العنوان جهود التسوية تتوقف بالاستسلام
الكاتب عبدالله الصالح
تاريخ النشر الثلاثاء 11-ديسمبر-1984
مشاهدات 62
نشر في العدد 695
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 11-ديسمبر-1984
- بيريز: مفاوضات مباشرة مع الأردن.
- أسد: اتفاق غير مكتوب.
- ميتران: هل يستجيب لبيريز؟
الحقيقة الأساسية التي تفسر قتل جهود التسوية السياسية بين العرب وإسرائيل منذ بداية المشروع الصهيوني الاستيطاني على أرض فلسطين المسلمة، هو أن هذه الجهود كانت تهدف جميعًا سواء اقتربت من المطالب العربية أو ابتعدت لتحقيق شعار «إسرائيل وجدت لتبقى» الذي يجسد التحالف الإستراتيجي الحتمي بين الحركة الصهيونية وأنظمة الغرب الرأسمالية الاستعمارية. وقد تأكدت هذه الحقيقة بشكل جلي منذ قبول مصر عبد الناصر بمشروع روجوز عام ١٩٧٠ ومن ثم اتفاقيات فض الاشتباك على الجبهتين المصرية والسورية، وأخيرًا اتفاقيات كامب ديفيد والاتفاقية المصرية –الإسرائيلية.
استراتيجية:
ومع أن المنطق كان يقضي بأن تدرك أنظمة الحكم العربية هذه الحقيقة فتعلن مقاطعتها لجهود التسوية، وتعمل على بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية على أساس المواجهة مع دولة العدوان الصهيوني، إلا أنها خلافًا لذلك راحت تسارع في الخط المعاكس، وأصبحت حماية الكيان الصهيوني من هجمات الفدائيين الفلسطينيين عبر الحدود إستراتيجية لدى أنظمة لمواجهة العربية، وكنتيجة لذلك طرحت القوى الدولية خاصة أمريكا مجموعة من الحلول والمقترحات للتسوية في الشرق الأوسط، كانت تتناسب دائمًا مع الظروف، وأخذت هذه الحلول والمقترحات تتراجع في مضامينها إلى أن بدأت أخيرًا مرحلة التسليم بمطالب العدو الصهيوني والتوسط لدى العرب للقبول بذلك!
ولعل خير دليل على صدق هذا التحليل هو جهود التسوية التي انطلقت في الأسبوع الماضي في أعقاب ترتيب البيت الفلسطيني بما يتلاءم وهذه الجهود.
فقد كان واضحًا أن العقبة الأساسية في التوصل إلى تسوية ما يسمى بالنزاع العربي–الإسرائيلي في وجود العمل العسكري الفلسطيني الذي ترعاه منظمة التحرير الفلسطينية. ولتطويع هذه العقبة تم إتباع أسلوبين:
الأسلوب الأول: هو ضرب البنية العسكرية للمنظمة، وقد تم هذا من خلال مجازر أيلول ۱۹۷۰ واحتلال اليهود لبيروت عام (۱۹۸۲) ومحاصرة سوريا لطرابلس عام (۱۹۸۳) وبذلك تم استبعاد الخيار العسكري نهائيًا من بين يدي المنظمة.
الأسلوب الثاني: احتواء قيادات المنظمة ودفعها للمضي في طرق التسوية من خلال نفوذ الأنظمة العربية إليها من جهة والضغط المتواصل على الشعب الفلسطيني بشكل خاص لتيئيسه وحمله على المطالبة بالتسويات المطروحة!
وكآخر محطة في هذا السبيل وضمن لعبة كانت بطلتها سوريا، تم في عمان في الشهر الماضي موافقة ممثلي الشعب الفلسطيني رسميًا من خلال انعقاد الدورة السابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني على ركوب قطار التسوية العربي وذلك بالموافقة على مشروع قائم على أساس قيام صيغة «فلسطينية- أردنية» مشتركة للتحرك نحو التسوية على أساس قرار مجلس الأمن رقم (٢٤٢) مع الأخذ بعين الاعتبار الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إطار كونفيدرالية أردنية- فلسطينية.
وأصبحت اللجنة التنفيذية الجديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية تملك هامشًا واسعًا للمناورة، الأمر الذي جعل قطار التسوية يتحرك.
