العنوان جواب شيخ الإسلام «ابن تيمية» على سؤال العلامة المحقق أحمد بن مري الشافعي حول النصيرية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1976
مشاهدات 41
نشر في العدد 306
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 22-يونيو-1976
جواب ابن تيمية: النصيرية أكفر من اليهود والنصارى
والمشركين
ابن تيمية يقول:
- النصيرية
هم السبب في احتلال النصارى والتتار لبلاد الشام.
- النصيرية
خونة متآمرون يسلمون البلاد والعباد للعدو متى استطاعوا.
- النصيرية
أكفر من اليهود والمشركين.
- لا
يجوز أن يستخدمهم المسلمون في الجيش والوظائف العامة.
- قتال
النصيرية كقتال المرتدين.
(أجاب) شيخ
الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية وقال:
الحمد لله رب العالمين. هؤلاء القوم المسمون بالنصيرية
هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى؛ بل وأكفر من كثير من
المشركين، وضررهم على أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- أعظم من ضرر الكفار المحاربين
مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم؛ فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع وموالاة
أهل البيت، وهم في الحقيقة لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا نهي
ولا ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار ولا بأحد من المرسلين قبل محمد- صلى الله عليه
وسلم- ولا بملة من الملل ولا بدين من الأديان السالفة؛ بل يأخذون كلام الله ورسوله
المعروف عند علماء المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها يدعون أنها علم الباطن من
جنس ما ذكره السائل.
النصيرية ملاحدة لا دين لهم
فإنهم ليس لهم حد محدود فيما يدعونه من الإلحاد في
أسماء الله تعالى وآياته وتحريف كلام الله تعالى ورسوله عن مواضعه؛ إذ مقصودهم
إنكار الإيمان وشرائع الإسلام بكل طريق مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها
من جنس ما ذكره السائل، ومن جنس قولهم إن (الصلوات الخمس) معرفة أسرارهم، و(الصيام
المفروض) كتمان أسرارهم، و(حج البيت العتيق) زيارة شيوخهم، وأن يدي أبي لهب هما
أبو بكر وعمر، و(أن النبأ العظيم والإمام المبين) هو علي بن أبي طالب.
النصيرية أعداء الإسلام وكفار زنادقة:
ولهم في معاداة الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب
مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين كما قتلوا مرة الحُجاج وألقوهم في
بئر زمزم، وأخذوا مرة الحجر الأسود وبقي عندهم مدة، وقَتلوا من علماء المسلمين
ومشايخهم وأمرائهم وجندهم ما لا يُحصي عدده إلا الله تعالى، وصنفوا كتبًا كثيرة
مما ذكره السائل وغيره.
وصنف علماء المسلمين كتبًا في كشف أسرارهم وهتك
أستارهم وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة والإلحاد الذي هم به أكفر من
اليهود والنصارى ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام، وما ذكره السائل في وصفهم
قليل من الكثير الذي يعرفه العلماء من وصفهم.
النصيرية هم السبب في احتلال النصارى والتتار لبلاد
الشام:
ومن المعلوم عندنا أن السواحل الشامية إنما استولى
عليها النصارى من جهتهم وهم دائمًا مع كل عدو للمسلمين، فهم مع النصارى على
المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم انتصار المسلمين على التتار.
ومن أعظم أعيادهم إذا استولى- والعياذ بالله تعالى-
النصارى على ثغور المسلمين، وما زالت بأيدي المسلمين حتى جزيرة قبرص- يسر الله
فتحها- عن قريب، وفتحها المسلمون في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله
عنه؛ فتحها معاوية بن أبي سفيان إلى أثناء المائة الرابعة.
النصيرية هم السبب في سقوط القدس في أيدي الصليبيين
وهم السبب في سقوط الخلافة العباسية؛ فهؤلاء المحادون لله ورسوله كثروا بالسواحل
وغيرها فاستولى النصارى على الساحل ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره، فإن
أحوالهم كانت من أعظم الأسباب في ذلك.
ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين في سبيل
الله تعالى كنور الدين الشهيد، وصلاح الدين، وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى
ممن كان بها منهم، وفتحوا أيضًا أرض مصر؛ فإنهم كانوا مستولين عليها نحو مائتي
سنة، واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ
انتشرت دعوة الإسلام بالديار المصرية والشامية.
