; جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار | مجلة المجتمع

العنوان جهاد الاستشهاديين الأطهار ومنزلته في الفقه والآثار

الكاتب محمد موسي الشريف

تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2002

مشاهدات 57

نشر في العدد 1498

نشر في الصفحة 66

السبت 27-أبريل-2002

أخبار سلفنا الصالح وقصصهم تزيد صدر المسلم انشراحاً واطمئناناً إلى أن هذه العمليات الاستشهادية من أحسن أنواع الجهاد في سبيل الله تعالى، فقد اخرج ابن عساكر بسنده عن عقبة بن قيس الكلابي أن رجلاً قال لأبي عبيدة بن الجراح يوم اليرموك إني قد أجمعت أمري أن أشد عليهم فهل توصوني إلى نبيكم r بشيء؟ فقال: تقرئه السلام وتخبره أنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً. فقد أقر أبو عبيدة - t- الرجل على أن يشد عليهم وحده، وفي ذلك هلاك بين لكنه من أعظم القربات، كما بينت قبل ذلك. 

وروى الحافظ المزي وغير واحد بأسانيدهم عن العلاء بن سفيان الحضرمي قال: غزا بسر بن أرطاة الروم فجعلت ساقته([1]) لا تزال تصاب فيكمن لهم الكمين فيصاب الكمين، فلما رأى ذلك تخلف في مائة من جيشه، فانفرد يوماً في بعض أودية الروم فإذا براذين([2]) مربوطة نحو ثلاثين والكنيسة إلى جانبهم فيها فرسان تلك البراذين الذين كانوا يعقبونه في ساقته، فنزل عن فرسه فربطه، ثم دخل الكنيسة فأغلق عليه وعليهم بابها، فجعلت الروم تعجب من إغلاقه، فما استقلوا إلى رماحهم حتى صرع منهم ثلاثة وفقده أصحابه، فأتوا فعرفوا فرسه، وسمعوا الجلبة في الكنيسة، فأتوها فإذا بابها مغلق فقلعوا بعض السقف ونزلوا عليهم وبسر ممسك طائفة من أمعائه بيده والسيف بيده اليمنى، فلما تمكن أصحابه في الكنيسة سقط بسر مغشياً عليه، فأقبلوا على أولئك فأسروا وقتلوا فأقبلت عليهم الأسارى.

فقالوا: ننشدكم الله من هذا؟ قالوا: بسر بن أرطاة، فقالوا: والله ما ولدت النساء مثله، فعمدوا إلى أمعائه فردوه في جوفه ولم ينخرق منه شيء ثم عصبوه بعمائمهم وحملوه: ثم خاطوه فسلم وعوفي، وقد اختلف في صحبته، وكان من شجعان الأمة وأبطالها([3]).

وهذا البراء بن مالك - t - يوم اليمامة حمله أصحابه في ترس ورفعوه على الرماح والقوه على العدو، فقاتل وحده وقتل منهم عشرة وفتح الباب، وجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحاً، ولم ينكر ذلك عليه أحد من الصحابة - y - وروى هذا البيهقي في السنن([4])، وقد كان في الحديقة آلاف من بني تميم معتصمون بها وهم مقاتلون أشداء. 

وحمل أبو حدرد الأسلمي - t- وصاحباه على عسكر عظيم ليس معهم رابع ونصرهم الله على المشركين واستاقوا غنيمة عظيمة ([5]).

وذكر الطرطوشي في (سراح الملوك) وغيره أن عمرو بن معدي كرب نزل يوم القادسية على النهر فقال لأصحابه: إني عابر على الجسر فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور([6]) وجدتموني وسيفي بيدي أقاتل تلقاء وجهي، وقد غفرني القوم([7]) وأنا قائم بينهم، وإن أبطأتم وجدتموني قتيلاً بينهم، ثم انغمس فحمل على القوم، فقال بعضهم لبعض: يا بني زبيد علام تدعون صاحبكم والله ما أرى أن تدركوه حياً، فحملوا فانتهوا إليه، وقد صرع عن فرسه، وقد أخذ برجلي فرس رجل من العجم فأمسكها، وإن الفارس ليضربه فما يقدر الفرس أن يتحرك فلما غشيناه رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه فركبه عمرو، وقال: أنا أبو ثور كدتم والله أن تفقدوني([8]).

وهذا عبد العزيز بن زرارة يتعرض للشهادة في غزوة القسطنطينية سنة خمسين، وقد التحمت الحرب يوماً، واشتدت المقارعة فشد على من يليه يقتل وانغمس في جمهورهم فشجرته العلوج برماحها ([9]) فاستشهد رحمه الله([10])

وهذا على بن أسد مر ليلة بالكوفة، فمر برجل يقرأ في جوف الليل ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  (الزمر: 53) فقال علي أعد فأعاد، ثم قال: أعد فأعاد، فعمد فاغتسل ثم غسل ثيابه، فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء وصارت ركبتاه كركبتي البعير، فغزا البحر فلقي الروم، فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو، قال علي: لا أطلب الجنة بعد اليوم أبداً، فاقتحم بنفسه في سفائنهم، فمازال يضربهم وينحازون، ويضربهم وينحازون حتى مالوا في شق واحد فانكفات عليهم السفينة فغرق وعليه درع الحديد ([11])

وأخلص من هذا السرد القصصي الجهادي إلى أن قضية الانغماس في العدو والتعرض للشهادة وابتغاء مظان القتل قضية كانت معروفة زمان سلفنا بلا نکیر تساندها الأدلة التي سقت بعضها، وفتاوى الفقهاء العظام، فكيف يعترض اليوم على إخواننا المجاهدين الاستشهاديين ويذمون ويلامون إذا تابعوا أسلافهم وأخذوا بقول فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم. 

اللهم إن هذا لشيء عجيب وقرة عين للعدو. فليتق الله تعالى كل من يفتي بحرمة هذه العمليات الاستشهادية الرائعة التي أفقدت اليهود رباطة جأشهم، وكدرت عليهم عيشهم وأذهبت أحلامهم وأحلام من يعاونهم أدراج الرياح، والله المستعان.

-------------------------------------

الهوامش

([1]) الساقة من الجيش مؤخرته انظر المعجم الوسيط س. و. ق.

([2]) البردون يطلق على غير العربي من الخيل والبغال انظر المصدر السابق ب ردن.

([3]) مشارع الأشواق 1/539-540.

([4]) المصدر السابق 1/540.

([5]) المصدر السابق 1/545 – ٥٤٦.

([6]) أي مقدار نحر الواحد من الإبل.

([7]) أي غطوني.

([8]) مشارع الأشواق 1/548.

([9]) أي شبكته برماحها من كثرتها واختلافها في جسارة.

([10]) المصدر السابق 1/553.

([11]) مشارع الأشواق 1/554 - ٥٥٥

الرابط المختصر :