قطار التسوية:
ففي أعقاب اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني بدأ ياسر عرفات وبعض أعضاء اللجنة التنفيذية جولة عربية زاروا فيها بعض عواصم الخليج، كما قام الملك حسين بجولة بدأها بمصر مبارك ثم توجه إلى لندن؛ حيث يزورها وزير دفاع دولة العدو الصهيوني إسحق رابين الذي توقعت صحيفة دافار أن يجتمع بالحسين أثناء وجوده هناك، وذلك في أعقاب طرح الحسين لمبادرته في افتتاح المجلس الوطني الفلسطيني.
وفي الوقت نفسه طار رئيس وزراء العدو إلى باريس للقاء الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران من أجل هدفين:
الأول: التعرف على نتائج لقاءات الرئيس الفرنسي مع الملك حسين وحسني مبارك وحافظ أسد، ومطالبة فرنسا بالقيام بدور من أجل تحريك جهود التسوية على أساس إقناع العرب بالتفاوض مع إسرائيل مباشرة، وذلك عن طريق دعم الأردن في هذا الاتجاه واستبعاد منظمة التحرير الفلسطينية.
الثاني: توطيد العلاقات الثنائية وخاصة في المجال العلمي والتكنولوجي، وقد نقلت بعض الصحف الإسرائيلية أن فرنسا ستزود إسرائيل بمفاعل نووي.
أما إسحاق رابين فزيارته تهدف إلى التعرف على نتائج قمة دول السوق الأوروبية التي عقدت في دبلن الأسبوع الماضي. والتي ذكر أنها دعت لإحياء جهود التسوية على أساس قراري (٢٤٢) و (۳۲۸) وإشراك منظمة التحرير في أية مفاوضات. وتتزامن هذه التحركات مع مؤشرات إلى أن ميتران قد يدفع مع حافظ أسد خلال زيارته لدمشق موافقة سوريا على وضع ترتيبات أمنية تطلبها إسرائيل لتنفيذ قرارها بالانسحاب من جنوب لبنان.
مصلحة مشتركة:
كما تتزامن مع تصريحات أمريكية غير رسمية بأهمية سوريا لكونها كما جاء على لسان سفير أمريكي سابق في دمشق «قوة استقرار بالمنطقة».
والجدير بالذكر أن شيمون بيريز في باريس قد أشار لأهمية المفاوضات المباشرة مع «العرب المجاورين» وعد من بينهم سوريا! وهناك تصريح لافت للنظر للسيد هاني الحسن الذي أوضح في مقابلة مع صحيفة الخليج الشارقية أن عودة العلاقات الطبيعية بين المنظمة وسوريا ستنتظر حتى الربيع المقبل «لأن سوريا لا تريد أن تتفاهم معنا الآن».
فهل هذه إشارة إلى أن سوريا التي تبدو معارضة للمحور الفلسطيني الأردني المصري سيتغير موقفها في الربيع؟! ربما، ولكن كما يقول روبرت فيسك في التايمز عدد 30/11/84 في معرض تعليقه على اجتماع ثلاثة من رجال المخابرات الإسرائيلية مع سوريين «وكما كان الحال دائمًا فإن لسوريا وإسرائيل مصلحة مشتركة جِدًّا».
ونحن نميل إلى أن إسرائيل لا ترغب في توقيع «اتفاقية سلام» مع سوريا، وإنما تكتفي بمعاهدة غير مكتوبة كما قال شيمون بيريز منذ أسبوعين، لأن ذلك ينسجم مع المخطط الصهيوني القائم على التوسع والعدوان فهو يريد الاتفاق غير المباشر مع سوريا لكي يخرقه وقتما يفرض عليه الهدف المرحلي!
علاقات أمريكية عربية:
ومن جهة العلاقات الأمريكية العربية تطورت مؤخرًا باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين العراق وأمريكا، وتوقيع صفقة الغاز الأمريكية الجزائرية. كما تتطلع دول عربية أخرى إلى أمريكا للتعاون معها.