ثم إن التتار ما دخلوا بلاد الإسلام وقَتلوا خليفة
بغداد وغيره من ملوك المسلمين إلا بمعاونتهم ومؤازرتهم؛ فإن مرجع هؤلاء الذي كان
وزيرَهم وهو النصير الطوسي كان وزيرًا لهم، وهو الذي أمر بقتل الخليفة وبولاية
هؤلاء.
للنصيرية أسماء أخرى:
ولهم ألقاب معروفة عند المسلمين:
- تارة
يسمون الملاحدة.
- وتارة
يسمون القرامطة.
- وتارة
يسمون الباطنية.
- وتارة
يسمون الإسماعيلية.
- وتارة
يسمون النصيرية.
- وتارة
يسمون الخرمية.
وهذه الأسماء منها ما يعمهم ومنها ما يخص بعض
أصنافهم، كما أن الإسلام والإيمان يعم المسلمين، ولبعضهم اسم يخصه إما لنسب، وإما
لمذهب، وإما لبلد، وإما لغير ذلك، وشرح مقاصدهم يطول.
ظاهر مذهبهم الرفض وباطنهم الكفر المحض:
وهم كما قال العلماء فيهم: ظاهر مذهبهم الرفض
وباطنه الكفر المحض. وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء والمرسلين لا
بنوح ولا إبراهيم ولا موسى ولا عيسى ولا محمد- صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين-
ولا بشيء من كتب الله المنزلة لا التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن، ولا يقرون بأن
للعالم خالقًا خلقه، ولا بأن له دينًا أمر به، ولا أن له دارًا يجزى الناس فيها
على أعمالهم غير هذه الدار.
وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطاعنين
الإلهيين، وتارة يبنونه على قول الفلاسفة وقول المجوس الذين يعبدون النور ويضمون
إلى ذلك الرفض ويحتجون لذلك من كلام النبوات، إما بقول مكذوب ينقلونه كما ينقلون
عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «أول ما خلق الله العقل»، والحديث موضوع
باتفاق أهل العلم بالحديث، ولفظه: «إن الله لما خلق العقل قال له أقبل فأقبل، ثم
قال له أدبر فأدبر»، فيحرفون لفظه ويقولون: «أول ما خلق الله العقل» ليوافقوا قول
المتفلسفة أتباع أرسطو في أن أول الصادرات عن واجب الوجود هو العقل.
وإما بلفظ ثابت عن النبي- صلى الله عليه وسلم-
فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع أصحاب «رسائل إخوان الصفا» ونحوهم فإنهم من أئمتهم.
وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين وراج
عليهم حتى صار ذلك في كتب طوائف المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا
يوافقونهم على أصول الدعوة النهائية، وهي درجات متعددة، ويسمون النهاية «البلاغ
الأكبر» و«الناموس الأعظم».
استهزاؤهم بالله وبأسمائه الحسنى:
ومضمون البلاغ الأكبر جحد الخالق تعالى والاستهزاء
به وبمن يقر به، حتى قد يكتب أحدهم اسم الله في أسفل رجله، وفيه أيضًا جحد شرائعه
ودينه وما جاء به الأنبياء ودعوى أنهم من جنسهم طالبون للرياسة، فمنهم من أحسن في
طلبها، ومنهم من أساء في طلبها حتى قُتل، ويجعلون محمدًا وموسى من القسم الأول،
ويجعلون المسيح من القسم الثاني، وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة والصوم والحج
ومن تحليل نكاح ذوات المحارم وسائر الفواحش ما يطول وصفه.
ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضًا، وهم
إذا كانوا في بلاد المسلمين التي يكثر فيها أهل الإيمان فقد يخفون على مَن لا
يعرفهم، وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس فضلًا عن خاصتهم.
لا تجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم:
وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز
مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل ولِيَّتَه منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح
ذبائحهم.
وأما الجبن المعمول بأنفحتهم ففيه قولان مشهوران
للعلماء كسائر أنفحة الميتة وكأنفحة ذبيحة المجوس وذبيحة الفرنج الذين يقال عنهم
إنهم لا يذكون الذبائح، فمذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين أنه يحل هذا
الجبن؛ لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا القول لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة،
وملاقاة الوعاء النجس في الباطن لا تنجس، ومذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية
الأخرى أن هذا الجبن نجس؛ لأن أنفحة هؤلاء نجسة لأن لبن أنفحتها عند هؤلاء نجس، ومن
لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة، وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن
الصحابة؛ فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم أكلوا جبن المجوس، وأصحاب القول الثاني
نقلوا أنهم أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى، فهذه مسألة اجتهاد للمقلد أن
يقلد من يفتي بأحد القولين.
أوانيهم وملابسهم كأواني المجوس وملابسهم:
وأما أوانيهم وملابسهم فكأواني المجوس وملابس
المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة، والصحيح في ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد
غسلها؛ فإن ذبائحهم ميتة فلابد من أن يصيب أوانيَهم المستعملةَ ما يطبخونه من
ذبائحهم فتنجس بذلك. فأما الآنية التي لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها
فتستعمل من غير غسل؛ كآنية اللبن التي لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع
اللبن فيها، وقد توضأ عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- من جرة نصرانية، فما شُكَّ في
نجاسته لم يُحْكَم بنجاسته بالشك.
لا يُصَلَّى على موتاهم ولا يدفنون في مقابر
المسلمين:
ولا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين ولا يُصَلَّى على
من مات منهم؛ فإن الله- سبحانه وتعالى- نهى نبيه- صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة
على المنافقين كعبد الله بن أُبَيّ ونحوه، وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة
والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين الإسلام، لكن يسرون ذلك، فقال
الله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ
قَبْرِهِۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾
(التوبة: 84)؛ فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد؟!
استخدام المسلمين لهم في الجيش والوظائف العامة
والخاصة من الكبائر:
وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم
أو جندهم فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم؛ فإنهم من أغش
الناس للمسلمين ولولاة أمورهم، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة، وهم شر
من المخامر الذي يكون في المعسكر؛ فإن المخامر قد يكون له غرض إما مع أمير العسكر
وإما مع العدو، وهؤلاء مع المخالفة لله ونبيه ودينه وملوكه وعلمائه وعامته وخاصته.
النصيرية خونة متآمرون يسلمون البلاد والعباد للعدو
متى استطاعوا:
وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين
وعلى إفساد الجند على ولي الأمر وإخراجهم عن طاعته. ويحل لولاة الأمور قطعهم من
دواوين المقاتلة فلا يتركون في ثغر ولا في غير ثغر؛ فإن ضررهم في الثغر أشد، وأن
يستخدم بدلهم مَن يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام وعلى
النصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. بل إذا كان ولي الأمر لا يستخدم من
يغشه وإن كان مسلمًا، فكيف بمن يغش المسلمين كلهم؟! ولا يجوز له تأخير هذا الواجب
مع القدرة عليه، بل أي وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك. وأما إذا استخدموا
وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى وإما أجرة المثل لأنهم عوقدوا على
ذلك؛ فإذا كان العقد صحيحًا وجب المسمى، وإن كان فاسدًا وجبت أجرة المثل، وإن لم
يكن استخدامهم من جنس الإجارة اللازمة فهي من جنس الجعالة الجائزة، لكن هؤلاء لا
يجوز استخدامهم؛ فالعقد عقد فاسد لا يستحقون إلا قيمة عملهم، فإن لم يكونوا عملوا
عملًا له قيمة فلا شيء لهم.
ديارهم وأموالهم مباحة:
لكن دماءهم وأموالهم مباحة، وإذا أظهروا التوبة ففي
قبولها منهم نزاع بين العلماء؛ فَمَن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر
أموالهم عليهم، ومن لم يقبلها لم تنقل إلى ورثتهم من جنسهم، فإن مالهم يكون فيئًا
لبيت المال، ولكن هؤلاء إذا أُخِذوا فإنهم يظهرون التوبة؛ لأن أصل مذهبهم التقية
وكتمان أمرهم، وفيهم من يُعرَف وفيهم مَن قد لا يُعرَف، فالطريق في ذلك أن
يُحْتَاط في أمرهم.
لا يُتْرَكون يجتمعون ولا يُمَكَّنون من حمل
السلاح:
فلا يتركون مجتمعين ولا يمكنون من حمل السلاح وأن
يكونوا من المقاتلة، ويلزمون شرائع الإسلام من الصلوات الخمس، وقراءة القرآن،
ويُتْرَك بينهم من يعلمهم دين الإسلام، ويُحَال بينهم وبين معلمهم، فإن أبا بكر
الصديق- رضي الله عنه- وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الردة وجاءوا إليه قال لهم
الصديق: "اختاروا إما الحرب المجلية وإما السلم المخزية"، قالوا:
"يا خليفة رسول الله، هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم
المخزية؟"، قال: "تَدُون قتلانا ولا ندي قتلاكم، وتشهدون أن قتلانا في
الجنة وقتلاكم في النار، ونقسم ما أصبنا من أموالكم وتردون ما أصبتم من أموالنا،
وتُنْزَع منكم الحلقة والسلاح، وتُمْنَعون من ركوب الخيل، وتُتْرَكون تتبعون أذناب
الإبل حتى يرى خليفة رسول الله والمؤمنون أمرًا بعد ردتكم"، فوافقه الصحابة
على ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين؛ فإن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال له:
"هؤلاء قتلوا في سبيل الله فأجورهم على الله- يعني هم شهداء- فلا دية
لهم"، فاتفقوا على قول عمر في ذلك.
وهذا الذي اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء،
والذي تنازع فيه العلماء فذهب أكثرهم إلى أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون
لا يضمن كما اتفقوا عليه أخيرًا، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين،
ومذهب الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى وهو القول الأول. فهذا الذي فعله الصحابة
بأولئك المرتدين بعد عودهم إلى الإسلام يُفْعَل بمن أظهر الإسلام والتهمة ظاهرة
فيه؛ فيُمنَع أن يكون من أهل الخيل والسلاح والدروع التي تلبسها المقاتلة، ولا
يُتْرَك في الجند من يكون يهوديًا ولا نصرانيًا، ويلزمون شرائع الإسلام حتى يظهر
ما يفعلونه من خير أو شر. ومن كان من أئمة ضلالهم وأظهر التوبة أُخْرِج عنهم
وسُيِّر إلى بلاد المسلمين التي ليس لهم بها ظهور؛ فإما أن يهديه الله تعالى، وإما
أن يموت على نفاقه من غير مضرة للمسلمين.
قتال النصيرية كقتال المرتدين وإقامة الحدود عليهم
من أعظم الطاعات:
ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم
الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد مَن لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل
الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصديق وسائر الصحابة بدأوا بجهاد
المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب؛ فإن جهاد هؤلاء حفظ لما فُتِح من بلاد
المسلمين وأن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل
الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مقدم على الربح.
وأيضًا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك،
بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، وضررهم في
الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب.
يجب على كل مسلم أن يفشي أخبارهم:
ويجب على كل مسلم أن يقوم في ذلك بحسب ما يقدر عليه
من الواجب؛ فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف
المسلمون حقيقة حالهم، ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله؛
فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله
تعالى، وقد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ
جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ وَمَأْوَاهُمْ
جَهَنَّمُۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (التوبة: 73).
والمعاون على كف شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من
الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى؛ فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم
كما قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران:
110)، قال أبو هريرة: "كنتم خير الناس للناس تأتون بهم في القيود والسلاسل
حتى تدخلوهم الإسلام". فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان؛ فمن هداه الله منهم سعد في
الدنيا والآخرة، ومن لم يهتدِ كف الله ضرره عن غيره.
ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هو أفضل الأعمال كما قال صلى الله عليه وسلم: «رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة،
وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله».
وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن في
الجنة مائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، أعدها الله عز
وجل للمجاهدين في سبيله».
وقال صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم وليلة في سبيل
الله خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله، وأجري عليه
رزقه، وأمن الفتان».
والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالى:
﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ
آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِۚ لَا
يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *
الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ
* يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ
فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاۚ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ
أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التوبة: 19-22).
والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على خير
خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.