قاصرة:
صرح المتمرد قرنق بأنه سيبدأ قريبًا في
تعمير المناطق المحررة من جنوب السودان وتركيز مرافق الخدمات التعليمية والصحية،
ودعا الدول الغربية إلى المساهمة في ذلك الجهد كما زعم بأنه يحتجز أكثر من ألف
أسير من أفراد الجيش السوداني، وهو زعم من أجل تعزيز موقفه أمام «أولیاء نعمته»
ومن جانب حكومة الخرطوم فإنها لا تكاد تخفي فرحها الغامر بموافقة قرنق على
الاجتماع بممثلي الحكومة في 10 يوليو الجاري وهذه الفرحة أخفت تمامًا الشروط التي
ساقها المتحدث باسم حركة التمرد حين اشترط إلغاء القوانين الإسلامية وإلغاء
المعاهدات العسكرية فالحكومة المحيطة أصلًا تجاه فرنق الذي قفز فجأة إلى احتلال
أكثر من ١٠ مراكز حدودية من بينها مدن مهمة كالناصر وتوريت تجد، مجبرة على التفاؤل
بعد أن أعرض قرنق عن الاتفاقية التي وقعها مع محمد عثمان الميرغني في ١٦ نوفمبر
الماضي ورفض الاستجابة لأي تجاوب مع تنازلات الحكومة، إلا أنه غيّر مواقفه فجأة في
أواخر أبريل الماضي وأعلن وقف إطلاق النار لمدة شهر ثم مددها إلى أسبوعين، ووافق
أيضًا على اللقاء مع ممثلي حكومة الخرطوم في 10 يونيو غير أن تلك المواقف لم تأت
من قناعات ذاتية بقدر حدوثها استجابة لمطالب الولايات المتحدة وألمانيا استغلالا
منه لتحسين صورته أمام العالم وأمام حلفائه، والأدهى هو أن حكومة الخرطوم ترى في
وقف إطلاق النار خطوة إيجابية كبرى وهي تصورات ساذجة وقاصرة الحركة تدعو أصلًا إلى
تسويد العنصر الزنجي في السودان، ورددت ذلك بكل وضوح على لسان د. منصور خالد
المستشار السياسي لقائد التمرد حين قال: " إنه آن للسودانيين أن يعدوا أنفسهم
لاستقبال حاكم مسيحي غير عربي " وحكومة الخرطوم التي تستهويها التفاصيل في كل
شيء وتستغرقها أيضًا لا تجد غضاضة فيما يبدو على أن تبتلع «الطعم والصنارة» معًا
دون التدقيق في تناقض ملامحهما.
عودة الوعي:
في أجواء الإحباطات الطاغية وحالة غياب
الرؤى المحددة تطل تطورات إيجابية تدعو لإعلان الجهاد وتدعم موقف الأصفياء دعاة
التصدي لعواصف الباطل النافحة. فبرزت هيئة الدفاع عن العقيدة والوطن تحت قيادة
علماء مخلصين وقادة أوفياء وأوكلت قيادتها إلى المشير (م) عبد الرحمن سوار الذهب،
وانضم إليها العميد (م) مزمل غندور وأعداد كبيرة من العسكريين والضباط والشباب،
ودعا سوار الذهب في أول لقاء له مع الجماهير الحكومة إلى إصدار قانون للدفاع
الشعبي حتى لا يتحول أمن السودان إلى دعاة التفرقة. وقال عن هيئة الدفاع أنها قامت
من أجل الدفاع عن العقيدة الإسلامية والحفاظ على أمن الوطن وهي دعامة للقوات
المسلحة السودانية ونصير لها في معركتها العادلة في جنوب السودان، وفي الخرطوم
اجتمع ممثلو - 40 قبيلة عربية على حدود التماس مع الجنوب وطالبوا الحكومة بالإسراع
في إصدار قانون الدفاع الشعبي، ومن كبرى هذه القبائل قبيلة الزريقات، الهبانية،
بني حسين، الحوازمة، الكنانة، بني هلبة، الحمر، المعاليا، بني حسن بني شنقول،
وغيرهم.... ومن جهة أخرى طالبت الجبهة الإسلامية إلى إصدار قانون الدفاع الشعبي
وأن تكون كل الأعمال العسكرية تحت إشراف القوات المسلحة، حتى لا يتحول العمل
العسكري القائم حاليا في مناطق التماس مع الجنوب إلى «ميليشيات» تعمل على فرقة
البلاد في المستقبل. وذكر د. الترابي أن تباطؤ الحكومة في إصدار قانون الدفاع
الشعبي يؤدي بالضرورة إلى تجاوزها من قبل الشعب المسلم في مناطق التماس من أجل
الحفاظ على العرض والأرض والدين. وذكر سوار الذهب بان جرائم قرنق أكبر من أن يسكت
عليها وقال: إن أول ما تفعله قواته حين تدخل قرية أو مدينة هو قتل الإمام والمؤذن
وإحراق المصاحف والكتب الدينية مما يشير بأن الحرب حرب ضد الإسلام وليست من أجل
إعادة حقوق مسلوبة أو إزالة مظالم.. وبعد كل ذلك أما آن لحكومة الخرطوم أن تترك
عادة أحلام اليقظة في السلام وتصورات أوهام المؤتمر الدستوري الذي لن ينعقد أبدًا.