وإضافة إلى ما سبق من مؤشرات حول استئناف جهود التسوية ذكرت وكالات الأنباء أن الإدارة الأمريكية تعتزم إرسال مبعوثها الخاص للشرق الأوسط ريتشارد مورفي قريبًا لا ليكون وسيطًا ولكن ليدفع الأطراف المعنية للاتفاق المباشر.
والمراقب لمسرح الأحداث السياسية في الشرق الأوسط يظن بأن المنطقة باتت على أعتاب تسوية سياسية عاجلة. فها هو الملك حسين يدعو في القاهرة بشدة لبذل الجهود من أجل التسوية، ويقول بأن هذا من «مسؤوليتنا» وليس من مسؤولية الأجيال اللاحقة! وها هو عرفات يبشر بأنه يرى القدس في نهاية النفق المظلم!
ويحرص الرسميون العرب على وضع الأمانة في رقبة منظمة التحرير، فكل شيء جاهز «وكل شيء يتوقف على المنظمة».
فهل حقًا أن كل شيء جاهز؟ وهل ستنتهي جهود التسوية بالنجاح على النحو الذي ترسمه الصيغة الأردنية الفلسطينية أو الصيغة الأردنية المصرية؟ أو حتى المبادرة الأوروبية إن كان ثمة مبادرة أوروبية.
ثلاثة مؤشرات مهمة:
ومع أن واقع معظم الأنظمة العربية المقبل على التسوية في ظل رجحان ميزان القوى لصالح دولة العدو الصهيوني يجعل المراقب، أي مراقب، لا يرى مجالًا لإمكانية التوصل إلى تسوية مرضية للعرب إلا أن ثلاثة مؤشرات تجعلنا نؤمن بالحقيقة التي أسلفناها في المقدمة وهي أن نتيجة أية جهود للتسوية هي الاستسلام الكامل لمطالب العدو الصهيوني.
هذه المؤشرات هي:
تصريح رئيس وزراء فرنسا لوران فابيوس الذي يقول فيه: «من الواضح أن مشكلات المنطقة لا يمكن أن يعالجها إلا أولئك الذين يعيشون هناك، ولا يمكننا أن نحل محل أولئك الذين سيعترفون يومًا ما بعضهم ببعض، ويقبلون حقوق كل منهم في الوجود».
بيان القمة الأوروبية في دبلن أشار إلى: «أنه مهما بذلت أطراف ثالثة من جهود فلن تكون البديل عن مفاوضات مباشرة بين الأطراف المعنية بصراع المنطقة»!
الآن رومبيرغ الناطق الرسمي الأمريكي يصرح حول عودة ريتشارد مورفي للمنطقة قائلًا: «نحن نفضل ما هو واقعي ومجد، وما زلنا نعتقد أن المسار العملي الأفضل هو المفاوضات المباشرة، بين إسرائيل والأطراف العربية تحت إشراف واشنطن في إطار اتفاقيات كامب ديفيد».
وإذا علمنا أن التحرك الأردني الفلسطيني المصري يقوم على أساس كسب أوروبا كوسيلة للضغط على أمريكا لتحريك جهود التسوية على أساس قرار ٢٤٢، فإن المراقب المنصف لا يملك أن يقول في ضوء القناعة الأوروبية بعدم جدوى الوساطات، إلا أن النتيجة النهائية لهذا التحرك في التسليم بالمنطق الأمريكي والصهيوني.
وإذا كان المنطق الصهيوني كما جاء على لسان شيمون بيريز لا يؤمن إلا بالمفاوضات المباشرة مع الأردن من غير منظمة التحرير بدون شروط مسبقة، وكما جاء على لسان شامير بضرورة التخلي عن حلم عودة إسرائيل إلى حدود عام ١٩٦٧، وأن قرار (٢٤٢) مات منذ زمن، وأن فكرة المؤتمر الدولي فكرة سخيفة.
وإذا أمر الفريق العربي على المضي في جهود التسوية وهذا ما يبدو، فإن المحصلة النهائية؛ لذلك هي الاستسلام الكامل للمخطط الصهيوني.
وفي مثل هذه الحالة لن يرحم التاريخ ولا الجماهير من يقترف مثل ذلك مهما كانت المسوغات، إن الشرف كل الشرف في مثل هذه الظروف عدم التسليم للظالم بمطلب إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فهل يعقل الحكام العرب أو يعتبرون؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل